العدد 6021
الأربعاء 09 أبريل 2025
اقتصاد العالم على صفيح ساخن
الأربعاء 09 أبريل 2025

 بينما كانت أنظار العالم تتجه نحو الشرق الأوسط مترقبة بقلق بالغ احتمال نشوب حرب مدمرة بين الولايات المتحدة وإيران، كان الرئيس الأميركي دونالد ترامب يستعد لإطلاق شرارة معركة من نوع آخر، معركة اقتصادية لا تقل ضراوة عن أي صراع عسكري. ففي ساعة مبكرة من صباح الأربعاء الماضي وبينما كان الخوف من صواريخ طهران يخيّم على العواصم المحيطة بها فاجأ ترامب العالم بقرار تاريخي: فرض رسوم جمركية شاملة ستعيد رسم خريطة الاقتصاد العالمي بسبب جرّة قلم واحدة لم تكن في الحسبان، بل إنها ليست مجرد رسوم جمركية جديدة، بل إعلان لبداية حقبة جديدة من عدم اليقين، حيث تتلاشى التحالفات التقليدية وتتصارع القوى الكبرى على النفوذ الاقتصادي بأدوات غير مسبوقة، الصدمة الأولى بعد صدور هذا القرار تجلّت في انهيارات سريعة ومتتالية في الأسواق العالمية.
 المشهد الذي انكشف أمامنا خلال الأيام الماضية كشف عن تحوّل جوهري في فلسفة الاقتصاد العالمي أظهر أن البيت الأبيض قرّر اللعب بورقة “الصدمة العلاجية”، مستخدمًا أسلوب المطرقة الثقيلة لإجبار الشركاء التجاريين على الجلوس على طاولة المفاوضات، الصين ردّت بحظر تصدير المعادن النادرة بينما حذّر الاتحاد الأوروبي من إجراءات مضادة. لكن الأكثر إثارة للقلق هو تلك الموجة الصامتة من التحركات التي بدأت بالفعل، حيث تعيد الشركات متعددة الجنسيات حساب مسارها الاستثماري وسلاسل التوريد الخاصة بها. في خضم هذه العاصفة، يبرز سؤال محوري: هل نحن أمام استراتيجية مدروسة لتحفيز الاقتصاد الأميركي أم مجرد مقامرة سياسية بآفاق غير محسوبة؟ وهل نحن بصدد موجة جديدة من الحمائية التجارية، أم بداية لعملية “إعادة عولمة” تقودها الولايات المتحدة؟.
 المفارقة الأكثر إيلامًا تكمن في أن الضرر الأكبر قد يقع على كاهل الاقتصادات الناشئة، تلك التي لا تملك القدرة على المناورة أو فرض إجراءات مضادة.
 لكن ربما تكون الرسالة الأكثر خطورة التي أرسلها ترامب هي تلك المتعلقة بمستقبل النظام التجاري متعدد الأطراف. منظمة التجارة العالمية، التي ظلت لعقود حكمًا في النزاعات التجارية، والتي تبدو اليوم عاجزة أمام هذه التطورات.
 في الأيام القليلة المقبلة، سنشهد على الأرجح موجة جديدة من المفاوضات السرية والصفقات الجانبية وبغض النظر عن كيفية تطور الأحداث، فإنّ شيئًا واحدًا أصبح واضحًا وهو أننا دخلنا عصرًا جديدًا من عدم اليقين الاقتصادي، حيث لم تعد القواعد القديمة تنطبق، وحيث يمكن لقرار منفرد أن يقلب الموازين بين ليلة وضحاها في عصر قد تكون فيه الحرب التجارية أشد فتكًا من أي صراع عسكري.
السؤال الذي سأتركه يحلق في سماء الفلاسفة والمفكرين والخبراء الاقتصاديين: هل سينجح ترامب في تحقيق ما فشلت فيه الإدارة الأميركية السابقة، أم أن التاريخ سيسجّل هذه الخطوة على أنها واحدة من أكبر المغامرات الاقتصادية في العصر الحديث؟ الإجابة قد لا نعرفها قريبًا، لكن ما نعرفه هو أن العالم الذي نعرفه قد تغير إلى الأبد في غضون يومين فقط.

كاتب بحريني

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .