لا أعرف لماذا يحاول البعض أن يسلخ هويته ولهجته، ويدخل في ظلمات كهوف التقليد بقدمين باردتين، بمجرد أنه غاب لأشهر قليلة عن بيئته وناسه. حدثت معي قصة قديمة مع فنانة بحرينية كانت مقيمة في الخارج في أحد المهرجانات السينمائية الخليجية بالعام 2008، حينما طلبت منها تصريحا صحافيا ولكنها رفضت بقولها: لا أصرح لجرائد بحرينية! قالتها بلهجة غير لهجتها.
وبعد سنوات، تولى القدر الأمر، وجاءت تلك الفنانة لتصوير مسلسل في البحرين العام 2011، وعندما كنت أزور موقع التصوير للتغطية الصحافية وإجراء لقاءات مع الطاقم، تجاهلتها وكأنها نقوش قديمة على حائط مقبرة أو امرأة منفية وراء العصور، وحينما لاحظ المخرج تصرفي قال: لماذا لا تأخذ مقابلة مع بطلة المسلسل، فهي الأهم؟ أجبته: لا أجري مقابلات مع من لا يريد التحدث أصلا مع الصحافة البحرينية.
واليوم حملت لنا فنانة أخرى حكاية جديدة، ولكن في نفس التيار، بل وصلت إلى المرحلة الأولى المتقدمة من الانسلاخ والتصنع في كل شيء.
ما أريد توضيحه أن الإنسان ابن البيئة الاجتماعية التي ولد وترعرع فيها، فهو من غير شك يتأثر إلى حد كبير بظروف الوسط الذي يعيش فيه وطبيعة البيئة التي نشأ فيها، ويتأثر كذلك بالظروف الحياتية التي وجد فيها. فهو ابن هذه الظروف، لا يستطيع بسهولة أن يتخلص كليا من بصماتها وتأثيراتها التي قد لا تمحى مع الزمن إلا نادرا وجزئيا، وكلنا يعلم بداهة أن ابن الريف يختلف عن ابن المدينة، وابن الطبقات الدنيا أو الفقيرة يختلف عن الآخر في الطبقات العليا، من ناحية مظهره الخارجي وعلاقاته بالآخرين وأسلوبه في التفكير ومستوى ثقافته، وحتى المهنة التي يتعاطاها، كل هذه الأشياء تتراءى لنا بوضوح ودون بذل أي جهد، فما بالنا باللهجة.
* كاتب بحريني