العدد 5720
الأربعاء 12 يونيو 2024
banner
.في رحاب "كرمة ابن هانىء"
الأربعاء 12 يونيو 2024

على هامش زيارتي الأخيرة لمعرض القاهرة للكتاب قمت برفقة ابنتي سلوى بزيارة متحف قصر أمير الشعراء أحمد شوقي المطل على كورنيش النيل بالجيزة على مقربة من كوبري الجامعة وحديقة الحيوان،ولعل اختياره في ذلك الزمان من مطلع العشرينيات هذا المكان الجميل الهاديء الفريد من نوعه ينم عن ذوق وإحساس شاعري كبير . 
وكان الشاعر الكبير جرياً على عادة الشعراء والأدباء قد أطلق على منزله الجديد في الجيزة اسم" كرمة ابن هانىء" وهو الاسم نفسه الذي سبق أن أطلقه على منزله السابق في المطرية، وذلك تيمناً باسم الشاعر العباسي الشهير" أبو نواس"، الذي كان مُعجباً به ويرفض الأساطير التي كُتبت عنه بأنه كان شاعراً ماجناً، بما يُذكّرنا بموقف الباحث التراثي اللبناني الراحل الشهيد الدكتور حسين مروة والذي كان يشاطره نفس الرأي من حيث إنصاف أبي نواس ورفض الأساطير التي أُلصقت به، كما سمى منزله الصغير في الإسكندرية" درة الغواص". 
وعند وصولنا القصر كان في استقبالنا السيدة آية طه مديرة متحف شوقي، والدكتور والناقد الأدبي السيد العيسوي، والذي كان خير مرشد لنا في تعريفنا بقصة إنشاء الفيلا وأركان القصر وأقسامه وغرفه، كما صادف عند وصولنا وصول نخبة من المثقفين العرب كان من بينهم الشاعر السعودي إبراهيم الجريفاني الذي تفضل مشكوراً بأهدائي آخر ديوان صدر له بعنوان " بخور الروح".  ولفت أنظارنا أن أرضية الصالة الأرضية تتكون من الخشب المصقول، فيما تزيّن سقفها وأعمدتها زخارف جميلة وآيات قرآنية نُقشت على حوائطه. وثمة تمثال نصفي نُصب على عمود في واجهة البهو بالقرب من الدرج. كما لفت محدثنا العيسوي أنظارنا بأن هذه الصالة الرئيسة أطلق عليها صاحب القصر" الصالة الشرقية" بالنظر لاهتمامه بتأثيثها بأثاث من الطراز العربي، ونقوش جدرانها زُينت بالكتابات العربية. وشهدت هذه الصالة مناسبات هامة، منها لقاءات الشاعر بمشاهير الشعراء والأدباء ورجال الفن والسياسة، ومن بينهم شاعر الهند طاغور والزعيم الوطني سعد زغلول والوفود التي بايعته بأمارة الشعر وأُم كلثوم ومحمد عبد الوهاب.كما أطلعنا مرشدنا على جناح الضيافة المخصص لمبيت ضيوفه من الأماكن البعيدة في مصر أو من خارجها.
أما الدور الثاني فيتكون من غرف النوم والحمام الكبير وغرف المعيشه، وثمة غرفة خاصة بنوم الشاعر وأُخرى خاصة بزوجته خديجة. كما أخذنا الدكتور العيسوي إلى غرفة مكتبته المطلة على النيل،مع أنه قلما يستخدمه ويؤثر كتابة الشعر في غرفة نومه ولعلها تُعد أصغر غرف الفيلا،وهي في غاية البساطة في أثاثها، ويشغل السرير أكبر مساحة منها، وعلى عكس غرفة مكتبه فإن معظم نفائس كتبه التي يعشقها تجدها في هذه الغرفة التي تطل على حديقة غنّاء، وحسب ابنه حسين فإن أباه إذا ما أدركه جني الشعر فعادة ما يكتبه على الفور في الصفحات البيضاء لأي كتاب كان يقرأ فيه. وفي كل زوايا من هذا الطابق وغرفه ترى الأوسمة والنياشين المهداة لأمير الشعراء،وكذلك شهادات التقدير والكتب والقصائد المهداة له، وعلى الجدران لوحات فنية مهداة له أيضاً، هذا بخلاف التماثيل الصغيرة.
ما لفت نظري وأثار ذهولي أن من أحد أسباب اختيار أمير الشعراء هذا المكان أنه كان يرى النيل من واجهة قصره الشرقية فيما كان يرى الأهرامات من الواجهة الخلفية الخلفية، ولم أكن أتخيل بأن هذه المسافة البعيدة نسبياً قد امتلأت بهذا العمران كله في بحر مئة سنة ونيف.
وفي نهاية هذه الجولة الشائقة اصطحبنا مرشدنا الدكتور العيسوي إلى حديقة القصر حيث ينتصب في وسطها تمثال كبير من البرونز للشاعر، وقد صممه الفنان المصري جمال السجيني، وقد التقطنا صورة جماعية مع زوار المتحف الذين سعدنا بالتعارف عليهم.

صحيفة البلاد

2024 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .