العدد 6176
الخميس 11 سبتمبر 2025
الاكتئاب الفاخر.. الطوابير الطويلة أمام أبواب الصيدليات وأبواب الأديان
الخميس 11 سبتمبر 2025

الطوابير الطويلة لا تقف فقط أمام أبواب الصيدليات  بل أمام أبواب الأديان أيضًا.
هناك، حيث يتزاحم الموجوعون كمن ينتظرون جرعة أمل مؤجلة: قلب مكسور يبحث عن لاصق سماوي، أمّ مفجوعة تطرق بوابة الغيب لتستعيد ابنها، عاشق ضائع على الأرصفة، تاجر غارق في الديون يتوضأ بدموعه قبل أن يوقّع شيكًا جديدًا.
ثري يرقد على أريكة جلدية في فيلّا فاخرة، ويصرخ في الليل: لماذا لا أشعر بشيء وأموت من الوحدة، وعامل مكدوح في فرامة العمل  كلهم يحملون جرحًا واحدًا: جرح الإنسان.
الطوابير ليست أمام الأديان ولا أمام الصيدليات فقط 
الطوابير الحقيقية تصطفّ أمام باب الجرح البشري منذ فجر الخليقة.
إنسان يتدلّى من حبل الفقد، وآخر يتعكّز على عكاز الندم، امرأة تبيع دموعها في سوق الخرافة، ورجل يخلع قلبه على قارعة السياسة.
كلّنا مرضى  وكلّنا نحلم بوصفة سحرية لوجعٍ لا يشفى.
هنا جاءت النظريات السيكولوجية لفهم الألم. 
ولعل الغرفة الروحية هي الأقوى فاعلية في طمأنة الإنسان وتسكين جرحه؛ ذلك لأنها تهدئ جرحه، وتعطيه أملًا بحياة أخرى يلتقي بها أحبته بعد فقدهم. 
فالأديان تقول لهذا الموجوع خصوصًا من وجع الفقد، فقد عزيز أو حبيب، لا تيأس فحتى لو  أصبت بمتلازمة القلب المكسور بفقد حبيبك في الدنيا أو تلاشى شيء كبير من الشغف، والتمتع بجمال الحياة، وقلة اللذة، فهناك أمل بفرح وسعادة في عالم آخر. وأثبتت التجارب السيكولوجية أن أقوى التطمينات في تسكين وجع الإنسان، وقيادته للطمأنينة الداخلية هي الرؤى الدينية المتوازنة التي تقوم على فاعلية “البديل المؤجل” والتي تركز على “غرفة الروحانية” في فندق السعادة البشرية عن بقية الغرف؛ لذلك يبقى الدين لاعبًا أساسيا في تهدئة النفس، وتطمينها أمام قهر الواقع ووحشية الوجود وقسوة القدر. 
والسؤال: لماذا رغم أهمية غرفة الروحانية من غرف فندق السعادة ما زال الإنسان الروحي موجوعًا ووحيدًا وتفتك به الأمراض النفسية مثله مثل بقية البشر؟
أعتقد أن من الأسباب هو عبثه بالمقدس، ومحاولة توظيف الدين لصالح جشعه وأمراضه، وهنا أفرغ المقدس من جمالية معناه وقيمته. 
الحقيقة أن الأديان جاءت لتداوي الجرح، لكن بسبب تطرف وتفسيرات خاطئة للأديان تحولت من أن تداوي الجرح إلى يدٍ تضغط عليه أكثر.
يقول ألبير كامو: “العبث ليس غياب المعنى، بل إغراق الإنسان في معان زائفة”.
الطقوس الدينية جزء عظيم من التوازن الروحي لكن إذا تم العبث بمعانيها أو التطرف في تفسيرها  وإخراجها عن مدلولاتها تصبح المفاهيم سامة على الإنسان المتدين ذاته وعلى غيره، فيصاب المتدين بما يسمى اضطراب الوسواس القهري الديني تترجم إلى هلوسات ووساوس لا صلة لها بالدين، وأيضا بالشوزفرينيا “الانفصام” والبارانويا وهو الشك المبالغ فيه أنه دائمًا مستهدف ومتآمر عليه. 
فإذا وجدت رجل دين يبالغ في تقييد ما وسعه الدين على خلقه لدرجة الوسواس والهذيان والجنون فاعلم أنه يعاني من مشكلات نفسية، ويجب أن يعرض على طبيب نفسي لا على أن يحاضر على منبر وعظي. 
 إنه يعاني من اضطراب يعكس هروبه من وجع داخلي أو فرار من ألم واقع يعيشه أو طفولة جريحة مضطربة.
وقد يسعى الإنسان لتوظيف المقدس إلى واجهة مزخرفة للـego (الأنا المتورمة) بحثا عن مجد مزيف على حساب طقس انثربيولوجي،
أو المبالغة في صناعة مطبخ خرافة على حساب المعنى السامي للمقدس، فذلك ليس حبا في المقدس، وإنما إما استعراضًا لنفس مهزومة يعاني منها أو تحديًا لعائلة أخرى منافسة في استعراض مجد سلالة العائلة، أو تحايلا دفاعيًا عن فراغ داخلي قاتل بالظهور بصورة “بطل المناسبة” انتفاخًا على حساب ذات المناسبة.
 النفس البشرية مريضة فقد تفرغ المعاني السامية للدين بمعاني هابطة للذات، وقد تلوي عنق الفضيلة لتشفي رذيلة الانا كهروب من عقدة ذنب، وقد تحول المقدس إلى جندي لأجل حزب، أو يعمل لصالح زعامات لمصالح متبادلة على حساب جمالية المعني السامي لهذا المقدس الذي ولد كمفهوم جميل حوله الإنسان إلى خادم لأغراضه وجشعه واضطراباته. 
هنا يصبح الانسان الروحاني غير سعيد لأنه أصبح بسبب تخريب المقدس يعاني من مفاهيم مشوهة تتحول إلى انفصام  يتجسد في شخص ما يراه الناس “المثل الاعلى” في تناقض حاد ما بين فضيلة الأقوال ورذيلة الأفعال، فيقع في محرقة اسئلة وجودية بعد اهتزاز ثقته وضياع عمره وسقوطه في جحيم الفقر. 
والاكثر دمارا للانسان وقتلا للسعادة عندما يتحول الدكان الديني اهم من الطقس، والواجهة الاجتماعية للعائلة أهم من المقدس، والمكسب التجاري أهم من تاريخ القديس.
والأكثر أسى عندما تبرمج البشرية علي إفراغ كل ما هو جميل ومقدس وعظيم خلق لسعادتها، ولو روحانيا يترجم لتعاسة أبدية وقد ترضى به وترفض استبداله خوفا من التغيير والجديد المجهول.
يقول كارل يونك 
“الناس تفضل الوهم المريح على الحقيقة المربكة”. 
إنها مأساة الإنسان: كلّ ما لامسه بيديه الملوّثتين حوّله إلى أداة تعاسة.
حوّل الدين إلى كابوس، والحبّ إلى استعمار، والعمل إلى فرّامة، والسياسة إلى سيرك دموي، وحتى السعادة إلى سلعة بلا روح.
ورغم ذلك، بقيت الأديان، وعلماء النفس، والفلاسفة، بنظرياتهم، تسعى لتقليل الألم، رغم عبث الإنسان ووحشيته وجشعه.
ويبقى الإنسان وحشًا يسعى لتدمير حتى حضارته.
يقول فرويد:
”الحضارة غطاء رقيق على غرائز العنف.”
ما نراه اليوم: هذا الغطاء يتمزّق، ويظهر الوحش في أرقى بدلات السياسة.
والمشكلة ليست في الحضارة، وإنما في الإنسان حينما يعيش أعظم المثل مع أسوأ الأوضاع.
تقول الفيلسوفة الفرنسية سيمون دو بوفوار:
”الإنسان لا يُولد مكتئبًا، لكنه يصبح كذلك حين يُفرغونه من حريته.”
إريك فروم، في كتابه (فنّ الحب)، يقول:
”إن الإنسان في المجتمعات الحديثة يختنق داخل مؤسسات باردة، فيبحث عن الحب كملاذ إنساني ضد الاغتراب.”
فالرأسمالية صنعت لنا قفصًا مذهّبًا: نملك فيه كل شيء إلا المعنى.
علماء النفس اجتهدوا للوصول إلى علاج لقهر الإنسان ووجعه، عبر أفكار وآليات دفاعية تخفف من ألم الواقع وقهر القدر، وقد أثبتت فاعليتها.
ولعل من أبرزها نظرية “العلاج المعرفي الجدلي”، التي تدعو المريض، مثل مرضى اضطراب الشخصية الحدّية، أو مرضى الحروب، أو ممن يعانون من صدمات معقّدة، إلى أن يعيدوا مشهد الفاجعة أو الصدمة ويحلّلوه بطريقة إيجابية، مهما كانت قسوته.
والخطوة الأخرى: أن يراقب مشاعره بطريقة واعية، لأن المشاعر أشبه بطفل صغير مزاجي؛ إذا لم يتم مراقبته وضبطه وعدم تدليله، فإنه سيظلّ يستخدم البكاء طريقًا للحصول على ما يريد.
المشاعر روضة أطفال، إن لم تراقبها، ضجّت بالبكاء حتى تنال ما تريد.
مشاعرنا عبارة عن أطفال على أرجوحة، تحتاج إلى مراقبة دائمة، وأغلبها لا يريد إلا اللعب.
وهي ترسّبات منذ الطفولة، تطفو على سطح النفس، ولو كانت النفس مستلقية على شاطئ جزيرة إيطالية؛ فلا تسمع لها دائمًا.
وإنّ وضع رادار عقلي على العقل، ورادار مشاعري على المشاعر، هما أساس التحكم بالنفس.
الفلاسفة سعوا لتقليل الألم، ووضعتُ أنا آراءهم ضمن “غرفة الثقافة” في “غرف فندق السعادة”، في تكاملية “كوكتيل الحياة” للسعادة البشرية.
فنظرية “كوكتيل الحياة” أكثر النظريات توازنًا، فهي مزيج من:
* الروحانية: حيث الأديان، والتصوف، والتسامح، والإنسانية.
* المدرسة الرواقية: “القبول بما يمكن السيطرة عليه، والتخلي عن ما لا يمكن تغييره”، والتحكم في الانفعال.
* أرسطو: (الفضيلة).
* فرانكل: (المعنى).
أي أن الإنسان يكون سعيدًا عندما يحقق:
1. التوازن الذهبي
   (أن تملك الشيء لا أن يملكك)
   “اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدًا، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدًا.”
   — الإمام علي (ع)

2. الفضائل والقيم (أرسطو).
3. التحكم بالذات (الرواقيون).
4. المعنى للحياة، حتى وسط الألم (فرانكل).
5. تنظيف الظل (كارل يونغ).
6. “التعلّق جذر كل معاناة.” (بوذا).
7. علم النفس الإيجابي (مارتن سيليغمان).
8. جيريمي بنثام (Bentham):
   يرى أن السعادة عبارة عن آلة حاسبة، تحسب بطريقة رياضية حجم اللذة وحجم الألم من أي شيء: علاقة عاطفية، منصب، شهرة، صداقة... إلخ.
   فالسعادة = تعظيم اللذة وتقليل الألم.
   وهذا ما يُعرف بـ “حساب المتعة” (Felicific calculus).
والسؤال: إذا كانت الغرفة الإلهية الروحية في “فندق السعادة” هي أكثر غرف تمنح الإنسان اطمئنانًا، فلماذا الكثير من الناس — ومنهم المتديّنون — مكتئبون أو موجوعون؟ (اقرأ المقال كاملا بالموقع الإلكتروني)


ذلك لسبب بسيط: أن نرجسية الإنسان، وغروره، وجشعه، أفرغت المقدّس من معناه الجميل، وحوّلت مفاهيم الدين إلى مصلحته الخاصة، كتحويل الدين إلى سوبرماركت، أو مشروع تجاري، أو جندي يحمي الحزب السياسي، أو واجهة اجتماعية لتلميع الذات والـ”أنا” السفلى، لتخفيف نقص داخلي يعاني منه الإنسان.
أو بالتطرف، حين جعل المفاهيم المقدسة المتوازنة متطرّفة بمبالغته في توسيعها، فخنق حريات الناس؛ فهنا تتحوّل “الغرفة الروحية” في فندق السعادة من غرفة سعادة إلى غرفة تعاسة، وينتابه بعد ذلك شعور قاتل بوحدة قاتلة، ولو كان محاطًا بأفراد وجماعات.
باولو جوردانو (الفيزيائي والروائي الإيطالي) يقول:
**”الوحدة أخطر من الفيروسات، لأنها تفتك ببطءٍ دون لقاح.”**
‎يميز هايدجر بين “الوجود الزائف”، حيث يعيش الإنسان حياة غير أصيلة، ويتماهى مع الآخرين ويتبع التقاليد، وبين “الوجود الأصيل”، حيث يواجه الإنسان مصيره بمسؤولية ويتخذ خيارات وجودية بناءً على وعيه بمحدوديته وفنائه.
نحن شعوب تبيع المقدّس الجميل في المزاد العلني، ونشرب من دم السماء كأسًا بعد كأس… ثم نستغرب لماذا صارت أرواحنا عطشى.
بعد هذا البحث، ما زال الإنسان يتساءل عن فندق السعادة وغرفه:
هل السعادة في غرفة الروحانية؟ أو غرفة الثقافة المتنوعة؟ أو غرفة المال؟ أو الحب؟ أو الجسد؟
من يمتلك الخلطة السحرية؟
أصبح الإنسان يعيش اكتئابًا حادًا:
فالمتديّن مكتئب، والحداثوي مكتئب، والفقير والغني مكتئبان.
ومن رحم الوفرة وُلد **الاكتئاب الفاخر** (Luxury Depression):
أن تكون جيوبك ممتلئة، وروحك فارغة؛ أن تنام على وسادة حرير، وتستيقظ بقلبٍ من رماد.
فرغم وفرة المال، يشعر الشخص بالفراغ وفقدان المعنى.
وهذا النوع ينتشر عند من ورثوا الثروة، أو حققوا نجاحًا مبكرًا، ثم اكتشفوا أن المال لا يملأ الفراغ الروحي.
والسعيد السليم هو من يعيش كل غرف فندق السعادة باعتدال.
والحقيقة الفاضحة: نحن لا نبحث عن السعادة نحن نبحث عن **مخدّر مؤقت** كي لا نسمع صراخ الجرح.
لكن الجرح لا يهدأ. الجرح ينتظرنا عند الباب.
وإلى أن نواجهه، سنظلّ نقف في الطابور  نحمل وصفة بلا دواء، وإيمانًا بلا معنى، وقلبًا بلا حياة.
إنها الطوابير، نستطيع تقليلها شريطة التصالح مع الذات، والبحث عن سعادة واقعية، دون أن نلطّخها بالجشع.
في نهاية نقاشي لكل نظريات السعادة السيكولوجية والفلسفية، سوف أطرح رؤيتي المتكاملة للسعادة بشكل معمّق، عبر نظرية شاملة قد تسهم في تقليل الألم وزيادة منسوب اللذة عند الإنسان.
إنها **”كوكتيل الحياة”**:
مزيج من روحانية الأديان، تسامح الصوفية، حكمة الرواقية، فضيلة أرسطو، معنى فرانكل، ظل يونغ، يقظة بوذا، وحساب المتعة عند بنثام 
خليط متوازن قد ي
قرّبنا خطوة من السكينة.
بين خنجر الحب، وكابوس الفقد، وصحراء العاطفة، وسكين الوحدة، ووحش الاغتراب، وذوبان المعنى في أسيل الجشع، وثاني أكسيد المادية، وقشر الحضارة الرقيق…
يبحث الإنسان التائه والضائع عن شاطئ الراحة النفسية، ونوارس الجمال، وغناء موج البحر، وشمس الربيع، عن سعادة تكون فتاته وفرس أحلامه. كيف؟ ومتى؟
بإمكانه الحصول عليها.
وسوف أناقش باستفاضة عن “الإنسان السعيد” لاحقًا.
فالسعيد ليس من يملك أكثر، بل من **يتعلّق أقل**.
ليس من يعيش بلا ألم، بل من **يعطي ألمه معنى**.
ليس من يهرب من الأسئلة، بل من **يتصالح مع غموضها**.
لا تبهجه الكثرة، بقدر ما يسعده **عمق القليل**.
السعيد في جوهره:
* إنسانٌ حرّ، لا عبدٌ لرغبة، ولا أسيرٌ لندم.
* إنسانٌ يعرف أن الفرح عابر، والحزن عابر، لكنه لا يُقيم في أيٍّ منهما أكثر من اللازم.
السعيد أشبه ببحّار يعرف أنّ البحر لا يُروَّض.
لا يحاول أن يوقف الأمواج، لكنه يتقن فن التجديف.
قد يتبلّل بالملح، قد تتكسّر بعض مجاديفه، لكنه يظلّ يغني وهو يعبر إلى الضفة الأخرى.


 

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .