العدد 6164
السبت 30 أغسطس 2025
مجانينُ العباسية!
السبت 30 أغسطس 2025

نتيجة إهمال حرّاس البوابات، تمكن في عام 1960م حوالي (243) من مرضى مستشفى الأمراض العقلية بحيّ العباسية وسط العاصمة المصرية القاهرة من الهروب جماعات، ما أوقَع مسؤولي المستشفى في “ورطة” كبيرة بعد خبر الهروب إلى شوارع الحيّ آنذاك، وهو ما اضطر فيه مدير المستشفى لاستدعاء الطبيب المعروف بـ “جمال أبوالعزم” لتدارك تداعيات هذا الحدث الخطير على المرضى أنفسهم وعلى المجتمع ككل.

فقد أعدّ “أبوالعزم” خطة “داهية”، بأنْ أحضر (صفّارة)، وطلب من المدير وموظفي المستشفى أنْ يُمسكوا به من الخلف في صورة قطار، وبالفعل خرجوا إلى شوارع الحيّ – حيّ العباسية - وهو يمثِّل رأس القطار ومن خلفه (قاطرات) الموظفين، وكل واحد ممسك بالثاني، وهو يُصفر (تووووت.. توووووت)؛ حتى نجح في جمع المرضى الهاربين وإعادتهم إلى المستشفى، إلا أنْ المفاجأة حين وجدوا زيادة في أعداد المرضى وصلت إلى (612) مريضًا أثناء تفقدّهم في المساء!

قد تحَمِل هذه الحادثة “الواقعية” جانبًا من واقع المجتمعات البشرية الذي يجمع بين براءة الفعل ودهاء التفكير، أو بين غباء الانقياد وجهل التصرف، إلا أنّها من جانب آخر قد تُنبئ بمرض اجتماعي ضار دفع بالأعداد الزائدة – التي بلغت (369) شخصًا – باللّحاق بمجموعة المرضى وترك واقع مجتمعهم الذي تنّمر عليهم وأغاظهم واستبعدهم فيما يُعرف بمفهوم “الرفض الاجتماعي” الذي يعطي أيّ كيان مجتمعي بعضًا من أفراده “تفاعلًا خاملًا” أو ينبذ مجموعة منهم “معاملة صامتة” وصولًا إلى مرحلة “العزل الاجتماعي” الذي يترك ظلاله غير الصّحية من خلال تدّني احترام الذات وتفشّي العدوانية وانخفاض الإيجابية. (المقال كاملا في الموقع الإلكتروني).

وصعود القلق النفسي وتنامي الإقصاء العاطفي الذي يبرز فيه “زعماء المضايقات” في أفنية المدارس وبين جدران المكاتب و... إلخ.

نافلة:
لا تبتغي الفطرة البشرية إلا أنْ تكون مقبولة من محيطها الذي يُمثل أساس بقائها حين يقوى انتماؤها بهذا المحيط. فإذا ما تعرّض فرد من أفرادها للرفض في مرحلة ما؛ فإنّه يشعر بحدّة الألم الذي يلحق به بعد أنْ أضعفَ “الرفض العاطفي” عزيمته وأشعره بخيبة الأمل وإهمال الآخرين ولفت أنظارهم - مثالًا لا حصرًا – في وسائل التواصل الاجتماعي، حين لا تحصل صورة “السيلفي” التي شاركها في حساب الإنستغرام على عدد الإعجابات المطلوبة أو نشره على صفحة الفيسبوك بكمّ التعليقات المتوقعة، حينئذٍ يستوجبه الاستماع إلى صوت داخله الذي تتدفق منه المشاعر؛ سبيلًا لحماية حالته العقلية دون إفراط في الإعجاب وفق خطة “إسعاف” استباقية تُعالج تداعيات أنماط سلوكه العاطفية والمعرفية.

*كاتب وأكاديمي بحريني 

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .