تبدو آثارها واضحة جليّة في زعزعة الثقة، بل وفقدانها الحتمي بين الأفراد والجماعات البشرية في انتشار المعلومات المضلّلة، والشعور بالقلق والريبة وخلق الانقسامات وتأجيج الصراعات وزيادة التوترات، في مَحِيْن القرارات غير المدروسة التي تترك تأثيراتها السالبة على الصحة العامة، بما قد تمثله من تحدٍ كبيرٍ يُغذي تكوين الأفكار الفاسدة وتشكيل السلوكيات الشاذة نتيجة تناقل المعلومات بسند متذبذب ومصدر مجهول (يشهد) بصحتها في قضية من القضايا المتداولة “شفاهة” وسط فضاء من تخيلات خرافية وضغط اجتماعي وغموض مبهم ينتشر بشكل قصدي - أي بفعل فاعل – تحت مسميات تتنوع ما بين إشاعة زاحفة وطائرة وراجعة تُروج ببطء وتختفي بسرعة ثم تعود من جديد، وما بين إشاعة اتهامية وإسقاطية تحطّ من الآخر وتُسقطه بذميم الصفات، أو ما تسمى بالإشاعة الخوفية والكراهية التي تُطلق بدافع الخوف والكراهة للأشخاص والجماعات الأخرى (المنافسة)!
تلك هي جملة الأراجيف – أي الأخبار الملفقة والأحاديث السيئة – التي تركن كعادتها على “دعايات سوداء” في سريان إشاعات وأكاذيب مبنيّة على شكوك سوداوية تعمل جاهدة على تعويض غياب الحقائق والوقائع حول ما يدور من أخبار أو أحداث أو توترات أو... إلخ، حتى خيّمت بظلالها على المجتمعات البشرية، إلى أنْ أثبتت شيوع مأساة ما تعارف عليه “الحرمان الإدراكي” في تداولها المعارف المحدودة المملة والممارسات النمطية المتكررة، الغارقة في ديجور الليل الدامس وانقطاعها عن مجريات الحياة التي تغذّيها إثارات التحريض وبلبلة الأفكار دون مرجعية أخلاقية أو ضوابط قطعية، في نصوصها التي بينت “طردها” الاجتماعي وتخلّف نموها وانزلاقه إلى أتون نمطية بدعية - أسطورية وخرافية - أوجدت بيئة مواتية لإضعاف المعنويات وانكسارها الأبدي.
نافلة:
تختبئ كائنات فضائية خلف الجبل مع برودة الشتاء.. تُسبّب اللقاحات الموسمية مرض التوحد عندما نجلس أمام المكيف.. تُغلِق المدارس والجامعات غدًا بعد اقتراب العاصفة الثلجية، تكثر عمليات خطف الأطفال والنساء مع حلول الظلام، تُفرض ضرائب بنسبة 10 % على مستخدمي الهاتف المحمول، تزداد أسعار البترول ورغيف الخبز بداية العام القادم، تسبب حلوى البيض البلاستيكي مرض السرطان للأطفال الصغار، و... إلخ. هذه جملة من الشائعات – وهي من أدوات الحرب اللا أخلاقية ووقود الفتن الفتّاكة - التي تستلزم قطع حلقتها الخبيثة بالتّحقق من صحتها ومعالجتها بالمعلومات الدقيقة والمصادر الموثوقة التي تتجنب هدم الثقة بين الأفراد والجماعات وتفكيك عرى العلاقات الأسرية ونشر العداوات بينهم بما يؤذي مشاعرهم وينتهك حرماتهم ويُضلّل عقولهم ويُمزّق نسيجهم المجتمعي المتماسك.
*كاتب وأكاديمي بحريني