في ظل ضياع الإنسان ألمًا ووجعًا وحزنًا، يظل يبحث عن الطمأنينة، فمهما امتلك من وفرة مالية ووجاهة اجتماعية، ولو دينيًا، ومهما بلغ من شهرة، فلن يشعر بلذة الاطمئنان وراحة البال دون علاقة خاصة مع الله. هذه العلاقة لابد أن لا تكون ميكانيكية، طقسية تربى عليها بعادات وتقاليد دون فهم هذه العلاقة وربطها بالحب والجمال والإنسانية. هذا ما أراه مهمًا وأنا أطرح نظرية السعادة الكاملة عبر كوكتيل الحياة والغرفة الروحية من غرف فندق السعادة.
فمن يعش داخل الغرفة الروحية يجب أن يحب الإنسان كإنسان لا لكونه مسلمًا فقط، فلا يدعو إلا إلى المسلمين ولا يتأثر إلا لأحوال المسلمين، بل يحب الإنسان بغض النظر عن ديانته ولونه وعرقه. العاشق الروحي لله يعيش الصفاء مع الله والدين دون أن يقوده خطأ فهم السماء إلى أمراض نفسية. التطرف الديني ليس له علاقة بغرفة الروحانية في فندق السعادة، فالمتطرف يمكن أن يتحول إلى سايكوباث (معتل نفسيًا معادٍ للمجتمع) يعقد علاقة مع السكين في ذبح المجتمع إن لم يوافقه، أو يكون مريضًا بالشيزوفرينيا لأنه لا يمكنه التوفيق بين حب الدنيا باعتدال والتوافق مع السماء والقيم السامية.
هذه الغرفة الروحية مهمة، وأول بنودها الإنسانية وحب الله مع كسر جهاز الخوف المرضي من الله والنار الذي زرعه التدين الملتبس.
والتطرف الديني المسيس، إذا وجد عند أي معتقد، والذي يسعى للتحكم بعقول وقلوب الناس دينيًا وسياسيًا واجتماعيًا، هو أساس ضياع الناس وفوضى حياتهم وعدم قدرتهم على التقاط ذبذبات الفرح في فندق السعادة.
أغلب المسلمين ضائعون لأن الغرفة الروحية، وهي غرفة أساسية في الحياة، آيلة للسقوط، ومليئة بالفوضى والتطرف والطائفية وقنابل التاريخ ونرجسية “أننا الأفضل والأرقى”، عدا عن الأمراض النفسية والفقر والحروب الأهلية والثأر.
فكما نقول، السعادة لا تكتمل بالرفاهية والماديات بلا روحانية، كذلك لا يمكن تحقق السعادة مع روحانية ملتبسة ومليئة بالتناقضات، والفساد الخلقي والتشوه الفكري، والخرافات الطقسية أو التطرف الروحي أو الطائفي.
فكل غرف السعادة مهمة في فندقها الراقي، إلا أن غرفة الروح هي الأكثر أهمية.
تخيل حياتك فندقًا هائلًا، فيه غرف للمال، وأجنحة للذة، وصالات للأصدقاء، ومطاعم للترف كل شيء يلمع، لكنها بلا غرفة روح؟ هذا هو أساس الامتلاء الخاوي والتشبع الفارغ في العصر الحديث. ممتلئون بكل شيء، لكن فارغون من كل شيء.. فراغ لا تملأه مادية الحداثة وتفرغه عصبية المعتقد. كلاهما وجهان لعملة واحدة. والحل؟ روحانية متوازنة شفافة صادقة مع الله وعلاقة إنسانية جمالية مع الكون.
فغرفة الروح، من يدخلها يجد النبع، ومن يغلق بابها يموت عطشان ولو غمرته البحار.
إن لم تدخلها، بقيت تائهًا في الممرات، مهما شربت ورقصت وضحكت داخل الفندق. ولكن شريطة أن تكون العبادة بطقوسها صافية وسليمة، وتتناسب مع روح العلاقة مع الله، مبنية على الروح والمنطق والعقل، وتقودك للإيمان والإنسانية. ولا بد من العلم أن غرفة الروح هي من أهم الغرف؛ لذلك ركز عليها بوذا والمدرسة الرواقية والإمام علي والمسيح وسبينوزا وروسو وهاوكينز وزيلاند وغيرهم.
فالمال يعطيك سريرًا مريحًا،
العلاقات تملأ الفندق بالضحكات،
والإنجاز يزين الجدران بالجوائز،
واللذة تمنحك لحظات انتشاء...
لكن غرفة الروح وحدها توصل الكهرباء إلى كل الغرف.
من يفتحها يسكن فندق السعادة مضاءً، ومن يغلقها يعيش في برج مظلم، يملك كل شيء ويشعر بلا شيء.
ومن النتائج النفسية لفتح غرفة الروح:
الطمأنينة الداخلية:
تعمل على انخفاض مستويات القلق والتوتر.
المرونة النفسية:
القدرة على تحمّل المصاعب (Resilience).
النمو الوجودي:
تجاوز الألم بتحويله إلى معنى.
السعادة المستدامة:
ليست فرحًا عابرًا بل اتساعًا داخليًا يظل رغم خسارات الدنيا.
كم نحن قساة في أحكامنا على فلاسفة الغرب، فنظن أننا وحدنا من نؤمن بالله، وكيف تم برمجتنا أن الغرب يعني كفرًا، واحتكرنا الإيمان بأننا نحن المؤمنون بالله، والبقية كفار ومشركون.
وهذه الأقوال لا زال يتم الترويج لها. فأهمية الإيمان بالله كمنطلق للسعادة الأبدية للإنسان ركز عليها كثير من الفلاسفة الغربيين. هؤلاء الفلاسفة لم يتحدثوا عن فكرة عابرة، بل عن الغرفة الوحيدة التي تنقذ الفندق من أن يتحول إلى مقبرة مضاءة بالنيون.
ومنهم:
باسكال كتب وهو يرتجف من فراغ العالم بلا روح قائلاً:
“في قلب كل إنسان فراغ على شكل الله، لا يملؤه سوى الله نفسه.”
أما الفيلسوف جان جاك روسو فصرخ:
“من لا يرى الله في قلبه، لن يجده في الكتب”. كأن الغرفة ليست على خريطة الفندق، بل في أعماق الصدر.
أما الفيلسوف سبينوزا، وهو من أكثر الفلاسفة الذين ركزوا على وجود الله، فقد آمن بأن الله ليس بعيدًا عن الكون، بل يسكن في كل ذرة، في كل نافذة، في كل شعاع ضوء في العالم.
أما الروائي الروسي، تولستوي، فبعد أن ذاق الشهرة والثراء، كتب:
“كل شيء بلا الله باطل… حياتي بلا الله موت.”
وقال أينشتاين:
“العلم بلا دين أعرج، والدين بلا علم أعمى”.
وقال دوستويفسكي:
“من يفقد الله، يفقد نفسه”.
الخطأ الذي ارتكبه بعض الفلاسفة الغربيين، نتيجة كردة فعل على الكنيسة، هو وقوعهم في الإلحاد أو إلغاء الجانب الروحي والانغماس في الماديات حتى وصلنا إلى ما يسمى “بالليبرالية المتطرفة”.
ما أؤمن بالله هو أن رجال الدين من كل الأديان لا يمكنهم احتكار السماء في تفسيراتهم، ولا هم وكلاء عن الله. فمن يؤمن بالله سبحانه وتعالى لابد أن يؤمن بالحب والجمال والإنسانية، وأن يحترم كل الأديان والملل والطوائف لأنها جميعًا تريد الوصول إلى الله ما لم تكفر طقوسها الآخر أو تدعو للعنف والقتل للمختلف معه، وأن يكون الجامع بين الجميع هو الله والحب الإنساني.
فالمتدين الروحي الحقيقي هو الذي يمتلك جمال روح، وتناسق قيم، وأناقة مظهر، وصدق معشر، صدره رحب وغيور على الإنسانية جمعاء، ومحبا للحياة مبتسمًا لخلق الله، لا عابسًا مكشرًا كارها متوترًا عنيفًا.
كما يصفه الإمام علي (ع):
“لَيِّنًا قَوْلُهُ، غَائِبًا مُنْكَرُهُ، حَاضِرًا مَعْرُوفُهُ، مُقْبِلًا خَيْرُهُ، مُدْبِرًا شَرُّهُ. فِي الزَّلاَزِلِ وَقُورٌ، وَفِي المَكَارِهِ صَبُورٌ، وَفِي الرَّخَاءِ شَكُورٌ. لا يَحِيفُ عَلَى مَنْ يُبْغِضُ، وَلا يَأْثَمُ فِيمَنْ يُحِبُّ. يَعْتَرِفُ بِالْحَقِّ قَبْلَ أَنْ يُشْهَدَ عَلَيْهِ. لا يُضَيِّعُ مَا اسْتُحْفِظَ، وَلا يَنْسَى مَا ذُكِّرَ، وَلا يُنَابِزُ بِالألْقَابِ، وَلا يُضَارُّ بِالْجَارِ، وَلا يَشْمَتُ بِالْمَصَائِبِ، وَلا يَدْخُلُ فِي الْبَاطِلِ، ولا يَخْرُجُ مِنَ الْحَقِّ.”
ويختصر العالم الأندلسي محي الدين بن عربي المولود سنة 1164م قلبه الإنساني قائلاً:
“لقد صار قلبي قابلاً كل صورة
فمرعىً لغزلانٍ، ودير لرهبانِ
وبيتٌ لأوثانٍ، وكعبة طائفٍ
وألواح توراةٍ، ومصحف قرآنِ
أدين بدين الحب أنَّى توجهتْ
ركائبه، فالحب ديني وإيماني.”
فوجود الله في حياة الإنسان هي التي تعمق الاطمئنان الروحي وتقود للسعادة. لذاك أركز على أهمية الإيمان بالله كنوع من الخلاص والوصول إلى الراحة الأبدية مع أهمية بقية غرف فندق السعادة من غرفة المال وغرفة العلاقة الاجتماعية الصحية، وغرفة الثقافة المتنوعة، وغرفة الرياضة التي جميعها تصب في ثقافة الحياة والاستمتاع بمباهج الحياة.
وبلغة شاعرية أقول:
غرفة الروح مهمة جدًا في فندق السعادة،
فهي الروح في الجسد، إن خرجت، بقي الفندق جثة مزخرفة
وهي الأوكسجين في رئة الفندق؛ كل الغرف تختنق إذا غابت
وهي الوتر الأول في العود؛ من دونه كل نغمة نشاز،
وهي كأس الخمر الأبدية؛ كل اللذائذ سكر عابر، إلا خمر الروح فهو سكر لا ينتهي.
فما قيمة جناح فاخر بلا نافذة؟ ما قيمة سرير مخملي إذا كان القلب مثقوبًا؟
فالرجل الذي يملك الملايين ويجهل الروح، يعيش مثل زائر يدور في ممرات الفندق يجر حقيبة ذهبية فارغة.
والمرأة التي تملك الحب بلا روح، كمن تنام في جناح مزين بالورود لكنه بلا هواء، تموت اختناقًا بين العطور.
السعادة بلا الله وهم، مثل كأس كوكتيل بلا قطرة روح: حلاوة أولى تعقبها مرارة حارقة.
لذا نجد حتى على مستوى العلوم الأنثروبولوجية تركز على أهمية الإيمان بالله، فنجد مثلًا علم النفس يركز على
علم النفس الروحي (Spiritual Psychology) أو
علم النفس الإيجابي الوجودي.
لذا نجد علماء مثل فيكتور فرانكل وكارل يونغ وغيرهما طرحوا أهمية الإيمان في الوجود عن “معنى” في الحياة وعن تنظيف “الظل” للوصول للسمو والكمال الإنساني.
ونجد في التراث الديني أن الأكثر اطمئنانًا هم من ركزوا على أهمية الروح والاتصال بالله كقوة عظمى.
ومنهم:
الإمام علي (ع):
“عجزت العقول عن إدراكه، وضلت الأفهام عن كنهه”
جلال الدين الرومي حيث قال: “الطقوس قناديل، لكن النور هو الله”.
الحلاج صرخ وهو على المشنقة: “ما رأيت شيئًا إلا ورأيت الله فيه.”، كأنه فتح الغرفة حتى في لحظة الموت.
فكل إنسان يعبد الله على طريقته، ولكن الكل يشير إلى الله عز وجل.
والأجمل أن تقودنا الإنسانية للقرب إلى الله.
يقول الشاعر:
عباراتُنا شتى وحسنُك واحدٌ
وكلٌ إلى ذاك الجمالِ يشيرُ
الحياة كوكتيل كبير: فيه السكر، الليمون، الفاكهة، القهوة…
لكن الكأس ناقص بلا نقطة الروح.
فندق السعادة بلا غرفة الروح مجرد بناء فاخر بلا كهرباء: جدران، أسرّة، زينة، لكن الظلام يأكل القلب.
افتح غرفة الروح، وإلا ستبقى غريبًا في فندق نفسك، نزيلًا في جدرانك، ضائعًا بين الأبواب.
أما إذا فتحتها… فستصير مالك الفندق، وضيفًا على الله في آن واحد.