يبقى الالتزام – على مستوى الفرد الواحد أو الجماعة المُتكتلة - بتأدية الواجبات والوعي بحفظ الحقوق من أجل تجنب المشاكل الاجتماعية ومعضلاتها وتفادي انتشار الظلم وتبعاته على سبيل ضمان تحقيق العدالة البينة وإكرام الإنسانيّة الحقة؛ هو ما (يحتّمه) بُدًا سيادة مبدأ “الأحقية والواجبية” على كل تشعبات الحياة الخاصة والعامة للمرء على حد سواء، والذي يعيش في بوتقة تأثر وتأثير ليس بمقدوره فيها الانزواء عنها وسط عالم فسيح يظل – هو – جزءا لا يتجزأ منه، ويختلط فيه وفق فطرة بشرية خالصة تلتزم علائق الحقوق الكاملة وتلزم مُعطيات الواجبات المُناطة على أوجه أقصى متطلبات الحياة الأساسية وصنوف مبالغ ضروريات الجميع المهمة.
البيئة “المتوسمة” بالصدق والأمانة دون نقصان أو تقصير، والتي تصطبغ بالمساواة والعدالة دون تمييز أو تفرقة، تتبوأ بأكمل فضائل العقل وتضمن لهذا الفرد وتلك الجماعة عيشًا يحقّق العزّة والكرامة ويرتقي بالمهارات والقدرات التي تصون جنبات الحقّ والمكتسب، وتمنح فرص الحياة والحرية في أجواء أمّهات من المثوبة العظيمة والخلق الرفيع الذي يولّد رفعةً ويجتلب محبّةً كما وصفها الخليفة الراشدي الرابع الإمام علي (ع) بقوله: “الإنصاف يستديم المحبّة” و”بالنّصفة يكثر المواصلون” و”المنصف كثير الأولياء والأودّاء”.
نافلة:
ونحن ننعم هذه الأيام بوَهَجَ مولده المبارك ووروده أرض المدينة - لا بأس - أنْ نستلهم النّزر القليل من سيرته العطرة دروسًا في الرعاية للحقوق وعبرًا عن الالتزام بالواجبات.
حين نادى (ص) أيُّها الناس: إنّ ربّي أقسم وحتّم ألا يُجاز عن ظلم ظالم ولا يعفو عن قصاص مظلوم، فمَنْ كان له قبلي تبعة أو مظلمة فليقتص منّي؛ فإنّ القصاص في الدنيا أحبّ إليّ من قصاص الآخرة، فقام إليه شيخ كبير يُقال له “سوادة بن قيس” فقال: لمّا أقبلت من الطائف وأنت على ناقتك العضباء وبيدك القضيب الممشوق، رفعت القضيب تريد الناقة؛ فأصاب بطني، فلا أدري عمدًا أم خطأ؟ فنفى الحبيب المصطفى (ص) تعمده، وقال لبلال ائتني بالقضيب الممشوق. ثم ناوله (ص) لسوادة، وقال له: قمُ ْواقتص مني حتّى ترضى، فقال له: اكشف لي عن بطنك، والناس تنظر ودموعهم تسيل على خدودهم! فقال سوادة: أتأذن لي أن أضع فمي على بطنك؟ فقال (ص): أذنت لك، فأخذ يقبل بطنه الشريف، ويقول: أعوذ برب العزة والجلالة من النار ومن القصاص، فقال (ص): يا سوادة أتقتص أم تعفو؟ فقال: بل أعفو، فقال النبي (ص): اللّهمّ اعف عن سوادة كما عفا عن نبيّك.
كاتب وأكاديمي بحريني