العدد 6137
الأحد 03 أغسطس 2025
“النبش”.. ظاهرة تؤرق الضمير وتسيء للمظهر الحضاري
الأحد 03 أغسطس 2025

لا يكاد يخلو شارع أو حي من مشهد بات مألوفًا للعيان، مشهد عمالة وافدة، غالبًا ما تكون من الجالية الآسيوية، حيث يدفعون عربات صغيرة محملة بالكراتين والأكياس، يتجولون في الطرقات، يتوقفون عند حاويات القمامة، يقلبون فيها بحثًا عن أي شيء “يصلح”، قطع أقمشة بالية، أدوات صحية مستعملة، ملابس، علب فارغة.. كلها كنوز بالنسبة لهم، يعشقون هذه الحاويات إلى حد الهوس.
هذا المشهد الذي أصبح جزءًا من نسيج حياتنا اليومية، يثير في النفس تساؤلات مؤلمة. ذات يوم، وأنا خارج من منزلي، اقترب مني أحدهم، وطلب مني “أي شيء.. أي شيء”، في تلك اللحظة، شعرت بفاجعة حقيقية لحاله، وانغمست في بحر من الأسئلة: كيف وصل هذا العامل إلى هذا الحال؟ ومن هو المسؤول عن تدهور ظروفه؟ سألته “أين كنت تعمل؟ ولماذا لا تتوقف عن جر هذه العربة في هذا الجو الحار؟”، أطلق تنهيدة خفيفة، ثم قال كأنه يتحدث عن فرحة منتصرة: “كنت نجارًا في وطني.. جئت هنا وعملت لفترة ثم..” ثم حرك رأسه وقال بأسى: “الله كريم”.
هذا العامل نموذج واحد من بين كثيرين يطوفون شوارعنا وهم يجرون هذه العربات. إنها ظاهرة تتجاوز مجرد البحث عن الرزق، لتصبح مؤشرًا على تحديات أكبر تواجه مجتمعنا. نعم، رزق الله واسع، لكن هذا المنظر ليس حضاريًا.
إن وجود هذه الظاهرة يلقي بظلاله على صورتنا كمجتمع، فالأمر لا يمس فقط كرامة هؤلاء العمال، بل يسيء أيضًا إلى المظهر الحضاري لشوارعنا وأحيائنا، فما هو دورنا كأفراد ومؤسسات في معالجة هذه القضية؟ هل يمكن أن نكتفي بالتعاطف الصامت، أم يجب أن نبحث عن حلول جذرية تضمن لهم حياة كريمة، وتحافظ على وجه مجتمعنا الحضاري؟

 

* كاتب بحريني

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .