تُكنّ كُرهًا وبغضًا للنبي (ص) على الرغم من أنّها لم تعرفه أو تره، وفي يوم ذهبت هذه العجوز بعيدًا عن مكة تتبضع حتى كثرت مشترياتها، فطلبت من الناس مساعدتها، ولكنّهم رفضوا جميعًا حتى جاءها من تكرهه وتبغضه، وسألها إنْ كانت تريد مساعدة، فقالت: أنا عجوز ولا طاقة لي على حمل ما تبضّعت به بمفردي، فحمل صلوات ربي وسلامه عليه جميع ما اشترت وأوصله إلى باب دارها. وعند باب الدار، قالت: يا بنيّ أنا لا أملك لأعطيك أجرك. ولكن اسمع نصيحتي الغالية، هناك رجل في أطراف مكة يُدعى “محمد” يقول إنّه نبيٌ، فلا تُصدّقه فهو كاذبٌ وساحر. فقال لها (ص): ما بالكِ لو كنت أنا هو محمد. فأنطقها القادر الجبّار بالشهادتين!
ذلك هو نبيّ الرحمة (ص) الذي أسعد البشرية بعد أنْ خطّ بعظيم خُلُقِه وأنار بعظيم هديه مكامن شؤون حياة الناس اليومية، ابتداءً من الأقربين والأصدقاء وصولًا إلى الغرباء والأعداء. كيف لا؟ وهو مَنْ كان خُلُقه مفتاح عظمته التي بنى على أساسها مجتمعًا متماسكًا منسجمًا، فيما كان سرّ شخصه أخلاق القرآن الذي ربط حياة المؤمنين بربهم العظيم واعتصامهم بصالح العمل وسمو الروح وطهارة النفس التي تتدفق بالأخلاق السامية والفضائل الحسنة والعواطف الرشيدة والنوازع القويمة التي تنفع الناس في دنياهم وآخرتهم بالخير الكثير والنعم الجليلة والإحسان الوفير بين جنبات سيرة عطرة بمحامد الأفعال وجلائل الأعمال وأزكى التعاليم.
نافلة:
هي عادة قديمة، حين يطلب المكيّون - أهل مكة - لأبنائهم مراضع ومربيات من أهل البادية، وهو الأمر عينه الذي عمل به عبدالمطّلب العدناني الذي تكفّل بحفيده محمد (ص) بعد ولادته المباركة في ربيع الأول من عام الفيل (570 م) بُعيد وفاة أبيه، بأنْ كلّف السيدة حليمة السعدية التي أدرجت نبينا الكريم في أحضان قبيلتها “بني سعد” حتى بلوغه السادسة، ورافق بعدئذٍ أمّه آمنة الكلابية يثرب إلى أنْ تُوفيّت (ر) في “الأبواء” بعد مسير عودتهما مكة التي واجه فيها بمعية أصحابه من المهاجرين والأنصار - وهو في الأربعين من عمره - صراعًا مع المجتمع الجاهلي المُلتهي بعبادة الأصنام حتى لقي رّبه الجليل في يوم الاثنين سنة 11 هـ بالمدينة المنورة بعد أنْ أسسّ أنموذج مجتمع توحيدي انتشر في الأرجاء.
اللهمّ فاجعل صلواتك وصلوات ملائكتك المقرّبين وعبادك الصالحين وأنبيائك المرسلين وأهل السماوات والأرضين على محمد عبدك ورسولك ونبيك وأمينك ونجيبك وحبيبك وصفّيك وخاصّتك وصفوتك وخيرتك من خلقك.
* كاتب وأكاديمي بحريني