خطوط متشابكة ونهايات مشدودة
"جرائم دلهي 3" دراما محكمة تُصعّد التوتر حتى اللحظة الأخيرة
إن أهم ما يميز الدراما التلفزيونية، كفن مستقل بذاته، هو قدرتها التي لا تُحدّ عن تسجيل الواقع وتحويله إلى مادة نابضة بالحياة. ويعرّف المخرج الفرنسي الكبير آلان رينيه الدراما التلفزيونية بأنها "الفن الشبيه بأخبار الحياة الحية والفعلية".
وكما كان متوقعًا، نزل الموسم الثالث من المسلسل الهندي "جرائم دلهي" وعُرض على شبكة نتفليكس، حاملًا معه كل ما عُرف عنه من نظريات الجمال وتشكيل الصورة والجرأة في التناول. ولم يكن أقل قوة أو تأثيرًا من الموسمين الأول والثاني.
في هذا الموسم نتتبع، عبر ست حلقات، قصة شبكة ضخمة للاتجار بالبشر، تقود فيها البطلة مفوضة الشرطة فارتيكا شاتورفيدي – التي تؤديها الفنانة المبدعة شيفالي شاه – التحقيقات برفقة فريقها. وهي ضابطة تتقاطع حياتها المهنية مع حياتها الشخصية المتوترة، إذ تعاني من انغلاق زوجها كومار فيجاي الذي يشغل منصبًا رفيعًا في وزارة الداخلية.
لقد اكتملت في هذا الموسم كل عناصر النجاح: تصوير متقن، وتكوينات وزوايا مختارة بذكاء، بعيدًا عن أي مبالغة. وقد نجح المخرج ريتشـي ميهتا في منح الأحداث إيقاعًا دراميًا متصاعدًا، يصل إلى ذروته في الحلقة الأخيرة عند كشف الشبكة. خطوط متشابكة، ونهايات مشدودة، وعقدة تُحكم ثم تُحل.
يقتحم المسلسل، بوسائل تعبيره المختلفة، مجالات الحياة المعاصرة، ويرصد الجديد والمتغير فيها. وقد نزل المخرج إلى الشوارع والأزقة والأحراش، إلى كل مكان يمكن أن تصل إليه الكاميرا، وهو ما يبدو – رغم أن البعض يراه أقرب إلى الفن السينمائي الذي يعتمد على فخامة المنظر وكبره – سببًا في منح الأحداث خلفية خصبة تستمد قوتها من الطبيعة الحقيقية للمكان. ولا يمكن تجاهل حسن اختيار الأضداد: مفوضة الشرطة في مواجهة زعيم العصابة، كما في كل موسم.
وقد تمكن فريق الممثلين من امتلاك شخصياتهم إلى الحد الذي يجعل المشاهد يرى الواقع أكثر مما يرى التمثيل. يضاف إلى ذلك إحكام المؤلف للحبكة الدرامية وما فيها من تشويق، واتصال الخط الفكري للعمل، وترك مساحة للمشاهد كي يستنتج ما يشاء.
جدير بالذكر أن الموسم الأول تناول جريمة اغتصاب جماعي، بينما ركز الموسم الثاني على عصابة مرعبة تخصصت في قتل كبار السن بوحشية من أجل السرقة
