الفنان والأديب الأصيل هو من يحافظ على كرامته، ويفضل البقاء متواضعًا، ينظر بابتسامة إلى من صعدوا إلى القمة ونسوا أهلهم وأصدقاءهم. هؤلاء الذين اعتزلوا السؤال، وأصبحوا جامدين، وقطعوا علاقتهم بالكون، ولم يعد يشغل بالهم أي شيء سوى ذواتهم، مستسلمين لنغمة ديكتاتورية ترى أن لا شيء مهم غير حياتهم الخاصة.
لا يمكن لأي أديب أو فنان أن يسمو في تقدير القارئ والمنصفين من النقاد إلا إذا عاش مع الناس، وعرف مرارة الأسى، وأدرك حقيقة الحياة ومبادئها وأفكارها. إن تحوّل الأسئلة في عقل المبدع إلى شلالات متدفقة، وحرقة الغليان التي تدفعه للبحث هي ما يمثل الجوهر الإنساني العميق في أعماله.
لقد تساءل الأديب العظيم تولستوي بينه وبين نفسه “لماذا يصبح الفقير فقيرًا والغني غنيًا؟ لماذا لا يتاح العلم والرزق والعمل لملايين المواطنين؟”، أسئلة عديدة جابت في عقله وضميره، فدفعت الألم إلى قلبه. من هنا انبثق الينبوع المختوم وتدفق وتفجر تولستوي الإنسان، وتبدلت نظرته إلى الدنيا. رأى في الإنسان كنزًا من الطاقات والمواهب، ولم يعد يفرق بين إنسان وآخر بناءً على البدلة التي يرتديها أحدهما والكساء الممزق على جسد الآخر. لم يعد يرى غالبية المواطنين مجرد فقراء، بل راح يكشف عما في قلوبهم من إرادة وشجن، ويصور ما خفي في أعماق نفوسهم من الشغف والقلق والاضطراب والأمل واليأس.
كذلك كان توفيق الحكيم يتتبع الفقراء في الحي ويجلس معهم، معتبرًا إياهم مرآة صادقة لحياته بكل أبعادها. كان يجد الأصالة في حياة هذه المجموعة الإنسانية التي يقوم عليها الإبداع والجوانب الأخلاقية في حياة المسلم.