هناك حقائق ثابتة لا تقبل الجدل حول عملية التنشئة وحب القراءة والاطلاع، فليس بالضرورة أن يكون الوالدان جاهلين أو قليلي الثقافة سببًا في اضمحلال عقلية الابن وابتعاده عن حب المعرفة. فجدتي، رحمها الله، كانت أمية، وجدي كان قليل الثقافة والعلم، ومع ذلك، نَبَغَ والدي وتفوق، وقرأ وأظهر ميولًا للقراءة منذ صغره حتى أصبح كاتبًا وأديبًا معروفًا، وهناك العديد من الأدباء والعلماء الذين نشأوا في كنف والدين يجهلان القراءة والكتابة.
شخصيًا، أنا لا أتفق مع الدراسات التي تربط عمليات التنشئة بالتكوين الثقافي للطفل باعتبارها تعبيرًا مباشرًا يعكس مستوى الوالدين الثقافي، وينعكس بدوره على الطفل ليشكل أساسيات ثقافته، كما أنني لا أتفق مع من يقول إن الطفل يرث الثقافة من والديه بحكم البيئة الأسرية التي يترعرع فيها ويكتسب منها معارفه الأولى.. هؤلاء يعللون بأن الارتقاء اللغوي كدليل واضح على الاستعداد العقلي والإدراكي للطفل، يعتمد على المستوى الاجتماعي والثقافي للأسرة وعلى الاستقرار العائلي. ويقال إن البحوث تدل على أن الأطفال الذين ينشؤون في ظروف اجتماعية غير مواتية يتأخرون في بدء استخدام اللغة بصورة واضحة، وتدل بحوث أخرى أيضًا على أن مهنة الوالد والمستوى الاجتماعي للأسرة لهما علاقة وثيقة بحب الطفل للقراءة والاطلاع، فالأطفال من الأسر ذات المستوى الاجتماعي والثقافي العالي يتفوقون على الأطفال من الأسر ذات المستوى الأدنى.
كم من عقول مستنيرة خرجت من بيوت الفقراء والمعدمين ومن أبوين أميين.. فالتاريخ، منذ القدم، مليء بالقصص التي تثبت أن الرفاه الاجتماعي ليس سببًا كافيًا لتميز الطفل أو ضمانًا لنجاحه الفكري.