بالرغم مما تعرضت له إيران من ضربات موجعة على يد السلاح الجوي الإسرائيلي، والتي طالت صفوة قياداتها من الحرس الثوري والجيش، فضلًا عما لحق بمنشآتها النووية من دمار هائل خلال حرب الـ 12 يومًا التي اختتمت بضربات السلاح الجوي الأميركي الأكثر فتكًا لتصفية منشأة فوردو الأكثر تحصينًا تحت أعماق صخور الجبال، وكذلك تصفية منشأتي أصفهان ونطنز، نقول: بالرغم من كل ذلك، فإن المتتبع لتصريحات الرئيس مسعود بزشكيان ووزير خارجيته عباس عراقجي، سيلمس بما لا يدع مجالًا للشك التلميح في تلك التصريحات بأن طهران تتطلع بحرارة لإجراء مفاوضات مع واشنطن تنتهي برفع العقوبات الاقتصادية المستمرة عليها منذ ثورة 1979، أي ما يقرب من نصف قرن.
لقد أنهك هذا الحصار اقتصاد البلد - طوال تلك الفترة الطويلة - أيما إنهاك، سيما وأنه يطال الدول التي لا تلتزم به وفق المشيئة الأميركية. صحيح أن خطابات “المرشد” السيد علي خامنئي تنحو إلى التشدد مقارنة بتصريحات وأحاديث الرئيس ووزير خارجيته، لكن من الواضح لدى كل لبيب أن ذلك يأتي من باب تقاسم الأدوار حتى إذا ما نضجت المفاوضات وآتت أُكلها تظهر طهران بأن تنازلاتها إنما تمت من موقع القوة، أو الند للند، وليس من قبيل الاستسلام. على أن ما هو منتظر من طهران بالتوازي مع أية محادثات مرتقبة بينها وبين واشنطن أن تعمل على النأي عن خطابها الثوري المتقادم منذ استلام الطبقة الدينية الحاكمة السلطة عام 1979، والمسبب لتأزيم علاقاتها مع دول الجوار، بما يُسهم في تخفيف التوتر بينها وبين جاراتها دول مجلس التعاون، وفي تقديرنا فإن كل خطوة تخطوها إيران نحو ذلك ستقابل من هذه الدول بخطوتين، إذا ما توافرت حسن النوايا.
وهذا ما يصب - بلا شك - في صالح استقرار وسلام المنطقة، ويعود بالنفع والازدهار بينها وبين دول مجلس التعاون مجتمعةً.
وأخيرًا ففي تقديرنا بأن طهران بحاجة ملحة إلى تطهير جبهتها الداخلية، ليس فقط من الاختراقات الواسعة لأمنها الداخلي، والتي تكشفت في اليوم الأول من الضربات الإسرائيلية الجوية، بل ومن المؤججين المعادين لأي توجه نحو حل وتصفير مشاكلها الإقليمية، خصوصًا من قِبل إعلام المحافظين في النظام، وأن تخفف التضييق على الإصلاحيين. ونرى بأنه آن الأوان لأن تلتفت الدولة إلى مشاكل الشعب الاقتصادية والمعيشية والإسكانية، وأن تخصص ميزانية الدولة بشكل أكبر لحل هذه المشاكل بالابتعاد عن العسكرة ووقف دعم محاورها الإقليمية المنكسرة، ذلك أن هذا الدعم هو الآخر بالتوازي مع الحصار الأميركي سببان في استنزاف أموال وطاقات البلد استنزافًا كبيرًا، لاسيما وأن إيران حبلى بالموارد البشرية العظيمة.
كاتب بحريني