العدد 5713
الأربعاء 05 يونيو 2024
العالم المغيّب عن العلوم  السياسية 
الأربعاء 05 يونيو 2024

ذات مرة كتب رئيس تحرير" الأهرام" إلى طه حسين رسالةً يطلب فيها بأن يأذن له بتصميم وصنع تمثال له، تكريماً وتخليداً لما قام بأدوار عظيمة في ميادين الأدب والعلم والثقافة والفكر، لكن حسين وجرياً على عادته طوال مسيرته العلمية والثقافية فيما يبديه من تواضع وخجل في مثل هذه المواقف رفض هذا العرض قائلاً:"... أني لم أقبل ولن أقبل أن يُصنع لي تمثال أو يُقام لي حفل لأني لا أفهم لهذا المعنى ولا أرى له مقتضيات ويخيّل لي أن للناس في هذه الأيام ما يشغلهم عن مثل هذه الفكاهة التي أشكر أصحابها أجمل الشكر...".( طه حسين، وثائق أدبية، نبيل فرج، كتاب الهلال). فقد كان العميد على علو مقامه زاهداً إلى حدما فيما يبديه مجايلوه من هوس مفرط في حب الأضواء والشهرة، وهو مرض ما أنفك يعاني منه كثرة من مثقفي زماننا، بحيث يستبد بهم النهم بجنون في حُب النجومية بلا حدود. 
على أن الجهات الرسمية والأهلية التي تقدّر عظمة طه حسين وما لعبه من أدوار تاريخية هامة في تلك المجالات، أهتمت بعد رحيله بأن تصنع له عدداً من التماثيل تكريماً وتخليداً له، لعل من أشهرها تمثال نصفي داخل كلية الآداب بجامعة القاهرة، الكلية التي ساهم بقسط محوري كبير في تأسيسها وتمصيرها وتطويرها،وتمثال نصفي آخر نُصب في مسقط رأسه بمحافظة المنيا مطل على كورنيش المدينة، جرى تحطيمه من قِبل الجماعات الاسلامية المتشددة عام 2013، وتقرر إحلال محله تمثالاً كاملاً، وتمثال في مكتبة الإسكندرية، وتمثال نصفي تم نصبه وسط حديقة بيته. 
والحال لو كان الأمر بيدي لقررت أن يُصمم له أروع تمثال كامل عملاق في أفضل مكان يتوسط جامعة القاهرة.فهذا الإنسان لم تكن أدواره الخطيرة التي أزجاها تقتصر على كلية الآداب فحسب، بل أنها أمتدت لتشمل الجامعة بأكملها، فضلاً عما قام به من مقترحات وجهود فائقة الأهمية، سبق أن نوهنا بها، لتأسيس جامعات أُخرى، ونحن نعلم في عصره كيف أن الطلبة من مختلف أقسام الكلية، بل أن بعضهم  من كليات أُخرى، يتسابقون على حضور محاضراته التي كان يلقيها على مسامع طلبته في كلية الآداب، وهو إلى ذلك حُمل في 1933 على أعناق الطلبة والأساتذة يوم إعادته إلى كليته الآداب التي أُبعد عنها .
والمدهش أن العميد قد سبق عصره في انتهاج طريقة تدريس لا تقوم على التلقين وحفظ المناهج، وفي هذا الصدد يروي تلميذه نجيب محفوظ الذي كان يتحين الفرص لحضور محاضراته، إذ لم يكن طه حسين أُستاذه المباشر، نقول يروي عن طريقته في التدريس الجامعي :" راح يربينا تربية جامعية عظيمة،فينبه على الأساتذة ألا يسمحوا لنا بكتابة المحاضرات، ولا يجوز أن نقيد في أوراقنا إلا اسم مرجع، أو سؤال نريد أن نسأله، أما أن أفقد ما يقوله الأستاذ وأحفظه، فهذا ما يرفضه طه حسين، وكان يقول لنا: أكتبوا المحاضرات مما استوعبته عقولكن، ولديكم المراجع في مكتبة الجامعة" وهذه الطريقة التي لطالما نادى بها كبار التربويون العرب، وأُلفت عشرات أو مئات الكتب بصددها،وعُقدت المؤتمرات والندوات حول استشراف آليات تطبيقها في كل مراحل التعليم، نقول هذه الطريقة مازلت تراوح مكانها،إذ ما برحنا نُقدس طريقة التلقين وحفظ نصوص المناهج المقررة !  
ولعلي أتذكر جيداً حينما كنت طالباً بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية في أوائل السبعينيات، ظلت هذه الطريقة هي هي، ولا أعلم حقيقةً الحال حالياً، حتى وصل الأمر بأننا الطلبة- مصريين وعرب- كُنا نعاني من عدم استلام أكثر كتب المناهج المقررة للعام الدراسي لشهور طويلة منذ بدايته،وأغلب ما نستلمه كان عبارة عن ملازم ورقية بحجم الفلوسكاب أو أكبر بقليل، حتى أن بعض أساتذتنا ممن يواجهون على ما يبدو صعوبات في طبع مقررات مناهجهم، سواء في كتب مطبوعة أو في شكل ملازم ورقية، يضطرون إلى أن يملوا علينا المقرر طوال الوقت المخصص للمحاضرة. 
الجانب الأهم فيما يتعلق بطه حسين العالم والمفكر، فضلاً عن كونه الأديب الكبير، فإن ما طاف بمخيلتي وتأملاتي منذ أن بدأت الأنكباب على قراءة مؤلفاته قبل ثلاثة عقود ونيف طوال خلوة فراغية قسرية، كيف أن عالماً ومفكراً عربياً بهذا الوزن، لم يُدرّس لنا ضمن زمرة كبار العلماء والفلاسفة الغربيين على مدرجات كلية الأقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة والتي تأسست عام 1963 والتي كان يُدرّس فيها نخبة من كبار الأساتذة في الأقتصاد والسياسة في عالمنا العربي، فأنا أتذكر قد درسنا لفلاسفة  وعلماء غربيين، منهم على سبيل المثال: ميكيافيلي و مونتسكيو وفواتير وجون لوك وستيوارت ميل، وهوبز  ومالتوس وتوماس الأكويني ومالتوس وأيمانويل كانت وجان جاك روسو وديكارت وهيجل وماركس وأنجلز ولينين ونيتشه.. وغيرهم ممن لايسعفني في هذه اللحظة تذكرهم، في حين أن طه حسين لم يكن في عدادهم وقتئذ.ولعلي أجازف بالترجيح أن واضعي مناهج هذه الكلية لم يقرأوا له أكبر الظن بما فيه الكفاية. بيد أن ما ينطبق على طه حسين ينسحب على كثرة من الفلاسفة والعلماء العرب، سيما في العصور الذهبية للحضارة العربية الإسلامية، ولعل الفكرة النمطية السائدة في أذهان واضعي مقررات الكلية بأن طه حسين لم يكن سوى عالم في الأدب فحسب، وغير ذي شأن في السياسة. مع أنه كما نوهنا غير مرة كان مفكراً كبيراً ضليعاً في مجالات السياسة والاجتماع والتاريخ وسائر العلوم الإنسانية. وحتى كتاباته في تاريخ الأدب لم يكن يفصلها عن الظروف السياسية التي نشأ في عصر من العصور الإسلامية، فهو يعترف أو يلمح بأخذه هذا المنحى في الكثير من دراساته وكتاباته، ومن ذلك ما قاله في صدر محاضرة له ألقاها عام 1933 في قاعة ايوارت في الجامعة الأميركية تحت عنوان " الحياة الأدبية في القرن الثالث للهجرة" حيث قال: " لست من الذين يحبون أن يؤرخوا الآداب بالأحداث السياسية، لأني أشك في استقامة هذا النوع من التاريخ، ولكن بعض الأحداث التي تصيب حياة الأمم السياسية، قد تكون دليلاً، وقد تميز بعض الظروف الأدبية. فليس هناك بأس في أن نعتمد على بعض هذه الحوادث السياسية أحياناً، لا على أنها تؤرخ تطور الحياة الأدبية، بل كدليل على بعض الوجوه والأنحاء لهذا التطور" ( طه حسين . من حديث الشعر والنثر). 
 
 

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية