العدد 6110
الإثنين 07 يوليو 2025
من النقيض إلى النقيض.. قصة نجاح عبداللطيف الزياني
الإثنين 07 يوليو 2025

حين تم الإعلان عن تعيين سعادة الدكتور عبداللطيف بن راشد الزياني وزيرًا للخارجية مطلع العام 2020، بدا لي وكأنه أمر غريب لم يستطع عقلي استيعابه في حينه؛ فالرجل القوي الذي وصل إلى رتبة فريق ركن في مجاله العسكري عندما قاد الأمن العام، كان بعيدًا - على الأقل من حيث الشكل - عن أروقة الدبلوماسية الناعمة. ورغم أن مسيرته كأمين عام لمجلس التعاون لدول الخليج العربية منحته فرصة العمل المباشر مع صناع القرار في المنطقة والعالم، إلا أن الذهاب من “القوة” إلى “الدبلوماسية” يمثل انتقالًا بين نقيضين.
لكن - كما هي العادة - مع الرؤية الثاقبة لجلالة الملك المعظم حفظه الله ورعاه، فإن ما كان يبدو غريبًا - في المنطق على الأقل - اتضح اليوم أنه اختيار ذكي يحمل من الحكمة وبعد النظر ما يليق بقيادة تؤمن بالكفاءات وتعرف كيف توظفها في مكانها الصحيح.
خلال السنوات الخمس الماضية، استطاع الدكتور الزياني أن يقود الدبلوماسية البحرينية إلى مرحلة سمتها التوازن والاعتدال والانفتاح، وتعزيز شبكة العلاقات الدولية على أسس الاحترام والتعايش، وهي قيم تتماهى تمامًا مع ما أرسته القيادة البحرينية من ثوابت في السياسة الخارجية. وفي عهد الزياني، شهدت وزارة الخارجية توسعًا ملحوظًا في التمثيل الدبلوماسي مع افتتاح سفارات وقنصليات جديدة حول العالم، ومد جسور التعاون مع دول لم تكن البحرين حاضرة فيها من قبل دبلوماسيًا.
كان هذا التحول في الدبلوماسية البحرينية سلسًا؛ فالعمل صار يرسخ صورة البحرين كدولة تسامح، ذات صوت محترم في المنابر الدولية، وهو ما يتسق مع رؤية جلالة الملك المعظم - أيده الله - لجعل البحرين شريكًا في صناعة السلام والاستقرار العالميين.
وبالتوازي مع ذلك، فإن ما جرى مؤخرًا عقب اندلاع الحرب في المنطقة، يجسد صورة واحدة من صور النجاح الدبلوماسي، حين علق عدد من المواطنين البحرينيين في مدينة مشهد الإيرانية دون منفذ للخروج، وبدا وكأن الخيارات تضيق.
لكن التواصل السريع، مكّن البحرين من أن تعيد مواطنيها سريعًا من خلال جمهورية تركمانستان، والتي لا تجمعها بالمنامة علاقات دبلوماسية، ولا تُعرف بانفتاحها على العالم أصلًا، إذ تعتبر عشق آباد من أكثر الدول انغلاقًا على السياحة والاتصالات. بمكالمة هاتفية واحدة، أثمرت جهود الزياني وفريقه في الوزارة عودة آمنة وسريعة للمواطنين، ما يؤكد أن الدبلوماسية البحرينية باتت تفرض احترامها على العالم بقيادة رجل يجمع بين البصيرة السياسية والانضباط العسكري.
لا أعتقد أن أحدًا يمكنه التصور بأن الضابط السابق، سيصبح اليوم مهندسًا لمد الجسور والشراكات بين البحرين والعالم؛ لذا سيذكر التاريخ هذا التحول المذهل لرجل لا أعرفه ولم ألتقِ به قط، لكن الإنصاف يقتضي أن أصفق له.

كاتب بحريني

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .