+A
A-

د. محمد الرميحي لـ “البلاد”: التنوير شرط للنهضة.. والرَّيع لا يدوم

  • قلت منذ 1974 إننا بلدان صغيرة تحتاج سوق عمل موحدة

  • السيادة عزيزة.. لكن التحديات أكبر من بطء التكامل

  • الثقافة ليست موسيقى فقط.. بل سلوك ووعي واحترام

 

في لقاء فكري خصّ به “البلاد”، فتح المفكر الكويتي الدكتور محمد غانم الرميحي نافذة واسعة على أسئلة النهضة العربية والخليجية، من موقع خبرة أكاديمية طويلة واشتغال متواصل على قضايا التنوير والتنمية والتحولات الاجتماعية والسياسية في المنطقة.
ومضى الرميحي في تشخيصه بعيدا عن القطعيات، مؤكدا أن التحديات التي تحيط بعالمنا العربي - سياسيا وأمنيا واجتماعيا واقتصاديا - لا تُجابَه بالشعارات، بل بعقلانية تُنصف التنوع وتستوعب الاختلاف، وبمشاريع تطويرية تعيد ترتيب الأولويات، وفي مقدمتها الإنسان والتعليم والاقتصاد المنتج.
وفي هذا الحوار، توقف الرميحي عند مسارات مجلس التعاون، والاقتصاد الريعي، وحدود المشاركة السياسية، ودور الثقافة في التقدم، وإشكال توظيف الدين في الشأن العام، وصولا إلى مفهوم “وثنية النماذج” والتحالفات المتناقضة التي تنتهي - في رأيه - إلى نتائج مدمرة.

ملامح المشروع التنويري
بداية، هل يمكن الحديث عن مشروعكم الفكري، خصوصا في ما يتعلق بنظرتكم إلى الواقع العربي وسبل النهوض به في مواجهة التحديات السياسية والأمنية والاجتماعية والاقتصادية؟ وما أبرز عناصر هذا المشروع؟
جهدي الثقافي جهد متواضع يصب في تيار واسع من الفكر العربي والخليجي، أستطيع أن أسميه بالتفكير التنويري؛ إذ أعتقد أننا بحاجة كبيرة إلى التنوير، والتنوير هنا له معنى واسع.
في مرحلة من المراحل كنا قطعيين، بمعنى “يا أسود يا أبيض”، والحياة ليست كذلك؛ فهي ألوان متعددة. وقد علّمنا التراث أن من قال إنني علمت فقد جهل؛ لأن العلم واسع المدارك ولا يمكن إدراكه بالكامل.
وما تعلمته اليوم قد أتعلم أفضل منه غدا. وأثناء تدريسي في جامعة الكويت لفترة طويلة، كنت في معظم الأوقات ببداية المحاضرات أقول للطلاب إنني هنا لست لأعلمكم بقدر ما أتعلم منكم؛ لأن لديهم خبرات ومعارف مختلفة.
وبالتالي أحاول عبر هذا التفاعل أن أكون عقلانيا، بعيدا عن التعصب العرقي والطائفي والمذهبي والديني؛ لأن البشر مختلفون في ألوانهم وتوجهاتهم، لكنهم مشتركون في الإنسانية.

نموذج خليجي جامع
دعوتَ في ندوة سابقة وكتاباتك إلى بناء نموذج خليجي ناجح للتحالف الخليجي العربي، تلتحق به بقية الدول العربية عبر تعظيم الجوامع وعدم تضخيم الصغائر. ما السبيل إلى ذلك في ضوء التحديات الأمنية والاقتصادية والاجتماعية التي تواجه المنطقة؟
أول كتاب أصدرته بعد تخرّجي كان بعنوان “البترول والتغير الاجتماعي” سنة 1974، وكان ذلك قبل تأسيس مجلس التعاون لدول الخليج العربية بسنوات طويلة، وتحدثت فيه عن أهمية التعاون الخليجي في ذلك الوقت.
بل إن النفط نفسه لم يكن قد ارتقى لمستواه السعري كما جاء بعد ذلك.
وقلت حينها: إننا بلدان صغيرة ونحتاج إلى التكاتف وتوحيد سوق العمل.
وما حدث لاحقا أن هذه الفكرة أصبحت حاجة ملحّة لدى السياسيين، خصوصا في بداية الثمانينات بعد اشتعال الحرب العراقية الإيرانية. وكانت الفكرة تتجه إلى تأسيس مجلس اتحادي، لكن بسبب ظروف مختلفة أصبح المجلس بهويته الحالية. وقد حقق بعض الإنجازات، لكننا بحاجة إلى التطوير؛ لأن التغيرات حولنا هائلة والمنطقة، كلها في حالة غليان.
وهذا يتطلب أن نحافظ على ما وصلنا إليه، وأن نفكر في المستقبل: كيف نلبي حاجات الناس بشكل أفضل؟

من التعاون للاتحاد
كيف تقيّمون تجربة مجلس التعاون بعد عجزه عن التحول من صيغة التعاون إلى صيغة الاتحاد على شاكلة الاتحاد الأوروبي؟ وما الذي يعوق ذلك؟
موضوع السيادة عزيز على البعض، لكن هناك جهود تُبذل في هذا الموضوع، من بينها الجهد الذي قام به المرحوم الملك عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود منذ سنوات، حين دعا إلى الوحدة الخليجية.
ولدينا الآن شراكة استراتيجية دفاعية متكاملة، وكذلك تنسيق تربوي، وعدد واسع من المشاريع المشتركة، واستثمار مشترك خليجي أو ثنائي. وأنا أدعو إلى السير في مجلس التعاون بسرعة، بين دولتين كمرحلة أولى، ثم يلحق بهما الآخرون؛ لأن التحديات هائلة، ويجب عدم الاستهانة بها وبخطورتها.

ما بعد الاقتصاد الريعي
سبق أن تحدثتم عن نتائج الولوج القسري لمجتمعات الخليج في الدورة الاقتصادية الرأسمالية العالمية، خصوصا ما يتعلق بالنمو وأثر الاستهلاك. هلّا تشرحون للقراء أهم تلك النتائج، وكيف ترون تجاوزها عمليا؟

في تقديري، قفزت دول الخليج قفزات اقتصادية كبيرة جدا وفي وقت قياسي، وساعدت مواردها النفطية على تحقيق وفورات مالية ضخمة. لكن التحول إلى الاقتصاد الريعي - الذي يعتمد على صرف إيرادات النفط على المواطنين أو على أمور تنموية أخرى - لن يبقى طويلا.
وأستطيع أن أستشهد هنا بتجربة إندونيسيا التي كانت تعتمد حتى التسعينات على النفط، وكانت عضوا مهما في منظمة “الأوبك”، وكان اقتصادها ريعيا مثل ما هو لدينا. لكن في نهاية التسعينات نضب النفط لديهم؛ فاضطروا إلى إحداث تغييرات واسعة في التعليم، والقضاء على الفساد، والتوجه إلى التقنية الحديثة.
ولأن إندونيسيا دولة كبيرة ولديها موارد أخرى متنوعة مثل الزراعة، استطاعوا - بفضل الإدارة الجديدة - أن يصنعوا أكبر طبقة وسطى في تاريخ بلادهم، كما قللوا نسبة الفقر والبطالة بشكل كبير.
ومن التجارب الحديثة في هذا الشأن، الرؤية السعودية التي يقود زمامها صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان آل سعود عبر مشروعه التنموي الهائل، الذي من شأنه أن يعدد مصادر الدخل للمملكة. وقد أفضت هذه الرؤية إلى أن المرأة السعودية باتت تقود السيارة، وأصبحنا نشهد إقامة حفلات موسيقية وغناء ومسرحيات ومهرجانات ومسابقات رياضية دولية متنوعة، وأفلام سينما تعرض في دور حديثة وعديدة.
هذه تسمى بالقوة الناعمة. ونحن في الخليج لدينا قوة ناعمة بسبب تراكم التعليم الكمي في مجتمعاتنا المتحضرة، وما نحتاجه الآن هو أن نفكر خارج الصندوق؛ لكي نتعرف على العقبات التي تحول دون إيجاد قاعدة إنتاجية خليجية جديدة قادرة على الإنتاج وتوفير فرص العمل، خصوصا مع أن مخزون النفط والغاز بدأ في التراجع، وما تزال دول الخليج تعتمد عليه كمصدر دخل رئيس.
وفي هذا الأمر تشغلني أربعة موضوعات: الأول اكتشاف احتياطيات أخرى للنفط والغاز خارج الخليج العربي. والثاني وقف الحرب في أوكرانيا؛ إذ إن لدى روسيا فائضا من الغاز والنفط قد يتسبب في تراجع حاد في الأسعار. والثالث هو التطور المتسارع في الطاقة البديلة التي قد تحدث إشكالا كبيرا في أسعار النفط. والرابع احتمال قيام حرب في المنطقة قد تفضي إلى إغلاق مضيق هرمز.
وبالنسبة للسعودية - وبسبب رقعتها الجغرافية الكبيرة - فهي قادرة على تصدير نفطها حتى مع إغلاق مضيق هرمز، لكنه أمر يصعب على بقية الدول الأخرى. هذا الواقع يفرض علينا أن نفكر بجدية في تنويع مصادر الدخل، والتوجه نحو اقتصاد الكثرة، الذي يرتكز على أسواق اقتصادية متنوعة ومتعددة تستطيع أن تسوق لبضائعك فيها بسهولة؛ لأن السوق الصغيرة لا توفر لرأس المال والمبادرين مجالا واسعا للحركة.

المشاركة السياسية المطلوبة
هل تحتاج دول الخليج إلى المشاركة السياسية؟ وما دورها في تعزيز وحدة المجتمعات وبناء التنمية؟ وكيف تقيمون التجربة حاليا في بعض الدول الخليجية وأفقها ومآلاتها المستقبلية؟

أنا كنت دائما مع المشاركة السياسية، لكن التجربة الكويتية صدمتنا في السنوات الأخيرة؛ لأنك إذا أردت مشاركة فعالة فأنت بحاجة إلى شريك عقلاني، وليس شريكا فوضويا وهوائيا.
أعتقد أننا حتى هذه اللحظة تنقصنا ثقافة الديمقراطية؛ فحين يختلف اثنان في رأي يؤخذ الأمر على أنه شخصي وليس موضوعيا، في حين أن الديمقراطيات تقوم على التوافق وعلى الاختلاف أيضا؛ قد نتفق في مكان ونختلف في مكان آخر.
والثقافة الديمقراطية ليست موجودة لدينا؛ إذ إن كل طرف متحصن في قلعته وفي ماضيه وفي أيديولوجيته، بينما الديمقراطية هي القبول بالاختلاف والاجتهاد.
ونحن بسبب تركيبتنا القبلية والاجتماعية نعتقد أن رأينا هو الأفضل دائما، وهذا غير صحيح؛ فالتحزب العرقي والطائفي والمناطقي والقبلي كله يحول دون إنتاج أفراد يستطيعون أن يدفعوا بالمجتمع - عبر المشاركة الديمقراطية - إلى الأمام.
وأيضا الأيديولوجيات التي ظهرت في الثورة الإيرانية والثورات العربية أثرت في طبيعة تفكيرنا ورؤيتنا للأمور، حتى إن الشخص الذي يتحدث بشيء من العقلانية قد يجد في بيئته نفورا منه.
وأعتقد أن هذا النفور أصبح أقل الآن، وقضية القبول والتفكير النقاشي أفضل مما كانت عليه سابقا. لدينا تجربة عمانية تسير بشكل معقول، وفي البحرين هناك تجربة المجلسين الناجحة، وقطر قاموا بتجربة وتراجعوا عنها لأسباب تخصهم، وفي الكويت تعثرت التجربة وأرجو أن يقدم لنا المستقبل شيئا أفضل.
والمشاركة لا تعني أنك وصلت إلى الديمقراطية الفضلى؛ ففي إيران لديهم انتخابات، ولكن لا توجد لديهم ديمقراطية.

الثقافة ومعنى التقدم
كثيرا ما أشرت إلى أن الثقافة هي قاطرة التقدم. هل أثرت الثقافة السائدة في دولنا الخليجية بالتنمية والتنوير والتطوير، أم بقيت في حدود النخبة؟ وما الدور المطلوب من المؤسسات الثقافية لردم الهوة بين النخبة والشعوب؟

أنا لا أؤمن بأن الثقافة تُختزل في النخبة؛ فالمجتمع المثقف - كمثال - يستهلك أدوية أقل عندما يوجد وعي صحي. كما أن المجتمع المثقف يتسبب بحوادث سيارات أقل؛ لأن لديه وعيا مروريا، ويتعامل مع الآخرين بناء على التفهم والاحترام.
وعليه؛ فالثقافة مظهر واسع يحيط بنا جميعا ويوجهنا بطريقة معينة، وهي ليست دائمة ولا مستقرة، بل متغيرة. وهناك ثقافة العمل، وثقافة العلاقات الإنسانية والشخصية، وثقافة التعليم.
فالثقافة الحقيقية مجال واسع ومتعدد، واحترام الآخر جزء من الثقافة وخطوة لتطور المجتمع ونهوضه. 
حتى الآن، لم ننتبه بشكل جاد لموضوع الثقافة، وإنما ننظر إليها بشكل جزئي؛ فهي ليست حصرا - كما يظن البعض - على الاستماع إلى الموسيقى ومشاهدة اللوحات الفنية والقراءة، وإنما تمتد إلى الثقافة السياسية، وهي مهمة جدا لمساعدة المجتمع على النهوض وحل مشكلاته.

الدين والشأن العام
تحدث الراحل د. محمد جابر الأنصاري عن “التوفيقية” والصراع بين الأصولية والعلمانية، وحمّل نزعة اللاحسم مسؤولية التأخر الفكري. هل تتفقون مع هذا التشخيص؟ وما البدائل لتجاوز ذلك؟

لدينا إشكال كبير في استخدام الدين بالشأن العام. وفي تقديري، فإن الفقهاء الأوائل قالوا قضايا يجب أن نفكر فيها. أحد الفقهاء قال إن الثابت في الإسلام هو العقيدة والعبادات، وإن بقية الأمور اجتهادات بشرية.
وما حصل عندنا هو شيء من “الشعوذة الدينية”: أن يُقال لك كلام لا يقبله المنطق، مثل أن من يأكل سبع زيتونات وتينا تصبح حالته الجنسية كذا وإلى آخره.
استفزني هذا الأمر، فلما بحثت في الأصول وجدت أن التين والزيتون في القرآن الكريم جاء على هيئة قسم؛ “والتين والزيتون وطور سينين وهذا البلد الأمين”، وهي - كما يقول القرطبي وبعض المفسرين - أماكن، وليست التين والزيتون الذي نأكله. 
كما عرفت أيضا أن بعض أنواع الزيتون سام لا يؤكل، وأن الإكثار من التين يسبب الإسهال؛ فكتبت مقالا بهذا المعنى وأرسلته لصحيفة “الشرق الأوسط”.
وقبل سنتين - مثالا آخر - كنت في محاضرة في الدوحة أتكلم عن المعوقات الثقافية للتنمية، وذكرت مثالا أننا في عصر حديث لكننا نفكر بالتفكير القديم، مستشهدا بالحديث الذي يردد في طائرتنا أثناء السفر عن “وعثاء السفر وكآبة المنظر”.
وقد حدثت ضجة طويلة وعريضة في هذا الموضوع، مع أن الحديث قد يكون صحيحا وقد يكون بخلاف ذلك؛ لأن الأحاديث كتبت بعد وفاة الرسول بمئة سنة، وثانيا قد يكون صحيحا لوقته. لكن عندما تذكر الطائرة “وعثاء السفر وكآبة المنظر” فالجو الذي واجهته في سفري كان عاديا وجميلا. وكتبت “تغريدات” كثيرة في “تويتر”، وكان هناك من قال بتكفيري، ومن قال “ملحد”، وما إلى ذلك.

