تناولنا يوم الخميس الماضي بالقراءة التحليلية مقال الأستاد عبد النبي الشعلة، رئيس مجلس إدارة صحيفة "البلاد"، بعنوان"نجمة داود ليست نجمته..وهكذا تخلينا عن النجمة السداسية"، واليوم نتناول مقاله الثاني " ثروتنا المنسية: التنوع الذي حولناه إلى نقمة"، والحق لئن ظل هذا الموضوع مطروقاً لسنوات طوال من قِبل الكثير من الكتّاب والمفكرين العرب، سواء في مؤلفاتهم أو في الندوات والمنتديات العامة، إلا أني أكاد أزعم بأن القليل من رؤساء تحرير صحافتنا العربية من يوليه الأهتمام في مقالاتهم، على الرغم مما تتبوأ به مقالات رؤساء التحرير من إهتمام ليس من قِبل قرائها فحسب، بل وتستحوذ في كثير الأحيان على اهتمام وكالات الأنباء العالمية وسائر وسائل الإعلام الجماهيرية العالمية، ومن هنا يمكننا فقط فهم أهمية مقال الأستاذ الشعلة. وإذ نوّه منبهاً بأن الله حبانا بسيفساء مدهشة من العرب والأمازيغ والأكراد والأرمن والشركس والسريان والبلوش، إلى جانب أتباع الديانات السماوية الثلاث ( الإسلام والمسيحية واليهودية) وغيرها من الديانات والأعراق والقوميات الأخرى، ناهيك عن غنى الإسلام بمدارس فقهية ومدارس متعددة، وفي كل مدرسة ثمة تنوع مذهبي ومرجعي، فإن هذه النعمة جعلناها نقمة وشقاء من الحروب والمنازعات المتصلة! لا بل بوسعنا أن نضيف إلى ما قاله الشعلة بأنها وصلت إلى درجة متناهية من الخطورة في بحر الثلاثة العقود الماضية.لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا على بساط البحث: من هو يا تُرى المتسبب في تخلخل نسيجنا الاجتماعي بين الفينة والأخرى في كل أقطارنا العربية المبتلاة بهذه الآفة لتتحول تلك النعمة فيها إلى "نقمة" بدلاً من أن تكون مصدر إثراء من التنوع تعود بالنفع عليها ؟ والحال فإن الغالبية العظمى من أقطارنا العربية من المحيط إلى الخليج تكاد تكون مبتلاة بتلك الآفة بدرجة أو أخرى ، إلا من رحم ربي . والسؤال الثاني الذي يستتبع ذلك السؤال: لماذا هذه الآفة البغيضة تظل هاجعة طوال فترات تاريخية ،تطول أو تنقص، ثم تخرج فجأة من جحورها لتفعل أفاعيلها؟ ومن هنا ترددت المقولة المأثورة" الفتنة نائمة لعن الله من أيقظها؟ التي أختلف المسلمون عما إذا هي قول مأثور أو حديث منسوب للرسول( ص).
إن نظرة فاحصة على تاريخ الأقطار العربية من ضحى الإسلام إلى يومنا هذا ستكشف لنا بأن هذا التاريخ لم يخلُ من نوم طويل أو قصير للفتنة،خلال المراحل التاريخية بتضاريسها السياسية المعقدةالتي مرت بها، وسيجد أحياناً أن الاستعمار والغزاة هم من يجيدون فن إيقاظها، وأحياناً أخرى يصل إبداع هؤلاء الأجانب في تحريك أدواتهم في الداخل من ذوي النفوذ الديني والسياسي والاجتماعي في إيقاظها.
ومالم تتسلح مكونات النسيج الاجتماعي في أقطارنا العربية بأدنى قدر معقول من الوعي النوعي السياسي لتفادي وقوعها في شرك إيقاظ الفتنة ستظل هذه القضية تؤرق مجتمعات هذه الأقطار إلى أجل مسمى غير معلوم.