العدد 6103
الإثنين 30 يونيو 2025
المحيطات هي درعنا المناخي
الإثنين 30 يونيو 2025

يعتمد كوكب الأرض على محيطاته للقيام بعدد من الوظائف الأساسية، بما في ذلك تنظيم درجات الحرارة وإنتاج الأوكسجين، فضلا عن دورها المحوري في استقرار النظام المناخي العالمي، وتوفير سبل العيش والغذاء لمليارات البشر من خلال الموارد البحرية والأنشطة الاقتصادية المرتبطة بها. إلا أن الأنشطة البشرية المتزايدة لا تزال تُلحق أضرارا جسيمة بالنظم البيئية البحرية الهشة؛ ما يُهدد بتقويض توازن المناخ العالمي، لاسيما أن المحيطات تغطي ما يقارب 70 % من سطح الأرض.
وفي هذا السياق، يُشكّل الحفاظ على المحيطات محورا أساسيا في جدول أعمال مؤتمر الأمم المتحدة للمحيطات للعام 2025، المنعقد في مدينة نيس الفرنسية، حيث يجتمع صانعو السياسات والخبراء لتكثيف الجهود وتسريع الخطى نحو حماية فعّالة ومستدامة للحفاظ على المحيطات.
تُعد محيطاتنا عنصرا جوهريا في تحديد أنماط الطقس، وضبط توزيع الأمطار ودرجات الحرارة عبر القارات، كما تسهم في تنظيم توزيع الحرارة على مستوى العالم؛ ما يشكل عاملا مؤثرا في مناخ المناطق الزراعية والحضرية. ومع ذلك، تواجه هذه الوظائف المناخية الحيوية تحديات متصاعدة نتيجة الزيادة المستمرة في انبعاثات الغازات الدفيئة، التي تؤدي إلى ذوبان الجليد، وتغير مسارات تدفق المحيطات، وارتفاع وتيرة وشدة الظواهر الجوية القاسية والمتطرفة.
ولكن النظم البيئية البحرية تواجه ضغوطا متزايدة نتيجة للأنشطة البشرية المتنوعة. فالمخلفات الصناعية، إلى جانب الاستهلاك المفرط للبلاستيك وتسربات النفط، تُشكل تهديدا مباشرا للتنوع البيولوجي للكائنات البحرية. وقد أسهم الصيد الجائر في تراجع حاد في أعداد الأحياء البحرية؛ ما أدى إلى اختلال في الشبكات الغذائية، وأضعف القدرة الطبيعية للمحيطات على التعافي والتجدد. كما أن ممارسات التنمية الساحلية غير المستدامة أسفرت عن تدمير المواطن البحرية الأساسية، وهو ما جعل المحيطات أكثر عرضة لتأثيرات تغير المناخ.
تعكس هذه الاتجاهات المتواصلة مدى التحديات المتفاقمة التي تواجه محيطاتنا، والتي قد تُفضي إلى عجزها عن الاستمرار في دعم الحياة، الأمر الذي ستكون له تبعات خطيرة على الأمن الغذائي، والاستقرار الاقتصادي، والتوازن البيئي العالمي. وفي هذا السياق، يمثل مؤتمر الأمم المتحدة للمحيطات للعام 2025 محطة محورية وفرصة بالغة الأهمية أمام قادة الدول، إلى جانب القطاع الخاص والمجتمع العلمي، لصياغة حلول عملية وفعّالة. ومن هذا المنطلق، تتحمل الحكومات الوطنية مسؤولية وضع تشريعات صارمة تهدف إلى الحد من انبعاثات الكربون، وتقليص النفايات البلاستيكية، وتعزيز ممارسات الصيد المستدام، بما يسهم في حماية النظم البيئية البحرية. 
لذلك فإن مشاركة المجتمع تعد عنصرا جوهريا في جهود حماية البيئة. وينبغي أن تُوجَّه برامج التوعية والتثقيف نحو تعزيز الوعي العام بالقضايا البيئية، بما يسهم في تحفيز الأفراد على اتخاذ خطوات يومية تدعم الاستدامة. فاعتماد تغييرات بسيطة في السلوك، كالتقليل من استخدام المواد البلاستيكية، واختيار الأغذية المستدامة، والمساهمة في أنشطة الحفاظ على البيئة، من شأنه أن يُحدث أثرا ملموسا عندما يُمارس على نطاق واسع من قبل الملايين.
كما أنني ومن خلال دوري كرئيس لاتحاد التحضر المستدام، أُوجه نداء بضرورة تعزيز حماية محيطاتنا؛ لما لذلك من أهمية جوهرية لتحقيق التنمية المستدامة. إن رفاهنا وصحة الأمم ترتبط ارتباطا وثيقا بحالة المياه التي نتقاسمها جميعا، إذ إن ارتفاع مستويات سطح البحر، وتزايد الظواهر الجوية المتطرفة، وتدهور الحياة البحرية، كلها مؤشرات واضحة على الحاجة الملحة لاتخاذ إجراءات مسؤولة وفورية.
أتطلع إلى نتائج إيجابية وعملية من مؤتمر الأمم المتحدة للمحيطات للعام 2025، وأترقب بفارغ الصبر صدور القرارات التي من شأنها أن تمكننا من حماية هذا المورد الحيوي بشكل أفضل من أجل مستقبل عالمي أفضل.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية