عندما يلتقي الرئيس الأميركي ونظيره الروسي منتصف هذا الشهر في ألاسكا، لن يكون التفاوض محصوراً بين جدران قاعة الاجتماعات ، ثمة طرف ثالث حاضر بقوة و يملك القدرة على إعادة صياغة مخرجات القمة في وعي الجماهير وهو الإعلام.
هذا اللقاء الذي يأتي في مرحلة تصاعد التوترات الجيوسياسية وتداخل الملفات الدولية، يكشف مرة أخرى أن الإعلام لم يعد مجرد مرآة للأحداث بل أصبح لاعباً سياسياً موازياً قادراً على صناعة بيئة التفاوض أو تقويضها.
منذ إعلان موعد القمة تصدرت بعض وسائل الإعلام الأميركية والروسية خطاباً يوحي بأننا أمام “معركة الحسم” بين القوتين النوويتين ، هذا التهويل لم يكن مجرد صناعة للعناوين الجاذبة بل يعكس في جزء منه محاولة لتأطير القمة في إطار صراع صفري يهيئ الرأي العام لتقبل أي مواجهة محتملة إذا فشلت المحادثات.
التاريخ يوضح أن هذه الاستراتيجية ليست جديدة ففي قمم سابقة مثل هلسنكي 2018 لعب الإعلام دوراً في رفع سقف التوقعات أو تعميق فجوة الشكوك ما جعل أي تنازل يبدو كـ”خسارة” أمام الجمهور المحلي.

على الضفة الأخرى يتبنى إعلام آخر خطاباً يقوم على احتواء التوتر مذكراً بمساحات التلاقي بين واشنطن وموسكو من اتفاقيات الحد من الأسلحة النووية إلى التنسيق في قضايا المناخ ومكافحة الإرهاب ، هذا النهج لا يكتفي بعرض الوقائع بل يسعى إلى توفير بيئة ذهنية أقل استقطاباً تسمح بإعطاء الدبلوماسية فرصة، وتخفف من حدة الضغط الإعلامي على طاولة التفاوض.
الانقسام بين التهويل والتهدئة ليس مجرد اختلاف مهني بل يعكس انحيازات سياسية وأجندات استراتيجية ، الإعلام بقدراته على تضخيم الخلاف أو إبراز المشتركات يمكن أن يتحول إلى أداة ردع أو جسر عبور تبعاً للمصالح التي يخدمها.
في قمة ألاسكا سيتجاوز تأثير الإعلام حدود التحليل ليصبح جزءاً من أدوات القوة الناعمة التي تدير بها الدول حروب النفوذ حيث تصاغ الرسائل للرأي العام المحلي والعالمي على السواء.
القمة المرتقبة أيضاً تمثل فرصة لقياس مدى نضج الجمهور الدولي في التعامل مع الخطاب الإعلامي ، فالمتلقي اليوم و في ظل تدفق المعلومات عبر المنصات الرقمية لم يعد يكتفي بمصدر واحد ، ما يجعل تأثير الإعلام متوقفاً على قدرته في تقديم رواية متماسكة ومنطقية، لا مجرد شعارات.
الخلاصة هي أن قمة ألاسكا ليست اختباراً للزعماء فحسب ، بل هي اختبار للمؤسسات الإعلامية أيضاً فهل يمكن أن تكون منصات توازن وعقلانية في زمن الضجيج ؟ أم أنها ستواصل الرقص على حافة الاستقطاب؟ و الإجابة ستتضح ليس فقط في البيانات الختامية ، بل في الطريقة التي سيُعاد بها سرد الحدث على صفحات الجرائد وشاشات الأخبار لتصنع ذاكرة سياسية قد تبقى لسنوات.
*مدير مكتب قناة “روسيا اليوم” بالرياض