الشراع الأبيض.. قصة من زمن الخمسينيات
قصة (الشراع الأبيض) كتبها الأديب المثقف عبدالعزيز بن محمد آل خليفة، نُشرت في مجلة (الرائد) الكويتية في يناير 1953، وتُعد وثيقة أدبية مهمة؛ فهي لم تكن مجرد تجربة قصصية وحيدة للكاتب، بل تعتبر من أجود ما كُتب في تلك الفترة؛ لتجسيدها نضج الأدب الواقعي الذي يمزج بين البعد الاجتماعي والتحليل النفسي العميق للشخصية. وقد أعيد نشرها مؤخراً ضمن المجموعة القصصية (حائرة) من سلسلة (بواكير) التي أصدرها المرحوم الدكتور إبراهيم عبدالله غلوم. وتنم القصة عن خبرة بفن كتابة القصة، ولا شك أن الكاتب أنجز قصصاً غيرها، حالت الظروف دون نشرها.
تتلخص القصة في شخصية رجل فقير عجوز يذهب إلى البحر ليلاً ليصطاد السمك لإطعام طفليه، فلم يحصل على صيد، ويضطر للسرقة من غيره، ولكن يسيطر عليه الخوف والوهم، مما يخلق لديه شعوراً بأن المنارة الكبيرة على الشاطئ ما هي إلا شراع قارب أبيض يطارده، فيضطرب حتى يصاب بنوبة قلبية تؤدي إلى وفاته.
تتمحور الفكرة الجوهرية للقصة حول الصراع الإنساني الأزلي بين غريزة البقاء والوازع الأخلاقي؛ فالدافع للسرقة لم يكن طمعاً، بل كان وليد الجوع والفقر المدقع؛ حيث يصور الكاتب معاناة الصياد العجوز الذي خرج في ليلة مظلمة وقاسية مدفوعاً بوجود "بطنين خاويين وجسدين منهوكين" في كوخه الحقير.
لقد برع الكاتب في تصوير لحظة التفكير في الغوص في الماء المتجمد، ليس كفعل شجاعة، بل كونه ضرباً من الانتحار فرضته مسؤوليته تجاه عائلته. وعندما فشل في محاولات الصيد وعادت شباكه خالية، وصل إلى حافة اليأس التي ولّدت لديه ثورة عارمة وحنقاً، مما دفعه لتبرير السرقة لنفسه بوصفها "خيراً من الموت جوعاً".
نجح الكاتب في تتبع المنحنى النفسي للبطل، متنقلاً به من اليأس إلى الانفجار العاطفي ثم الهلع القاتل؛ فقد صور الكاتب العجز الذي يُولد الغضب، حيث شعر الصياد بموجة من الحنق والمقت بعد فشله في توفير لقمة العيش، وهي لحظة تحول وجداني من الأمل إلى الثورة النفسية. كما تجلت قوة السرد في تصوير السرقة كأزمة ضمير هزت كيان الصياد المتدين بطبعه؛ فبالرغم من تبرير الذات، ظلت أعصابه في اضطراب ونفسه في جزع، وبالغ عقله في تشويه فعلته. وفي ذروة الحالة النفسية، تحول الشعور بالذنب إلى هلوسة؛ حيث فقد الشيخ اتزانه وتملكه الهلع، فصور له خياله أن انعكاس المنارة البيضاء على صفحة الماء هو شراع كبير يطارده ويقتفي أثره بجدية.
اعتمد الكاتب أسلوباً يمزج بين الوصف الخارجي القاسي والانعكاس الداخلي، مجبراً الطبيعة على أن تكون مرآة لنفسية الصياد المعذبة. باستخدامه لغة تصويرية قوية، وصف الريح بأنها "أسواط من الجليد" تنزع عنه أسماله، وشبه الأمواج بـ "الأفعوان" دلالة على الخبث، مما جعل من البيئة المحيطة عنصراً درامياً يشارك في جلد نفسية البطل.
أما الإيقاع الدرامي للسرد فسار بتصاعد متقن؛ بدأ بوصف هادئ وحزين للفقر، ثم تسارع مع محاولة السرقة والمطاردة الوهمية، وانتهى بالسكون التام المتمثل في موت الصياد مع تباشير الفجر. تجلى نجاح القصة في ختامها القائم على مفارقة مأساوية؛ فالمنارة التي تُعد في الأصل رمزاً لهداية البحارة وأمانهم، ومكاناً لرفع الأذان في الأصل، تحولت في ذهن السارق الخائف إلى شبح مطارد له. والمفارقة الكبرى تكمن في أن المنارة العالية البيضاء وانعكاسها على الماء ليلاً كانت وحدها السبب في هلاك الصياد؛ فقد قتله خوفه من الوهم وليس واقعاً ملموساً، حيث ضاعف من حركته في التجديف هرباً من السراب حتى خارت قواه تماماً ولقي حتفه.
إن قصة (الشراع الأبيض) هي نظرة نفسية مكثفة حول أثر الفقر في دفع الإنسان نحو الجريمة، وكيف يمكن للضمير الحي أن يكون أشد قسوة من العقاب المادي، ليؤدي بحياة صاحبه في النهاية، نتيجة الصراع بين النفس والواقع.
* "كاتب هذه القصة كما ذكرت، هو المرحوم الشيخ عبدالعزيز بن محمد الخليفة، وزير تربية سابق، أديب ومثقف، وله جهود بارزة في المجال التربوي والنشاط الاجتماعي. تخرّج في كلية الآداب بجامعة القاهرة عام 1956. عُرف كاتب مقالة جيداً، يهوى فن الكاريكاتير، وله عدد من المساجلات النقدية في الصحافة. بدأ الكتابة مبكراً في جرائد الخمسينيات، واستمر ينشر كتاباته حتى آخر أيامه (توفي عام 1981). ومن خلال هذه القصة، تعرفنا على قاص له أسلوبه المميز، ولغته السلسة البليغة.
وإلى جانب كتابة القصة، فقد ذُكر أن لديه مجموعة من الدراسات والأبحاث منذ أن كان طالباً في كلية آداب جامعة القاهرة بالخمسينيات، وهذا ما أشار إليه الناقد حسين الصباغ في كلمة عن ذكرياته معه، نُشرت في جريدة الوسط 12 يوليو 2006، حيث إنه التقاه في القاهرة منتصف الخمسينيات، وذكر: "أتيح لي أن أطلع على أبحاثه الأدبية واللغوية..". إذاً فالرجل منذ ذلك الوقت وهو يمارس الكتابة والبحث، فلا شك أنه أنجز الكثير خلال مسيرته وحتى وفاته 1981. فلماذا لا يحظى بالاهتمام الذي يستحق، بأن يُكتب عنه كتاب يحفظ إنجازاته تلك".
