مسيرتي مع الإعلام بدأت من “صدى الأسبوع”... المقلة لـ “البلاد”:
الملك المعظم دعم حلمي في الستينات وأنيس منصور ألهمني السفر

خميس المقلة في هذا الحوار مع «البلاد» يتوقف عند محطات زاخرة بالتجارب الإعلامية والثقافية والرياضية التي عاصرها منذ خمسينات القرن الماضي، بدءًا من أيامه في المدرسة، مرورًا بمشاركاته في مجالات الصحافة والعلاقات العامة والإنتاج السينمائي، وانتهاءً برئاسته لنادي البحرين للتنس. المقلة يعد إحدى الشخصيات المؤسسة للحركة الإعلانية والإعلامية الحديثة في البحرين، يروي تفاصيل وذكريات تجمعه برواد الإبداع من أمثال قاسم حداد وأحمد الجميري والمرحوم الشيخ راشد بن حسن آل خليفة.

يتحدث خميس المقلة في هذا اللقاء بلغة مفعمة بالذكريات عن مرحلة التأسيس والإبداع، وعن شغفه المبكر بالتصوير والقراءة والكتابة، وعن الرحلة التي ألهمته فيها كتب أنيس منصور للسفر حول العالم بدعم كريم من جلالة الملك المعظم حين كان وليًا للعهد. وفيما يلي نص الحوار الذي جرى بحضور معد صفحة “دفاتر الأندية القديمة” بالصحيفة خليفة صليبيخ:

البحار المجهول
العديد من المبدعين كانوا أصدقاءك في فترة الشباب، مثل قاسم حداد وأحمد الجميري، ومن بينهم المرحوم الطيار الشيخ راشد بن حسن آل خليفة الذي جمعك معه حب التصوير، وكنت تحمض الأفلام في استوديو بمنزله.. ما قصة هذا الشغف؟
- كلهم زملاء دراسة أعزاء أيام مدرسة الهداية الخليفية في أواخر الخمسينيات. كنت مع أحمد الجميري في فصل واحد، وغالبًا ما كنا نقضي الفسحة معًا قرب سور المدرسة، حيث كان يغني بصوته الجميل أغاني عبدالحليم حافظ وغيره من المطربين أيامها، كنت أطرب لسماع صوته. في تلك الفترة كان لدينا معلم فنان هو الأستاذ خميس الشروقي، وكان عازف عود ماهرًا، وكنا نستمتع بعزفه في الرحلات المدرسية، وله دور كبير في تشجيع الطلبة على العزف وتنمية مواهبهم الفنية، ومنهم الفنان أحمد الجميري.
أما قاسم حداد، فكان شغوفًا بالشعر منذ صغره، وقد ربطتني به اهتماماتي في القراءة والكتابة. كان أستاذه عبدالحميد المحادين رحمه الله من أوائل من شجّعه على دخول عالم الشعر والتميز فيه. كانت بيننا مزاورات مستمرة، خصوصًا أن أحد أقربائه كان يعمل مع والدي في شركة بابكو، وهذا قرّبنا أكثر. قاسم كان يسكن في فريج الحياك وأنا في الحالة، وكنت أحب الشعر وكتبت بعض المحاولات، لكنها لم تستمر. كما كانت لي تجربة في كتابة القصة القصيرة، إذ نشرت في مجلة «الأضواء» قصة بعنوان «البحّار المجهول» تناولت معاناة الغاصة في البحرين، وقد لاقت صدى طيبًا.
أما الشيخ راشد بن حسن آل خليفة رحمه الله، فكانت تربطني به علاقة منذ الصغر بسبب صلة والدي بجدّه، والذي كان من رفاق الشيخ برحلات البر في البحرين، وكنت أرافق والدي بهذه الرحلات والتقي بالشيخ راشد هناك، كما كنا زملاء في المدرسة.
كنت مولعًا بالتصوير الفوتوغرافي، وأعددت في البيت معملًا صغيرًا لتحميض الصور، واشتركت في جمعية التصوير بمدرسة الهداية، وكان الشيخ راشد من بين الأعضاء، واقترح أن نعد في منزله معملًا مشابهًا، وهو ما حدث فعلًا.


التمويل الملكي
ذكرت في لقاءات سابقة أنك في المرحلة الثانوية خططت مع زملائك قاسم حداد وعبدالرحمن السعد ويوسف العلوي لجولة حول العالم، وأن جلالة الملك – عندما كان وليًا للعهد وطالباً في الثانوية– دعم الفكرة ماديًا.. ما تفاصيل هذه القصة؟
- في العام 1964، وبعد تأثري بكتابات الكاتب المصري أنيس منصور عن السفر والترحال، خصوصًا كتابه «حول العالم في ثمانين يومًا»، اتفقت مع ثلاثة من الأصدقاء على القيام بجولة حول العالم بدراجات نارية.
وعندما فكرنا في التمويل، اقترحت أن نعرض الفكرة على جلالة الملك المعظم، الذي كان طالبًا في مدرسة المنامة الثانوية آنذاك.
التقيت جلالته في الفسحة المدرسية وشرحت له الفكرة، فرحب بها، وقدّم لنا التمويل اللازم بعد زيارة قمت بها إليه. كان ذلك دليلًا على اهتمامه المبكر بالرياضة وتشجيعه للشباب وأول ما فعلناه هو شراء كاميرا احترافية بقيمة 250 دينارًا – وكان مبلغًا كبيرًا في ذلك الوقت – لكن انشغال كل منا بدراسته أدى إلى تأجيل المشروع.
لاحقًا، رتبت الرحلة مع صديقي المرحوم إبراهيم عبدالرحمن الفاضل، وسافرنا بالطائرة إلى بيروت، ثم استقلينا سيارة إلى ألمانيا، واشترينا هناك سيارة «فولكس واغن» وتجولنا بها في أوروبا شهرين، قبل أن نعود إلى لبنان ونبيعها هناك.
كانت رحلة مميزة رغم بعض التحديات على الحدود، لكنها نجحت كما خططنا لها.

صدى الأسبوع
عملت صحافيًا ومديرًا إداريًا في مجلة «صدى الأسبوع» في السبعينيات.. ما الذي تتذكره من تجربتك مع الراحل علي سيار؟
- كانت تجربة غنية ومثمرة في بداية السبعينيات. الأستاذ علي سيار رحمه الله كان إعلاميًا متمكنًا، وكاتبًا جريئًا، يختصر المقالة لكنه يجعلها مؤثرة. عملت معه واستفدت كثيرًا خلال تلك المرحلة، إذ كانت المجلة تضم نخبة من الكتاب مثل عقيل سوار، عبدالنبي الشعلة، علي صالح، خليل الذوادي، وحسن مدن، ورسام الكاريكاتير المعروف أحمد الخاجة، وغيرهم.
كما كان معنا الكاتب السوداني مبارك الرفيع، الذي لم أرَ له مثيلًا، إذ كان يكتب المجلة كاملة تقريبًا: الافتتاحية، والتحليل السياسي، والأدب، والشعر، وحتى بريد القراء، حيث كان يكتب الأسئلة والأجوبة معًا.
كانت المجلة في أوجها، ولو استمرت بنفس الكفاءات لكانت اليوم واحدة من أكبر المؤسسات الإعلامية في البحرين، لكن دخول الصحف اليومية غيّر المشهد الإعلامي في تلك الحقبة.
13 مطبوعة
أسست في العام 1974 مجموعة الخليج للعلاقات العامة بالشراكة مع السيد عبدالنبي الشعلة، وكان من بين الشركاء رئيس المجلس الوطني السابق المرحوم حسن جواد الجشي.. حدثنا عن انطلاقة المجموعة وازدهارها ثم تحولها إلى «ماركوم الخليج»؟
- كانت مجموعة رائدة وناجحة أسهمت بقوة في تطوير النشاط الإعلامي في البحرين، وخرجت منها مشاريع عدة، منها دار الصقر للنشر التي أصدرت العديد من المطبوعات مثل دليل الهاتف لبتلكو، ودليل البنوك، والدليل الزراعي، وغيرها. توسعت أنشطتنا إلى السعودية، قطر، وعُمان ومصر، ولندن، وكانت الشركة طموحة تقودها الكفاءات البحرينية. لكن ظروف الحربين الخليجيتين الأولى والثانية أثّرت على السوق الإعلاني، فانخفض النشاط بعد أن تجاوز عدد مطبوعاتنا 13 مطبوعة.
تجربة مهمة
صدر قرار في العام 1997 من رئيس الوزراء الراحل بتشكيل مجلس لإدارة هيئة الإذاعة والتلفزيون برئاسة وزير شؤون مجلس الوزراء والإعلام محمد المطوع، وكنت أحد أعضائه.. ما الذي تتذكره من تلك التجربة؟
- كانت تجربة مهمة، وكان الهدف منها وضع استراتيجية وطنية للإعلام في البحرين، وتفعيل الشراكة بين الهيئة والقطاع الخاص، وتشجيع الاستثمار في الإنتاج الإعلامي والمؤتمرات والمعارض.
كان المشروع طموحًا، وفتح الباب أمام تعاون أوسع مع المؤسسات الخاصة في مجال الإعلام.
تمثيل المحرق
تم تعيينك عضوًا في المجلس التنسيقي لمحافظة المحرق عام 2019.. حدثنا عن هذه التجربة وأبرز محطاتها؟
مثّلت بهذا التعيين أهالي المحرق في المجلس الاستشاري، مع مجموعة من الشخصيات الكريمة. كانت مهمتنا أن نكون قناة تواصل بين المحافظة والأهالي لنقل تطلعاتهم وملاحظاتهم.
الاجتماعات مستمرة بشكل دوري، ونسعى دائمًا لأن يكون للمواطن صوت فاعل في تطوير المحافظ، بدعم من المحافظ سلمان بن عيسى بن هندي المناعي.

خبرات الرواد
ساهمت مع الشيخ عيسى بن راشد آل خليفة رحمه الله ومستشار جلالة الملك لشؤون الرياضة صالح بن هندي في تأسيس الجمعية البحرينية للرواد الرياضيين عام 2019.. ما طموحاتك لدورها؟
- يرأس الجمعية المستشار صالح بن عيسى بن هندي المناعي، وكنت سعيدًا بالعمل معه ومع الشيخ عيسى بن راشد رحمه الله. الجمعية تهدف إلى الاستفادة من خبرات الرواد في البحرين، وتعد منبرًا لتطوير الرياضة وتقديم الدعم والمشورة للأجيال الجديدة.
كما كانت لي مشاركة في نادي المحرق الثقافي في السبعينيات، الذي كان نشاطه في مبنى لإحدى المدارس القديمة. أعددنا فيه مسرحًا وفرقة موسيقية خرجت منها أسماء بحرينية كبيرة، إذ كانت الأندية حينها متنوعة الأنشطة.
نادي التنس
من بين هواياتك رياضة التنس، وتوليت رئاسة النادي لفترة طويلة ولم تجدد ترشحك في انتخابات يناير 2025.. ما سبب الشغف بهذه الرياضة ودورك في تطويرها؟
اهتمامي بالرياضة بدأ منذ أيام المدرسة، جربت كرة القدم والسلة والطائرة ولم أوفق، فاتجهت إلى تنس الطاولة التي مهدت لاحقًا لدخولي رياضة التنس الأرضي. أتذكر أن قرب مدرسة الهداية كانت هناك بيوت للضباط الإنجليز وفيها ملعب تنس، وكنا نتساءل ونحن أطفال عن هذه اللعبة.
أحيانًا كانوا يتركون الكرات، فكنا نلعب بها لعبة نسميها «جدير»، وهي عبارة عن مجموعة حفر نرمي الكرة فيها، ومن ينجح في إدخالها يفوز.
بعد ذلك تم تأسيس اتحاد التنس وتنس الطاولة (قبل فصلهما لاحقًا)، وكنت من المؤسسين مع الدكتور توفيق عبدالرحمن المؤيد والمهندس عدنان فخرو. توليت الجانب الإعلامي، ثم انضممت إلى نادي البحرين للتنس وشجعني كثيرون على دخول مجلس الإدارة، حتى أصبحت رئيسًا للنادي، والرئيس الحالي هو أحمد خلفان.
التكريم الملكي
أنعم عليك جلالة الملك في العام 2007 بوسام الكفاءة من الدرجة الأولى تقديرًا لمسيرتك المهنية المتميزة في القطاع الإعلامي والإعلاني.. كيف تلقيت هذا التكريم؟
- التكريم من جلالة الملك المعظم كان لحظة فخر واعتزاز لا تُنسى. لا يوجد ما هو أسمى من أن يُكرم الإنسان من قائد بلده وهو بين أهله وفي حياته. أعتز بهذا الوسام وأراه حافزًا دائمًا للعطاء ومواصلة العمل من أجل الوطن.

الانتاج السينمائي
لديك تجربة في إنتاج عدة أفلام بحرينية مع المبدع بسام الذوادي من خلال تأسيس الشركة البحرينية للإنتاج السينمائي.. لماذا تعثرت الشركة وما المطلوب لإحياء الإنتاج السينمائي في البحرين؟
- أسسنا الشركة البحرينية للإنتاج السينمائي مع بسام الذوادي، ومع عدد من رجال الأعمال لدعم المشروع. كانت تجربة ناجحة ومميزة جمعت تحت مظلتها العديد من الكفاءات البحرينية في التمثيل والإخراج والتصوير، وأنتجنا من خلالها عدة أفلام لاقت نجاحًا كبيرًا.
أكثر ما أسعدني هو رؤية الفرح في عيون الشباب البحريني بعد إنجاز تلك الأعمال.
سبب التوقف أن التركيز كان على السينما فقط، ولو اتجهنا نحو الإنتاج التلفزيوني والمسلسلات لربما استمر المشروع بنجاح أكبر. اليوم هناك اهتمام من رجال أعمال بحرينيين بإحياء مثل هذه المبادرات.
وأرى أن المؤسسات والشركات بحاجة إلى شركات إنتاج محترفة، لأن الإعلام لم يعد إعلانًا تقليديًا فقط، بل صناعة متكاملة يمكن للشباب دخولها بسهولة بفضل التكنولوجيا الحديثة والتقنيات الرقمية.
آمل أن أرى مشروعًا وطنيًا طموحًا يجمع الكفاءات البحرينية في مجال الإنتاج السينمائي والإعلامي، وينقل الصوت البحريني إلى العالم عبر أعمال كبيرة تعكس هوية المملكة وإبداع أبنائها.