وعي ما قبل النفط

ما عوامل تكوّن الوعي الثقافي في الخليج قبل مرحلة النفط؟ وكيف تغير بعد ظهور النفط؟ وهل أحدث النفط ثقافة جديدة تُسمى “ثقافة النفط”؟


المصطلح فيه تجنٍّ. لا يوجد ما يسمى بثقافة النفط، وإنما ثقافة المجتمع الريعي، سواء كان الاعتماد على النفط أو الفوسفات أو أي نوع من الريعية الاقتصادية.


وهذا لا يعني أن دول الخليج كانت خالية من الثقافة، بل على العكس، كانت النوادي الثقافية موجودة منذ عشرينات القرن الماضي في الكويت والبحرين والمنطقة الغربية بالسعودية، والعُمانيون ظلوا يقرؤون ويكتبون طوال تاريخهم لأسباب خاصة بهم.


وبسبب الطفرة المالية التي أوجدها النفط لاحقا توسعت المدارس وأصبح هناك قطاع ثقافي أوسع وأرحب. وفي هذا الشأن لا أؤيد إيجاد حالة من الانفصال بين النخبة والعامة، بل أؤكد أن الواجب الرئيس للنخبة هو تنوير العامة وليس التصادم معها.


والمدخل للثقافة والتنوير هو القراءة؛ فدون أن تقرأ بشكل جاد لن تنجح في تكوين الوعي والتضييق على الجهل والخرافة.


ثمن التطور السريع

يقال إن دول الخليج دفعت ثمنا باهظا اجتماعيا بسبب التطور التنموي السريع الذي جاء به النفط والانفتاح على الخارج. ما رأيك؟


في تقديري، النفط محايد. والسؤال الذي يطرح نفسه: ماذا نفعل نحن بهذا النفط؟ فهو موجود في العراق والجزائر وليبيا، ولكن كيف يُستخدم وبماذا؟ والقيم هنا متغيرة؛ بمعنى أنه لو لم يكن لدينا نفط لكانت هذه القيم ستتغير بأشكال أخرى لتحل قيم جديدة مكان القديمة.


تيار ليبرالي ناشئ

هل يمكن الحديث اليوم عن وجود تيار ليبرالي خليجي بدأ يترسخ في مواجهة التيارات الأصولية المحافظة التي تقاوم التغيير والتطوير الاجتماعي؟

التيار الليبرالي تيار ديمقراطي، ولذلك فإن الاختلافات فيه تكون أكثر من الاختلافات في التيارات الأخرى التي تنقاد خلف أيديولوجيات معينة.

وبسبب انفتاح التيار الليبرالي فإنه يؤثر في المجتمع، وربما ثقافيا في البدايات؛ لأن التأثير السياسي يحتاج إلى وقت وصبر وانتظار لعوامل التطور في المجتمع.


الإسلام السياسي اليوم

ما تزال تيارات الإسلام السياسي في الخليج ذات قوة وتأثير. كيف ترى هذا الأثر؟ وما مستقبل هذه التيارات في ظل الانفتاح الذي بدأ يتوسع مع تراجع السياسات المحافظة؟


أعتقد بأن أفضل تعبير في ذلك هو ما قاله الرجل الكبير الملك عبدالعزيز آل سعود رحمه الله: “هذا الدين مثل الصقر من صاده قنص”. وبرأيي يجب أن نكف عن زج الدين في السياسة؛ لأننا وصلنا إلى مرحلة من الضرر والنزيف تؤكد أهمية التوقف عن ذلك.


فعندما يأتي أحدهم - مثلا - ويقول: أنا من الإخوان المسلمين، فهل يعني ذلك أنني وغيري من الكفرة؟ وفي مصر حين تخرج جماعة تسمي نفسها بذلك مع وجود الملايين من الأقباط، فهل يعني أنهم فصلوا أنفسهم عنهم على الرغم من أنهم مكون رئيس في المجتمع المصري؟


هذه المفاهيم ظهرت نتيجة الصراعات التي أوجدها الاستعمار، ومعها انهيار الدولة العثمانية، وظهور شيء جديد اسمه الدولة الوطنية، التي يتوجب علينا احترامها والعمل على تجويد فضائها، وبعد ذلك النظر في إمكان الاتفاق مع الدول الأخرى مثل الاتحاد الأوروبي وغيرهم.


