خلال ولايته الثانية التي لم تكمل ثلاثة أشهر حتى الآن، سارع الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى ملاحقة العشرات من خصومه السياسيين والإعلاميين وحتى القضاة بسلسلة من الإجراءات والأوامر التنفيذية، فيما بدا أنه حملة انتقامية منظمة. وكان من بين أجندة ترامب الانتقامية تكثيف هجماته على وسائل الإعلام، فعلى الرغم من إعلانه أمام الكونغرس إنهاء الرقابة الحكومية على عمل الصحافة، إلا أنه اتخذ خطوات عدائية ضد كبرى المؤسسات الإعلامية، فقد تم منع وكالة “أسوشيتد برس” العريقة من دخول البيت الأبيض؛ لأنها رفضت كتابة اسم خليج أميركا بدلًا من خليج المكسيك، ورفع دعاوى قضائية ضد شبكات مثل “ABC” و”CBS”، في حين شجّع على فتح تحقيقات ضد “NBC News” و”NPR”.
كذلك، وجَّه الوكالة الأميركية للإعلام العالمي لإيقاف الدعم المالي المُقر أصلًا من قبل الكونغرس لوسائل الإعلام الدولية الناطقة بمختلف لغات العالم، بما في ذلك قناة “الحرة” الموجهة للجمهور العربي. هذه الإجراءات ليست سوى محاولات منظمة لتقويض حرية الصحافة والحد من الأصوات المعارضة من قبل ترامب الذي لطالما اعتبر الإعلام التقليدي خصمًا له. حملة ترامب لم تقتصر على الإعلام فحسب؛ بل طالت مؤسسات قانونية وجامعات وأفرادًا سبق أن عارضوه أو شاركوا في تحقيقات مرتبطة به، من خلال أوامر بسحب التصاريح الأمنية لبعض الشخصيات السياسية والقضائية، وإلغاء عقود حكومية، ومنع بعض الكيانات من دخول المباني الفدرالية.
بعض المؤسسات، مثل مكتب المحاماة “بول فايس” وجامعة كولومبيا، خضعت لترامب وأبرمت صفقات معه، بينما لجأت مؤسسات أخرى، مثل “ويلمرهيل” و”جينر آند بلوك”، إلى القضاء للطعن في هذه القرارات الرئاسية.
ومن أخطر التداعيات الناجمة عن هذه السياسات الانتقامية هي استهداف ترامب السلطة القضائية، حيث وجَّهت الإدارة ضغوطًا على قضاة ومسؤولين قانونيين أصدروا أحكامًا ضد الرئيس أو شاركوا في تحقيقات ضده، إلى حدِّ الدعوة إلى عزلهم وفرض عقوبات على مكاتب المحاماة التي دافعت عن قضايا معارضة له.
كذلك أقال الرئيس ثلاثة مسؤولين على الأقل في الأمن القومي بعد أن قدَّمت ناشطة من اليمين المتطرف قائمة بأسماء تعتقد أنهم غير موالين لترامب، حسبما ذكرت صحيفة “نيويورك تايمز”.
هذا النمط من التصرفات أثار نقاشًا واسعًا حول نقاط ضعف الأنظمة الديمقراطية، حتى في أكثرها عراقة، عندما تُمنح صلاحيات واسعة لأفراد مدفوعين بأجندات شخصية.
لكن الأخطر من ذلك هو إشارة ترامب المتكررة إلى رغبته في الترشح لولاية ثالثة، وهو انتهاك صارخ للتعديل الثاني والعشرين من الدستور الأميركي، الذي يحدد مدة الرئاسة بولايتين فقط.
تصريحات ترامب تهدّد بإشعال أزمة دستورية غير مسبوقة في الولايات المتحدة التي تشهد أروقة محاكمها عشرات القضايا ضد الإدارة الجديدة، الأمر الذي دفع نائب الرئيس، جي دي فانس، إلى التصريح بأن السلطة التنفيذية قد لا تكون ملزمة بقرارات القضاء، في تحدٍّ مباشر لمبدأ توازن القوى والفصل بين السلطات.
مثل هذه التصريحات تمثل خطرًا حقيقيًّا على النظام الديمقراطي الأميركي، وتفتح الباب أمام هيمنة السلطة التنفيذية وتقويض السلطتين التشريعية والقضائية.
ومع ذلك، لم تكن إدارة ترامب لتُقدِم على هذه السياسات لولا أنها اكتشفت ثغرات في القوانين والأنظمة، ما يعكس وجود ضعف حتى في الديمقراطيات المتقدمة، حيث يمكن للرؤساء استخدام صلاحياتهم لتعزيز قبضتهم الشخصية على السلطة.
ما يحدث في الولايات المتحدة يطرح تساؤلات أوسع حول مدى حصانة الأنظمة الديمقراطية ضد الاستبداد، حتى في أكثر الدول ترسخًا في الديمقراطية. فوجود مؤسسات قوية وقوانين راسخة لا يمنع الانحراف بالسلطة إذا تمكن قادة ذوو ميول سلطوية من استغلال ثغرات النظام.
وكما شهد العالم انحدار ديمقراطيات في دول مثل هنغاريا وتركيا، فإن الولايات المتحدة ليست بمنأى عن هذا المسار إذا استمر ترامب في سياساته ورسخ هذه الممارسات.
وفي ظل هذه الأزمات المتكررة في الأنظمة الديمقراطية، بدأ البعض في المقارنات مع الأنظمة الملكية التي غالبًا ما تُوصف بالاستقرار السياسي وتحقيق التوازن بين مختلف السلطات.
فبينما تتيح الديمقراطية تداول السلطة بشكل دوري، فإنها في بعض الأحيان تؤدي إلى انقسامات حادة وصعود قادة يستغلون النظام لمصالحهم الشخصية، ما قد يُضعف الدولة بدلًا من تعزيزها.
على الجانب الآخر، توفر الملكيات الدستورية استقرارًا طويل الأمد، حيث تظل القيادة العليا محايدة وغير خاضعة للتقلبات الانتخابية. فبعض الدول الملكية، مثل المملكة المتحدة والسويد، نجحت في الحفاظ على أنظمة ديمقراطية مستقرة دون الانزلاق في الفوضى السياسية التي تشهدها بعض الأنظمة الرئاسية أو البرلمانية.
ومن هذا المنطلق، يبرز التساؤل التالي: هل لا يزال بعض السياسيين العرب يرون في الأنظمة الديمقراطية الغربية النموذج الأمثل للحكم في الشرق الأوسط، رغم أن دول المنطقة لا تمتلك الهياكل التنظيمية الكافية لترسيخ هذا المبدأ؟
في الناحية المقابلة، أثبتت الملكيات استقرارها على مدى عقود، ما يجعلها نموذجًا أكثر ملاءمة للبيئة السياسية في الدول العربية، حيث تضمن القيادة الثابتة توازنًا يحد من الفوضى والانقسامات التي قد تفرزها الديمقراطيات الناشئة.
كاتب بحريني