كي تحظى بالسعادة لابد أن تركز على غرف فندق السعادة.
نحن نعيش في عالم كبير اسمه “الحداثة السائلة”. عالم فخم الواجهة، براق الأضواء، لكنه بلا أساس صلب. تتجول في هذا العالم فتجد كل شيء عابرًا: الحب مؤقت، الصداقة مؤقتة، العمل مؤقت، حتى الهوية بطاقة إلكترونية تُستبدل عند الاستقبال. وكأن العمر كله صار إقامة قصيرة في مبنى كوني فاخر لا يترك في القلب أثرًا.
هذا العالم لا يمنح سعادة كاملة رغم إمكانياتها..انت محاط بالمرضى النفسيين والحمقى والسيكوباتيين المعادين للمجتمع ،الممتلئين نرجسية فاقعة بفائض جشع وصفر مشاعر وتصحر إنسانية...
عالم فيه تدفق المال ومات الاحساس،انتفخت التكنولوجيا فتصحرت الخصوصية،حتى العلاقات أصبحت إليكترونية، والحب يتم تنزيله مع (الابليكيشن ) وقد ينتهي بضغطة زر.
مع تطرف الرأسمالية وعدم أنسنتها أصبح هناك نرجسيون دينيون وغير دينيين كل حسب السوق والمشترين،
حولوا الطقوس الى موسم تجاري للتنافس في رفع سعر الرحلات الدينية ،مستغلين شغف الناس للطمأنينة ،وهم يفتشون عنها في دفاتر التاريخ او آثار أولياء الله او طقس مقدس ينسيهم قسوة سلطة المال ،ووحشية الفردية التي فرضتها الرأسمالية، والانا الجشعة المتسربة من الليبرالية المتطرفة.
الكل ضائع في عالم السعادة المحنطة،
الديني يُتاجر به كنعش في بورصة السياسة القذرة، والتاجر يرى حسابه يتضخم وحب أولاده له يتصفر، وأصدقاؤه يرونه جهاز ATM واغلب المحيطين به وفاؤهم اللاوفاء، والعاشق فجأة يرى نفسه ملقى على الرصيف تم استبداله بمعشوق جديد اكثر مالا.. اما الممثلون الاكثر شهرة من ممثلي مسرحيات شكسبير “الفاشينيستات” فاغلبهم يعاني من تشوهات نفسية يستبدلونها بعمليات تجميل لتشوهات الوجه والجسد كحيلة دفاعية عن فراغ قاتل والتفاف ناعم عن الم داخلي عميق يظهر مباشرة مع اغلاق الكاميرا و وقف البث ،فيستبدل لمعان الإضاءة الى لمعان الدموع بعد اغلاق كاميرا هي الشاهد الاكبر في تحويل الوجع المخفي الى ماركات صارخة عند البث المباشر .
لا الديني مرتاح لأنه متناقض ويعاني من انفصام حاد ،ولا الملحد سعيد؛ لأنه يكابر حينما ألغى معادلة وجود الله عز وجل في الحياة.
هنا يأتي دور غرفة الثقافة المتنوعة المتوازنة في فندق السعادة التي أطرحه.
والثقافة الحقيقية هي الثقافة الإنسانية المنفتحة على الحضارات تحترم كل الأديان والطوائف والملل والفرق دون أن تتحول إلى قاض يحاكم الآخرين.
ثقافة تقوم على الإنسانية والروح وتؤمن بالتنوع المعرفي والحضارات وتستقي من العلوم الإنسانية “الأنثربولوجية “ كرافد للوعي والعلم والتقدم.
هذه الثقافة تصبح في قبال الثقافة السائلة “الحداثة السائلة “ التي طرحها عالم الاجتماع البولندي زيجمونت باومان.
لم يكن مبالغا حين وصف العالم بالسيولة.
بلا غرفة الثقافة نحن ذائبون... تم تسييل كل القيم وكل الأشياء الجميلة،كل علاقاتنا أصبحت سائلة بعد أن كانت يحكمها الثبات والصدق والوفاء والاصالة...حتى الحب وهو أكبر قيمة للوجود اصبح سلعة، ورقما وحسابا بنكيا وهدايا فاخرة...
تم تسييل الأخلاق فأصبحت ضمن معايير الموضة، وحسب البرغماتية الجديدة ،و تعتمد على معايير السوق والبورصة ...قل لي كم تعطيني من مادة سوف امنحك كيلوات أخلاق.
هذا هو ذوباننا الذي يقود الى الانقراض المعنوي لقيمة الانسان؛ لذا نجد عالما كبيرا مثل هنري ثورو اعتزل العالم لينجو من بطش المدنية في القرن التاسع عشر، وانزوى في كوخ علما أن هذا العالم يعتبر الملهم للاديب الروسي تولستوي ،وغاندي و مارتن لوثر كينك في العصيان المدني السلمي وقد الف كتابا اسمه (الحياة في الغابة )(Walden).
أحيانا حتى الفيلسوف لا يتحمل سطوة الحياة المادية البحتة فينزوي فيؤثر بحثا عن طمأنينة داخلية فيضطر للانسحاب او النقد الواضح كما هو الفيلسوف الماركسي، أنطونيو غرامشي (إيطاليا، 1891 - 1937).
الذي صدمته المدنية وسجن في سجن فاشي موسوليني شرس فظل يكتب عبر (دفاتر السجن) رؤيته للحياة والوجود.
فهل سألتم أنفسكم لماذا الفيلسوف الروماني إميل سيوران هرب من الأضواء وصخب المدنية إلى عزلة ذاتية تماما كما هو الفيلسوف الروسي ،فاديم زيلاند الذي يكره الشهرة والأضواء؟ سيوران عاش حياة بسيطة جدًا، أقرب إلى شبه التشرّد، مكتفيًا بالكتابة والتأمل والسخرية من العالم، وكذلك جان جنبه ومحمد شكري ومحمد الماغوط كلهم يحملون اوجاع التهميش ،والبحث عن غرفة ثقافية تنجيهم من اي حريق كبير في فندق السعادة لكن الاغلب ان نجى من السقوط لم ينجُ من الاحتراق.
كتابات سيوران، هذا الجريح المثقل بوجع الغربة
تتسم بكراهية الوجود حين يكون بلا ثقافة حقيقة، وحب صادق، ومعنى سام.. كتاباته تحمل نغمة متوجعة..
وكأنه يتساءل عن البشر بلا ثقافة..
البشر؟ آه، أي كائنات طريفة!
يؤذونك، ثم يطالبونك بالامتنان.
يهدمونك، ثم يندهشون إن صرت أنقاضًا.
إنهم أكثر هشاشة من أحلام طفل، وأكثر غرورًا من إله مُزيّف.
كم هو مضحك هذا العالم:
نركض وراء بشر هشّين كأكواب زجاج،
نستجدي منهم حبًّا، اهتمامًا، كلمة، لمسة،
ثم نكتشف أنّ كل ما فيهم مجرّد صدفة عابرة، وأنّنا نحن الكذبة الوحيدة التي صدّقناها.
نحلم بيد حانية..!!
كنت أظنّ أنّ الحياة تُقاس بعدد الأيدي التي تمسك بنا، وعدد الأصوات التي تُنادينا، وعدد القلوب التي تفتح لنا أبوابها.
لكنني تعلّمت، بعد الجراح، أنّ أعظم نعمة هي أن تمشي وحيدًا دون أن ترتجف،
أن تستيقظ دون أن تنتظر رسالة من أحد،
أن تشعر أنّ ذاتك تكفيك، وأن قلبك وحده يستطيع أن يملأ هذا الفراغ الكبير. وهذا ما سيمى في علم النفس ب”الاستقلال العاطفي”.
لكن سيوران لو وسع التفاؤل لوجد ان غرفة الثقافة، وبقية الغرف قادرة على العيش في العالم رغم ضوضائه وصخبه وفوضاه.
الحل ليس بالعزلة ،
الحل ولو كنت في الجحيم، عليك ان تبقى منشغلاً ببناء الجنة..جنتك الخاصة.
أنا لا أؤمن بالانعزال والتقشف، بل أؤمن بأن أهمية غرفة الثقافة في فندق السعادة تكمن في تحويلها لصيدلية للذات وغرفة عمليات جراحية للثقافة المجتمعية.
إن الثقافة الحقيقية العملية هي التي تزيد من المثقف شغفا بالتمتع بكوكتيل الحياة.ورغم قسوة المدنية إلا أن الإنسان بإمكانه بالتركيز على غرف السعادة ليعيش السعادة التي تقوم على أكثر متعة وأقل ألمًا.
الحياة بلا حب وبلا قيم وبلا أصالة تصبح قاسية. أحيانا الإنسان في ظل هذه الفوضى ينتظر كلمة حانية صادقة تخرج من فم إنسان صادق. أغلب الذين اعتزلوا كانوا يبحثون عن معنى عميق للحياة أكبر من الفردية والمادية.
وأحيانا يأتي الإبداع من العزلة.
صحيح أن
نيتشه كتب أجمل كتبه في عزلاته الجبلية.
وابن خلدون أسّس نظريته في “العصبية” وهو معتكف في قلعة صغيرة، وأن
ألبير كامو كان يجد في السير وحده على شواطئ الجزائر وقودًا لكتاباته لكن كل ذلك لا يكفي.
سعادة الحياة تكمن في ثقافة و قلب وروح وجسد ومجتمع لا يمكن ان نفصلها والا تنفرط سبحة الحياة.
بالنسبة لي أؤمن بما سيمته
(private garden) ”الحديقة الخاصة” كيف تحول الكون الى حديقة خاصة تاخذ إيجابياته وتترك سلبياته.
، وما اسميه “فردوس الجحيم“
بمعنى أن تبني الفردوس،وانت في قعر الجحيم... اكان الجحيم جحيم المادية او جحيم جهل المجتمع او غباء الكون وغاباته وتوحش رموزه.
ان تسكن فندق سعادتك بغرفه المتنوعة من غرفة الثقاقة والروح و القلب”الحب والشريك الصح” والجسد و المال و المجتمع “العلاقات الصحية” افضل من عزلة ابدية.
صحيح اننا نذوب كل يوم في تدفق الصور، الإعلانات، الأخبار، والعلاقات السريعة. كل شيء أصبح مثل ماء يتسرب من بين الأصابع. لكن، كما يقول تشارلز تايلور: “الإنسان لا يمكن أن يحيا بلا أرض أخلاقية”،
والثقافة هي تلك الأرض، البنية التحتية غير المرئية التي تجعلنا نقف صامدين حين يسقط كل شيء.
تماما كما حذر عالم النفس ،إريك فروم من تحويل الحب إلى سلعة.
او كما صرخ عالم الاجتماع والاقتصاد النمساوي ،بولانيي ضد تحويل الإنسان إلى بضاعة او ما شدد عليه فوكوياما أن الثقة والقيم هي أساس أي ازدهار اقتصادي. كلهم، من زوايا مختلفة، أكدوا أن الثقافة المتوازنة ليست رفاهية، بل جدار مقاومة ضد الانهيار.
من هنا اركز على اهمية السعادة الحقيقية ،سعادة”المعنى” من الحياة :فلا يمكن ان تدخل غرفة الروح في فندق السعادة دون غرفة الثقافة التي تمتاز بالانفتاح الثقافي والرؤية الفكرية والمعرفية المتوازنة للحياة.
غرفة الثقافة
هي ليست مكتبة تقليدية، ولا صالة محاضرات. إنها مساحة داخلية، غرفة في قلب الإنسان، حيث يجلس مع الكتب والأفكار والقيم التي لا تذوب مع الزمن.
إن “غرفة الثقافة” ليست تكديسًا للكتب فقط، بل بناء داخلي متماسك من قيم العدالة، الحوار، الجمال، الفن، الفلسفة. هي ذلك المكان الذي يُعيد للإنسان جذوره حين تنزع الحداثة كل الجذور. فمن امتلك هذه الغرفة، صار كمن يسكن في فندقٍ متغير لكنه يحمل بيته في قلبه.
الثقافة هنا ليست مجرد معرفة، بل بنية أساسية للروح. مثل أساسٍ عميق لبيتٍ يتعرض للعواصف. في حياة بلا ثقافة متنوعة انسانية تصبح السعادة زائفة ، سعادة تسوّق كبضاعة: ابتسم، اشترِ، سافر، استهلك. لكن في غرفة الثقافة الحقيقية ، السعادة تُبنى من الداخل، عبر توازن الفكر والروح.
لذا ينبغي ان نركز على ثقافة تنتقي كل ما يجعل حياة الإنسان نحو خلاصه أكثر جمالا وانسانية وتنوعا.
في زمنٍ سائل، قد تضيع كل الغرف. قد يُغلق جناح الأصدقاء، قد تنهار قاعة الوظائف، قد تُطفأ أنوار الحب. لكن من يملك غرفة الثقافة، يملك قلعة صغيرة تقاوم الفيضان؛ لذا يفنى كل ما في التاريخ ويبقى الفن والثقافة.