الشهراني: مخرجات مجلس التنسيق ترسم مسارًا جديدًا للتكامل الشامل بين البلدين
المشروعات السعودية – البحرينية المشتركة... نحو بنية تكامل جديدة واقتصاد إقليمي أكثر ترابطًا

يمثل الإعلان عن حزمة المشاريع المشتركة بين مملكة البحرين والمملكة العربية السعودية، انتقالًا نوعيًا في مسار التكامل الاقتصادي الخليجي، وتحولًا استراتيجيًا في البنية التحتية الرقمية واللوجستية والاقتصادية بين البلدين.
فهذه المشروعات المعلنة ليست مجرد مبادرات متفرقة، بل تشكل معًا إطارًا متماسكًا يعيد صياغة قواعد التعاون الاقتصادي الإقليمي، ويدفع باتجاه سوق خليجية أكثر نضجًا وقدرة على جذب الاستثمارات.
بنية تحتية رقمية
يمثل البدء التدريجي في الربط الإلكتروني عبر جسر الملك فهد خطوة جوهرية في تخفيض كلفة الوقت وتعزيز سلاسة عبور السلع والأفراد. هذا الربط، إلى جانب تفعيل البوابات الإلكترونية للجوازات في المنافذ الجوية، يضع الجسر على مسار التحول من نقطة عبور تقليدية إلى منصة ذكية تدعم التكامل الاقتصادي، وترفع كفاءة التجارة البينية وحركة السياحة والتنقل بين البلدين.
كما أن تسهيل إجراءات إثبات المنشأ عبر منصة “تكامل” للصادرات الصناعية البحرينية إلى المملكة العربية السعودية يمثل دعمًا مباشرًا للقطاع الصناعي في البحرين، ويقلل من زمن الإجراءات وتكاليف الامتثال، بما يرفع القدرة التنافسية للمنتجات البحرينية داخل أكبر سوق خليجي.

اقتصاد معرفي
يشكل توفير فرص دراسية للطلبة البحرينيين في الجامعات السعودية استثمارًا طويل الأجل في رأس المال البشري، وبناء قاعدة مهارات مشتركة تدعم مستقبل الصناعات الجديدة والقطاعات الواعدة في البلدين.
كما أن اعتماد تسجيل الملكية الفكرية بين البحرين والسعودية يعزز بيئة الابتكار وريادة الأعمال، ويؤسس لاقتصاد معرفي متكامل يضمن حماية الأصول الإبداعية، ويشجع على نمو الشركات الناشئة في مجالات التكنولوجيا والاقتصاد الإبداعي.
أما انضمام مملكة البحرين إلى المنظمة الإقليمية لمراقبة السلامة الجوية لدول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (RSOO)، فيأتي كخطوة تعزز معايير الطيران المدني، وتنسجم مع التحول الإقليمي نحو قطاع لوجستي أكثر تنافسية وأعلى أمانًا.
الاستثمار في الطاقة
تشكل مشاريع الطاقة ذراعًا اقتصادية رئيسة في مسار التكامل بين البلدين؛ إذ سيؤدي استثمار شركة “أكوا باور” في محطات الدور والعزل والحد لتوليد الكهرباء وتحلية المياه في البحرين إلى تعزيز القدرات الإنتاجية، وتقليل التكاليف التشغيلية، ودعم أمن الإمدادات الحيوية من الطاقة والمياه.
كما أن إنشاء محطة طاقة شمسية في المنطقة الشرقية بالمملكة العربية السعودية وربطها بالبحرين يمثل تحولًا مهمًا نحو منظومة طاقة خليجية مترابطة تعتمد على المصادر المتجددة، بما يعزز الأمن الطاقي ويُسهم في خفض الانبعاثات الكربونية.
وتأتي مشاريع شركة الاتصالات السعودية (STC) عبر إنشاء مركز بيانات متكامل في البحرين ومدّ كابل ألياف ضوئية بحري يربط بين البلدين والشبكات العالمية، لتمهّد لمرحلة أعمق من الاقتصاد الرقمي، وتوطين خدمات الحوسبة السحابية، وجذب الاستثمارات التكنولوجية عالية القيمة إلى المنطقة.
منعطف للتكامل الشامل
وفي هذا السياق، أكد الإعلامي السعودي محمد الشهراني في “اندبندنت عربية” والمختص في الشأن البحريني، في تصريح لـ”البلاد” أن الاجتماع الرابع لمجلس التنسيق البحريني السعودي يشكل محطة مفصلية في العلاقات بين المملكتين، ليس فقط بما حمله من رسائل سياسية على مستوى عالٍ، بل بما أعلِن خلاله من مشاريع مشتركة واتفاقيات نوعية تعكس مرحلة جديدة من العمل المؤسسي المتكامل بين الجانبين.
وأوضح الشهراني أن المشاريع التي طُرحت خلال الاجتماع تعبّر بوضوح عن طموح البلدين لتسريع مسارات الربط والتكامل، بدءًا من البدء التدريجي للربط الإلكتروني عبر جسر الملك فهد، وتفعيل البوابات الإلكترونية في المنافذ الجوية، مرورًا بتسهيل إجراءات إثبات المنشأ للمنتجات البحرينية عبر منصة “تكامل”، ووصولًا إلى إطلاق مشاريع رقمية متقدمة تشمل إنشاء مركز بيانات متكامل لشركة STC في البحرين ومدّ كابل بحري جديد للألياف الضوئية يربط بين البلدين ويصل بالشبكات العالمية، إلى جانب الاستثمارات الواسعة لأكوا باور في محطات التوليد والتحلية، وإنشاء محطة طاقة شمسية في المنطقة الشرقية وربطها بالبحرين، وهي خطوات وصفها الشهراني بأنها “تحول فعلي نحو بنية تحتية مشتركة تُعيد تعريف مفهوم التعاون الاقتصادي الخليجي”.
وأشار الشهراني إلى أن قوة مخرجات الاجتماع لم تتوقف عند المشاريع التنفيذية، بل امتدت إلى إطار تنظيمي شامل تمثله حزمة الاتفاقيات ومذكرات التفاهم التي أعلن عنها، والتي تعزز البيئة القانونية والاقتصادية للعلاقات الثنائية. فالاتفاقيات المتعلقة بتجنب الازدواج الضريبي، وتشجيع الاستثمار المباشر، وحماية المنافسة، تمثل دعمًا مباشرًا لحركة رأس المال وتطوير الأسواق، بينما يعكس التعاون في الدراسات الدبلوماسية توسعًا في مسارات العمل الأكاديمي والمهني بين البلدين. كما أن اتفاقية السلامة النووية والوقاية من الإشعاع تؤكد مستوى الثقة والتنسيق في الملفات الفنية الدقيقة، في حين يعزز التعاون في التدريب والتأهيل بمجال الخطوط الحديدية جاهزية البلدين للمشاريع اللوجستية المستقبلية. ويأتي التعاون بين جامعة البحرين وجامعة الملك سعود ليؤسس لمسار علمي وبحثي مشترك، فيما تمثل مذكرات التنمية المستدامة والقطاع غير الربحي امتدادًا للرؤى التنموية الحديثة في البلدين.
وبيّن الشهراني أن الاجتماع عكس — بوضوح — أن مجلس التنسيق لم يعد منصة للحوار بقدر ما أصبح منصة تنفيذية تنتج مشاريع حقيقية وتضع اتفاقيات قابلة للتطبيق، مشيرًا إلى أن ما تحقق يُعد خطوة راسخة نحو تكامل اقتصادي وتنموي شامل بين السعودية والبحرين، ويؤسس لمرحلة جديدة تستند إلى إرادة سياسية واضحة ورغبة مشتركة في الانتقال بالعلاقات الثنائية إلى آفاق أكثر رحابة وعمقًا.
وختم الشهراني تصريحه بالتأكيد على أن البحرين والسعودية تقدمان اليوم نموذجًا متقدمًا في العمل الثنائي الخليجي، وأن مخرجات هذا الاجتماع ستنعكس بشكل مباشر على الاقتصاد والمجتمع وحركة الاستثمار، بما يواكب تطلعات القيادتين والشعبين الشقيقين.
اقتصاد متداخل ومستدام
تشكّل هذه الحزمة من المشاريع خريطة اقتصادية جديدة بين البحرين والسعودية، ترتكز على ثلاثة محاور رئيسة:
1. تكامل لوجستي ورقمي يخفض التكاليف ويزيد كفاءة التجارة وسلاسة الحركة.
2. تنمية بشرية ومعرفية تدعم الصناعات المستقبلية واقتصاد الابتكار.
3. تحول طاقي واستثمارات استراتيجية تعزز أمن الإمدادات والاستدامة البيئية.
إنها ليست مشاريع منفصلة، بل شبكة مترابطة من الاهداف الاقتصادية تنقل التعاون الثنائي من مرحلة التنسيق إلى مرحلة التكامل، بما يعزز القدرة التنافسية للبلدين في مواجهة التحديات الإقليمية والعالمية، ويؤسس لاقتصاد خليجي أكثر قوة وترابطًا في السنوات المقبلة.