وثنية النماذج

استخدمت في كتابك “الخليج ليس نفطا” مصطلح “وثنية النماذج”، وقلت إن نقل المصطلحات الغربية حرفيا قد يصبح مضللا. كيف تشرح هذا التعريف والبدائل المتاحة؟


وثنية النماذج تعني أن تربط نفسك بأيديولوجية محددة وتقول إن هذا النموذج هو الصحيح والأوحد. وأذكر أنني زرت الاتحاد السوفياتي في منتصف السبعينات أكثر من مرة بدعوة منهم. وفي الثمانينات كتبت مقالا بأن الاتحاد السوفياتي إمبراطورية بأرجل خشبية، وبعد أربع سنوات سقط الاتحاد.

ولم أكن منظّرا، وإنما استطعت أن أتصور ما يمكن أن يحدث نتيجة قراءاتي وملاحظاتي الكثيرة.


وحين حدث انقلاب عسكري لمحاولة إعادة الإمبراطورية السوفياتية قلت إنه انقلاب فاشل، وهو ما حصل بالفعل؛ لأن الناس ملّت القديم وتريد التغيير. وعليه؛ فإن مراقبة العوامل المجتمعية والسياسية والثقافية في المجتمع تُمكّنك نسبيا من أن تتنبأ بما سيحدث في المستقبل.


تحالفات متناقضة

كيف تفسرون التحالفات التي شهدها الحراك السياسي في بعض بلدان الخليج ومجمل الأقطار العربية بين القوى المحافظة من تيارات الإسلام السياسي والقوى اليسارية التي تعادي الإسلام السياسي وتصفه بالرجعية والتخلف؟ وكيف تصف هذه المفارقة؟


أعتقد أنه خطأ تكتيكي كبير؛ لأن هناك تناقضا أساسيا بين هذا التيار وذاك. وما حدث في عهد شاه إيران محمد رضا بهلوي في بداية السبعينات خير دليل: حين عمل إصلاحات اقتصادية كبيرة أضرت بالإقطاعيين فأخذوا منه موقفا، وعمل إصلاحات كبيرة في الجانب الاجتماعي تتعلق بالمرأة وتحررها فأخذ القطاع الديني منه موقفا، ولم يقدم إصلاحات سياسية ملموسة فأخذت الطبقة الوسطى المتعلمة منه موقفا، وفي النهاية تحالف الثلاثة ضده.


وللتوضيح أكثر، انظر إلى التحالف الذي أبرمه الرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح مع الحوثيين بعد عداء ومعارك طاحنة معهم، وأنور السادات مع “الإخوان المسلمين”، فماذا كانت النتيجة؟ بمعنى أن تحالف النقيض لا تكون نتيجته إلا مدمرة بسبب اختلاف الأسس والمنهج والأيديولوجيا الفكرية.

ما تصورك لمستقبل العلاقات بين البحرين وإيران، وإمكان انتقالها من مرحلة التوتر والحذر إلى مرحلة الحوار والبناء في ظل المتغيرات الإقليمية المتسارعة؟ 

في ظل الوضع الحالي وطبيعة النظام الحاكم في إيران، أرى من الصعوبة بمكان حدوث ذلك.

نعم، هناك تيار إصلاحي ومحاولات في هذا الاتجاه، لكن القيادة الحالية لا تساعد على التقارب، وتشير بعض الدراسات إلى أنه في حال تغيّرت هذه القيادة، ربما يكون هناك توجه إيجابي نحو الانفتاح.

في عهدَي رفسنجاني وخاتمي شهدت العلاقات نوعا من الهدوء والتقارب والمصالح المشتركة، غير أن الإشكال اليوم يكمن في سيطرة التيار المتشدد. 

وللأسف، عندما تُطرح الشعبوية، يصبح الحكم الأيديولوجي أسير نفسه، غير قادر على الخروج من الشرنقة التي صنعها، ولذلك لا أرى أي تطور إيجابي في المدى القريب.