صعبة هي الأوقات التي يكتشف فيها الإنسان أنه يمر بمرحلة لا عنوان لها يوصف، يتمايل بأفكاره التي تكاد تحني ظهره وقد تثقله بصنوفها التي لا خير فيها إلا فيما طاب منها من رغد وسعة، فتعصف بقامته في أنحاء مختلفة حتى تؤلم، تؤرق، وتزهق طاقته التي تستنزف كل ما لديه من قدرات ومهارات، فيقعد خاليًا فاضيًا من الداخل والخارج، ويا للأسف على ما ضاع إن استطاع أن يعي ما ضاع منها فعلاً لكي يستنهض في الوقت المناسب ليعود. وما أجدر تلك اللحظات التي يدرك من خلالها الشخص أنه قادر على تجاوز كل ما يتحرك ويتهافت صوبه في محاولة إدخاله في إحدى تلك المراحل الصعبة، عنوة وغير ذي عنوة.. إنها “لحظة إدراك” بإمكانها أن تنقل الإنسان مراحل متقدمة بعيدًا عن الأفكار والأهواء والأمزجة لمن يرى زمانه وزمان غيره، ويعتقد بأحقيته في الفرض والسيطرة.
وصارت تلك الغربلة الواضحة على غير وضوح بسبب تداخلها مع قوام على غير ذي تصنيف، إذ ابتعدت عن الدقة والواقعية، وبدت بادئة الوجاهة متحكمة مسيطرة في تصنيف الدرجة والحالة في قوام قد يغلب عليه الفكر في أرفع مراحله إن بدت ظاهرة واضحة دون ترتيب. إننا نشهد ونرى في حياتنا العابرة التي تتمازج بأجيال متعاقبة، مزيجًا مميزًا من مظاهر الإدراك الواضحة وبدت معالمها في منهجية حياة كل من يدرك أحقية صحة وسلامة قواه وطاقته. أعزائي القراء، لا أرى حجة أقوى من أننا قادرون دائمًا على أن نكون الأفضل من أنفسنا، والأفضل في تقبل الواقع لنصنع الأفضل، ولا أرى أبلغ مما لدينا من إعجازات كثيرا ما بلغت الكون بمداها في كل صوب وناحية.. واستطاعت بلوغ القمة بفضل من الهمة.. الوقت يجري سريعًا والزمن يتغير دائمًا في مسار وعلى غير ذي ثبات في حال، ونحن أبطال الموقف لا يمكننا أن نبقى في تلك المحطة وانتظار من يستغل ذلك البقاء والانتظار لكي يكون هو الإدراك الأوحد.
كاتبة وأكاديمية بحرينية