العدد 6169
الخميس 04 سبتمبر 2025
الحداثة المتوحشة وضياع الإنسان: قراءة تفكيكية في حكمة بوذا
الخميس 04 سبتمبر 2025

الإنسان جيشٌ في النهار، ووحشٌ عند الجوع، وجَحشٌ في القطيع. يلبس قناع الحُبّ في الصباح، ويشوي قلب حبيبته على الفحم في المساء.
كلمة “أحبك” لا تحتاج أكثر من دقيقة لتتحول إلى “باربكيو”.
أيّ غابةٍ هذه التي نسمّيها نفسًا بشرية؟ بين جذعها ذهبٌ مخبوء، وفي جوفها بئرٌ من ماءٍ آسن.
إنسان اليوم مراهقٌ كونيّ: يحمل هاتفًا ذكيًا وقلبًا بدائيًا، يقيم في فيلا، لكن داخله ألفُ علّة. يتراكم في حسابه البنكيّ الذهب، بينما روحه تشتهي جرعة حبّ واحدة. يملأ خزائنه بالثياب، بينما وحدته أوسع من صحراء.
النفس البشرية غريبة.. غابةٌ تحتاج إلى فهم، وهي بين كنزٍ مليءٍ بالذهب، وبئرٍ فائضٍ بالماء الآسن.
هذا الحبيب قد ينقلب عند تغيّر أولوياته أو تراتبية قيمه؛ قد يتحوّل إلى وحش.
تصوّر قصة أمريكيَّين: حبيبٌ مع حبيبته بقيا لأربع سنوات معًا، ثم اختلفا بشكلٍ مرعب. أراد “الحبيب” مصالحة الحبيبة، فقبلت. دعا أصدقاءه والجيران إلى سهرة في منزله بمناسبة الصلح، سهرة باربكيو. جاء الجميع، لكنهم لم يجدوا الحبيبة.
بعد فترة، وبسبب البلاغات عن اختفائها، اكتشفت الشرطة بعد التحقيق أن كل وجبة لحم في سهرة الباربكيو كانت لحم حبيبته.
تصوّر كيف تتحوّل (I love you) إلى باربكيو.
النفس غريبة؛ فالبشر بين اضطراب حدّي، ونرجسي، وشيزوفريني، وسيكوباثي، وسادي، وغير ذلك، وبين أصحاء وحمقى، كلهم يبحثون عن “راحة البال” التي تساوي السعادة.
من يصنع الحروب ويتلذذ بسادية رؤية نوافير الدماء، هو يبحث عن سعادة أو راحة بال، لكن لكونه معتلاً عقليًا ومختلًا نفسيًا، يعتقد أنه يسعد نفسه أو يدافع عن ذاته.
من يقود الجماهير، وهي غائبة عن الوعي، فيما يُسمّى في علم النفس “التماهي الجماعي” (Collective Identification)، ويقودها إلى المسالخ دون أن يُعير النتائج اهتمامًا، هو يبحث عن نشوة ترضي غروره الداخلي: فراغه، نقصه، تضخّمه الأنوي، نرجسيته المنتفخة التي يجد فيها سعادته. لكنه لا يعلم أن هذا الانتفاخ يزيد من وحدته ووجعه وفراغه، ويعمّق جراحه الخفية عندما يبقى وحيدًا في زاوية من غرفته، بعيدًا عن أعين الجماهير.
ابتسامة الإنسان أمام العالم تتحوّل إلى دموع وحزن عندما يجلس في زاوية ضيقة من أركان بيته... هنا تظهر الحقيقة، “الظل” الذي تحدّث عنه كارل يونغ حين فتح كتاب “الظلّ” في وجوهنا، ليقول: نحن لسنا ملائكة ولا شياطين، نحن خليط فاسد من الاثنين.
الجمهور ليس بريئًا؛ فهو مجرمٌ جماعي، يبتسم وهو يغرس السكين في خاصرته،
يلقي بأبنائه في محارق العدم لأجل نشوة آلهة بشرية تُسمّى “الزعيم”، كما حدث في ألمانيا، وكما هو اليوم في العراق واليمن.
الإنسان هنا ليس فردًا، بل قطيعٌ يبيع أطفاله مقابل نشوة الانتماء، حيث يرقص الناس على رماد بيوتهم، ويهتفون بأسماء جلاديهم.
السؤال: لماذا يضحك الناس وهم يُذبحون؟
السؤال هو: متى سنتوقف عن التصفيق، عن تراكم الجثث مع تراكم أكياس غرور الأخطاء المكرورة؟
بعد “ظل” كارل يونغ، نتلمّس “اللاوعي” عند فرويد، لحظة سقوط القناع وتجلي ما لا نريد الاعتراف به.
فالشاب المعدم، اليائس من قسوة الحياة، وشبح الفقر، وعدم وجود معنى لحياته، يعتقد في اللاوعي أنه إذا ألقى بنفسه في محرقة، وذهب عمره فداءً للزعيم، كما حدث لسكارى مقتدى الصدر، أو الغنوشي، أو القرضاوي، أو الحوثي، يظن أنه وجد السعادة. وذلك تحايل على وجع داخلي، وشعور بالضياع، وعدم جدوى الحياة، فيجد أن وجوده واسمه سيكون كبيرًا وله معنى في المحرقة.
الزوج الذي علّق زوجته دون طلاق تعسفًا، هو في الحقيقة يعاني من سادية ونرجسية؛ ففي اللاوعي يعتبرها أحد أملاكه، ولا يتنازل عنها، وقاده ذلك لتعذيبها.
الكل يبحث عن سعادته، لكن الكثير لا يعلم أن طريق السعادة لا يكون بالشر، والتوحّش، والسادية، وإيلام الآخرين.
من يسرق، من يخون، من يدمّر، من يطمع... لا يمكنهم الوصول إلى السعادة.
إذن، أين هي السعادة؟
إن عشنا، شقينا، وإن ابتعدنا عن الحياة، شقينا.
هتلر كان يرى السعادة في السيطرة على العالم، وتسبّب في قتل ستين مليون إنسان.
وكذلك ستالين وموسوليني، وكانوا جميعًا يعتقدون أنهم بساديتهم يخدمون أنفسهم أو البشرية، لكنهم دمّروا البشرية.
لكن الإنسان لم يتغيّر؛ بقي وحشًا وجحشًا، والدليل أن العالم لا يزال يعيش في مراهقة كونية.
الإنسان سادي، سايكوباثي، “معتل نفسيًا معادٍ للمجتمع”، يقتل ويذبح ويعذّب، ويسرق، ثم يكتب قصائد في الحضارة والإنسانية.
إذا كان الطفل لا يجد أمانًا في حضارة تُسمّى “حديثة”، فما جدوى كل هذا التاريخ؟ وما جدوى الفلاسفة، وهذه الأغاني والأهازيج الإنسانية التي تُرفع في العالم؟
إذن، أين السعادة؟
هل الهروب من الوجع حل؟ هل التحايل حل؟ هل تفريغ الأمراض بالإسقاط حل؟
الحروب؟ القتل؟ المليشيات؟ الكانتونات؟ التقوقع الحزبي أو الطائفي... هل هي حلول؟
أمام كل هذه التناقضات، هرب عظماء من كل هذه الدماء للحصول على راحة بال.
بوذا ترك القصر وذهب إلى الغابة بنظرية تقول إن “التعلّق جذر كل معاناة”، ومفادها: إذا تعلّقت وذبت وعشقت حبيبة أو مالًا أو شهرة أو مبنى... فستكون معاناتك الحقيقية وجعك من هذا التعلّق؛ ألمك، حزنك، اكتئابك... كله بسبب تعلّقك بهذه المرأة أو بهذا الشيء، لأن التعلّق هو جذر كل معاناة، كما يرى بوذا.
تعلّقتَ بمالٍ لدرجة الجنون؟ فانتظر وحش المعاناة وهو يأكل حياتك.
كل شيء تبالغ في حبّه سيتحوّل إلى وحش يأكلك دون أن تشعر.
هذا ما طرحه فاديم زيلاند في نظرية “الترانسيرفينج”، والتي من ضمنها أنك تصنع من أي شيء جميل في حياتك وحشًا إذا بالغت وتطرّفت في حبّه، سواء كان إنسانًا أو أشياء.
فيقول: فائض حب = فائض كراهية، وفائض عطاء = فائض حرمان، وتبدأ “البندولات” المتوحشة في اللعب بك وابتلاعك.
“نحن لا نتألم لأن الأشياء تزول،
بل لأننا نتمسّك بها، كما لو أنها ستبقى للأبد. نتعلّق بوجهٍ نحبه، بصوتٍ يرافقنا، بوعدٍ نظنه ثابتًا، بلحظةٍ نتمنى أن تتجمّد في الزمن، وعندما ينكسر الوهم، ينكسر قلبنا معه”. 
ولعل الأديب الروسي تولستوي، الذي ترك القصر ووزّع أراضيه على الفقراء، وعانى من وجع وجودي وهرب بعيدًا عن أولاده وزوجته حتى مات في محطة قطار، كان مثل بوذا؛ حيث وجد السعادة في ترك التعلّق بالأشياء، رغم اختلافي معهما.
ورغم عظمة بوذا، وجمال روح الصوفيين، من الحلاج الذي صرخ “أنا الحق”، إلى ابن عربي الذي قال إن السعادة “أن يرى الإنسانُ اللهَ في كل شيء”، إلى ابن عطاء الله السكندري (ت. 1309) الذي قال: “متى أوحشك اللهُ من خلقه، فاعلم أنه يريد أن يفتح لك باب الأنس به”، إلى شمس التبريزي، وجلال الدين الرومي، ورابعة العدوية في تطهير الروح من الانعتاق من زينة الحياة.
الصوفيون عبر العصور قالوا: “من ذاق عرف”، أي أن السعادة ليست نصًّا يُحفظ، بل تجربة تُعاش.
الله وضع البذرة فينا: بذرة الطمأنينة، بذرة النور. لكننا غطّيناها بالضجيج، بالشهوات، بالخوف، بالعقائد المتناحرة.
توصيف رائع وعظيم، لكن السعادة تكتمل بحب الله، وحب الحياة التي تقود إلى حب الله.
أتفق مع كل هؤلاء بأن التعلّق وراء كل ألم، لكنني أختلف معهم في الرهبنة والزهد والابتعاد عن سعة الحياة. بل أجد أنه إذا كنت تريد أن تقترب من الله أكثر، وتزداد تبتلًا وهيامًا وعشقًا، فحبّ الله وأنت غنيّ الروح والقلب، وغنيّ بنِعَم الله عليك، قد يكون أقرب إلى الله من الفقير التقي.
أليس بإمكان بوذا وتولستوي أن يعيشا في القصر، وهما يمارسان العبادة، ويدعمان الفقراء دون تعلّق بأي شيء؟
لا يمكن أن آتي للإنسان وأقول له: سعادتك في ترك الحياة من جمال وزخرف وأناقة وامتلاك ورياضة وسفر... ثم أطلب منه أن ينزوي ويعيش تقشفًا. 
السعادة “بكج” كامل، وهنا تكمن ثغرات أكثر النظريات.
نقص النظرية عند بوذا كنقص بقية النظريات في إسعاد الناس. 
إذن، السعادة ليست في الهروب من القصر إلى القبر، وليست في فك التعلّق بالأشياء وحدها، وليست في وجود معنى للحياة كما يرى فيكتور فرانكل، ولا في اعتبار الحياة عبثية يجب أن نفرح بها كما عند ألبير كامو، ولا فيما رآه كارل يونغ، أن السلام يبدأ عند مواجهة “الظل الداخلي” والتصالح مع النفس، أو ما رآه عالم النفس إريك فروم من أن الحب بلا شروط، والحرية الداخلية هي السعادة، وهي أقوى من أي سلطة أو مال، أو ما رآه زيجمونت باومان من أن سعادة البشرية في الابتعاد عن “الحداثة السائلة” التي تقتل الطمأنينة إذا ارتبطت بالمادة فقط، على اعتبار أن الحداثة أذابت كل أصيل وقيم ونقاء، وعملت على تذويبه.
كلها أفكار عظيمة، لكنها تقود الإنسان للحصول على غرفة من فندق السعادة، لا السعادة كلها.
لماذا خلق الله الحياة والجمال والطبيعة وكل أنواع الملذّات؟ هل للزهد فيها أو تركها؟
إن الله خلق كل ذلك لنسعد بها، شريطة ألّا نتعلّق بها تعلّقًا مرضيًّا ناتجًا عن نقص، أو ظنًّا أنها تُكملنا.
قمة الإيمان أن تملك الحياة، ولا تملكك.
أن تعيش، وتستمتع بالوجود، وقلبك ينبض بحب الله، لكنك لو افتقدت ما تملكه، لا يقودك ذلك إلى الموت أو الاكتئاب أو المرض النفسي.
جميل أن لا يتعلّق الإنسان بشيء، وأن يطهّر قلبه، والأجمل أن يعيش الحب دون تعلّق، وأن يملك الأشياء دون تعلّق، وألّا يكون مهووسًا بشيء في الحياة.
يقول الإمام علي (ع): “ليس الزهد أن لا تملك شيئًا، ولكن الزهد أن لا يملكك شيء”. 
أنا لا أقول إن السعادة أن تملك أكثر، بل أن تكون أكثر؛ وذلك يكون بالكيف لا بالكم، وبحبّ الحياة لا بالجنون والهوس بها.
وسرّ ضياع الحضارة ليس فقط التعلّق كما طرح بوذا، بل عدم وعي الإنسان، وأمراضه، وعدم نضجه، وابتعاده عن القيم وعن الله وعن العقيدة الإنسانية. فالأمر أكبر من مفهوم التعلّق بكثير.
لهذا نحن ضائعون في حضارة تزيدنا رفاهية، لكنها تزيدنا تعاسة.
نحن أبناء وفرة لم يعرفها أسلافنا؛ نضغط زرًا فتضيء السماء فوق رؤوسنا، نفتح شاشة فنجد كل العالم أمام عيوننا. ومع ذلك، نشعر بالوحدة كأننا آخر ناجٍ في كوكب مقفر.
إذن، أين هي السعادة عند الفلاسفة أو المتصوفة، في الماضي أو في حداثة الحاضر؟
فرغم الترف والتكنولوجيا، ما زال العالم في فوضى نفسية، وفراغ، ووجع، وتراكم للأمراض.
البشرية ليست سعيدة؛ بل هي في مرحلة “مراهقة كونية”: تملك أدوات الترف والرفاه، لكنها لا تزال تبحث عن وهم الحب، والمعنى، والدفء الإنساني.
ربما نملك كل المفاتيح، لكن الباب الأقرب إلى طمأنينة القلب لا يزال غامضًا.
الجوع العميق هو جوع للحب، لا للمال؛ والوحدة ليست فراغًا بلا رف، بل فقر الروح رغم اتساع العالم.
هذا هو التناقض الحقيقي: الإنسان المعاصر يملك الأبراج العاجية، لكن قلبه في زنزانة.
هذا العالم يمكن علاج بعضه لو قمنا بعلاج الروح، والنفس، والعقل، والثقافة، والعلاقة مع الله، والقيم، والعدالة بـ”بكج” كامل. فذلك يزيد من سعادته رغم وجع الحياة.
كل ذلك يعزّز رؤيتي بنظرية “كوكتيل الحياة”: كوكتيل ثقافي، وروحي، ومادي، واجتماعي، بتوازن مع وجود الله في كل المعادلة. 

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية