تشهد العلاقات بين الولايات المتحدة وأوروبا توترات متزايدة في ظل إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بعد أن وجه هذا الأخير ضربات للعلاقات عبر الأطلسي، وهو تحالف غربي شكّل النظام العالمي لعقود مضت. تسريبات حديثة أحدثت جدلا واسعا في واشنطن الأسبوع الماضي، أظهرت ازدراءً واضحًا من قبل مسؤولين أميركيين رفيعي المستوى تجاه أوروبا، ما يعكس أسلوب تفكير الإدارة الأميركية الجديدة في إعادة رسم علاقاتها مع حلفائها التقليديين.
في هذا السياق، برزت التعليقات المسربة لنائب الرئيس الأميركي، جي دي فانس، والذي أشار إلى أن الضربات على الحوثيين في اليمن تفيد الاقتصاد الأوروبي أكثر من اقتصاد الولايات المتحدة، في إشارة واضحة إلى تباين المصالح بين الجانبين، والتي تراها إدارة ترامب من منظور تجاري بحت. جاءت تلك التعليقات في مجموعة دردشة عبر تطبيق “سيغنال”، حيث أُضيف رئيس تحرير مجلة “ذا أتلانتيك” عن طريق الخطأ، لينضم إلى كبار المسؤولين في إدارة ترامب، بمن فيهم وزير الدفاع ومستشار الأمن القومي وغيرهم. وبعيدًا عن الجدل السياسي في واشنطن العاصمة، تُظهر هذه التوترات المتزايدة، التي تجلت منذ انحياز ترامب لروسيا في حرب أوكرانيا، فرصًا وتحديات بالنسبة لدول الخليج العربية، تتطلب دراسة معمقة واستراتيجية متأنية.
ففي ظل تصاعد الخلافات عبر الأطلسي، يمكن لدول الخليج أن تعزز علاقاتها الاقتصادية مع أوروبا، مستفيدة من رغبة الأخيرة تنويع شركائها التجاريين وتقليل اعتمادها على الولايات المتحدة.
ويشمل ذلك زيادة الاستثمارات الخليجية في الأسواق الأوروبية، وتوسيع نطاق التعاون في مجالات الطاقة والتكنولوجيا والابتكار.
على الصعيد الأمني، ومع تراجع ثقة الأوروبيين في الالتزامات الأمنية الأميركية عقب انتقادات ترامب لحلف الناتو، فإن دول الخليج يمكنها تقديم نفسها كشريك أمني موثوق لأوروبا، خصوصا في مجالات مكافحة الإرهاب وتأمين الملاحة البحرية.
ويمكن أن يتجسد هذا التعاون من خلال تدريبات عسكرية مشتركة، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، وتنسيق الجهود لمواجهة التهديدات الإقليمية.
أما في قطاع الطاقة، فتُعد دول الخليج من أبرز مصدري النفط والغاز في العالم، ومع سعي أوروبا لتنويع مصادرها وفطم اعتمادها على الطاقة الروسية وربما الأميركية في المستقبل، يمكن لدول الخليج أن تعزز صادراتها إلى الأسواق الأوروبية، مستفيدة من حاجة أوروبا إلى مصادر طاقة مستقرة.
ورغم كل هذه الفرص، فإن دول الخليج عليها توخي الحذر في موازنة علاقاتها بين الولايات المتحدة وأوروبا، لا سيما أن واشنطن تظل حليفًا استراتيجيًا رئيسًا.
فقد يؤدي أي انحياز واضح نحو بروكسل إلى رد فعل سلبي من البيت الأبيض وربما من موسكو أيضًا، ما يتطلب دبلوماسية حذرة وتوازنًا دقيقًا في التحركات السياسية والاقتصادية.
في النهاية، تمثل التطورات الجيوسياسية الحالية التي أحدثها ترامب خلال الأيام الأولى لولايته الثانية، فرصة لدول الخليج لتعزيز مكانتها على الساحة الدولية، من خلال توسيع علاقاتها الاقتصادية والأمنية مع أوروبا.
ومع ذلك، فإن تحقيق الاستفادة القصوى من هذه التغيرات يتطلب استراتيجية متوازنة تأخذ في الاعتبار التعقيدات الجيوسياسية، وتضمن الحفاظ على علاقات قوية مع الجانبين، بما يخدم المصالح الوطنية لدول الخليج.
كاتب بحريني