يُنقل أن أحد الوعاظ سئل ذات مرة: كيف تتعامل مع ما ينشر عنك من حمم الافتراءات وألسنة الإشاعات بقصد تسقيطك وتشويه سمعتك وتصغير شأنك أمام الخلق؟ فقال: أفضل ما يفعل هو فن التجاهل الممزوج بنهكة التغافل، بحيث يغدو هذا الكائن - بعد تهذيب نفسه وتزوده بالصبر - لا يكون عرضة لتأثير ما يقال عنه أو يساق من ورائه، وكأن الأمر لا يعنيه عن طريق هذا الفن - أي التغافل - الذي لا يجيده إلا ذوو التؤدة من العقلاء، فيمضي صاحبه نحو ما يصبو إليه من أهداف يبقى أثرها نافعا في محيطه ومجتمعه، أما “المسقط” ممن قال الافتراء ونشر الإشاعة، فلا أثر له سوى زوال ذكره ويحاسب على شره يوم تجتمع الخصوم عند جبار السماوات والأرض.
ثقافة الانهزام والتسقيط من الأمراض الاجتماعية الخطيرة عند الفرد والجموع، وتعكس أزمة فكرية وانتكاسة النفسية تزيد من بشاعة النفس ورداءة الفكر لحظة انسلاخها عن شرعة السماء وقيم الإنسانية، حتى بدت “حمى التسقيط” وباء اجتماعيا خطيرا وتجارة رائجة بين الأوساط والنخب في ممارستها أساليب التشهير والتحريض في أكثر من مضمار، تتاح لهم بأسلحة غير مشروعة ووسائل فاسدة وطرق منحرقة يمارسونها ضد ثوابت رصينة ومكونات راسخة؛ للعصف بكيان الأفراد وساحة المجتمعات بنية تهديد تضامنها وزعزعة سلمها الأهلي، في منافاة واضحة للدين والأخلاق والعرف والفطرة وقتئذ لتشويه الأفكار والكيانات والرموز في تتبع زلاتها وعثراتها وصولا إلى تسقيط مكانتها الاجتماعية وقاعدتها الجماهيرية.
نافلة:
إنه لأثر سيئ وأمره مدمر على المجتمع قاطبة حين يتاح للغارقين ببحار الفشل والهزيمة في لحظات صراعهم المحموم، الحصول على فرصة تمزيق أوصال المجتمع “وتجزير” - أي تقطيع - نسيجه الاجتماعي قبال تهيب المصلحين وتقهقر المخلصين؛ خشية سهام التخوين و “فزع” رماح التجريح إذا ما تصدوا لظاهرة انتشار التسقيط واتساع رقعة التخوين التي باتت تنخر في الأفراد والمجتمعات على حد سواء، إثر فقد الناس الثقة ببعضهم وسط أجواء من التباغض مهلكة ولهيب من العداوات القاصمة بينهم، الأمر الذي أوجب تقويض تداعياتها وألزم استئصال جذورها عبر ما فعله الواعظ تارة، وتارة أخرى التوعية بحقيقة أسبابها ومراقبة دواخل النفس وعلاج بواطن الخلل، واستدراك ثغرات النقص واستكمال مبادئ الخلق وتجنيب عوام الشبهة، واستمهال صدور الحكم واستحسان طيب الظن واجتناب شذرات السوء واعتدال لفظات النقد وانتفاء آيات الإكراه في حكمهم على مآلات الأفعال ولوازم الأقوال، واستبعاد عواهن التهم وإهدار خصوصات الأعراض هتكا وتجريحا.
* كاتب وأكاديمي بحريني