العدد 5699
الأربعاء 22 مايو 2024
banner
مع الشيخين عبد الرازق 
الأربعاء 22 مايو 2024

إذا ما استثنينا الفئة المثقفة العربية العريضة، وخصوصاً المصرية منها، التي كتبت عن طه حسين بعد إطلاعها على الجزء الأعظم من مؤلفاته وكتاباته،أو على الأقل الحد الأدنى المعقول منها، فإن كثرة من الأقلام المصرية والعربية التي تنطعت للكتابة عنه فعلت ذلك دون حتى هذا الحد الأدنى من الإطلاع، لا بل من عجب العجاب أن عدداً  منهم أستطاع أن يلمع في سماء الشهرة العربية، وبنى شهرته في هذا "اللمعان" على بعض ما كتبه مما استقاه من مقالات عابرة من هنا وهناك عن عميد الأدب العربي،أو وفق عاميتنا البحرينية "يلقّط من أهني وهناك"- تُلفظ القاف في البحرين جيماً قاهرية- ثم تلقوا  تكريماً على المستوى العربي، فعلى المستوى "شبه الحزبي"، بهذا الخصوص بناء على ذلك " اللمعان"! 
بهذا المعنى فإذا ما استثنينا تلك القلة التي ندرت نفسها للتأليف وكتابة المقالات عن طه حسين عن عمق إطلاع ودراسة ،فإنه لربما القليلون من المثقفين العرب الذين يعلمون ما كان يربط بين العميد والشيخين مصطفى وعلي عبد الرازق من أواصر متينة.وأهمية هذا الشيخ الأخير تكمن في أنه أول من قوّض في عالمنا العربي الأساس الفكري الذي بُني عليه لاحقاً "الإسلام السياسي" بشتى طوائفه وأحزابه وتياراته قبل ميلاد أول تنظيماته  في عام 1928 على يد حسن البنا مؤسس جماعة "الإخوان المسلمين"، والتي اعترف راعي تأسيس حزب الدعوة العراقي الشيعي، الشيخ طالب الرفاعي، أنهم استلهموا فكرته من تنظيم "الإخوان المسلمين" السني في  بناء تنظيمهم أواخر الخمسينيات، كما اعترف الرفاعي بأن هذه المبادرة جاءت تحت تأثير فزعهم الشديد من المد الكاسح للقوى اليسارية والديمقراطية العلمانية غداة ثورة 14 تموز العراقية 1958، وهو المدالذي اخترق حتى مدينة النجف الأشرف المقدسة، حيث ضريح الإمام علي، ومهد المرجعية الدينية الشيعية العربية لشيعة العالم بمختلف قومياتهم، قبل اختطاف قم لعالمية مركزها بعد مجيء نظام الإسلام السياسي الشيعي الجديد في إيران عام 1979 بزعامة الإمام روح الله الخميني، مؤسس آخر طبعة تطويرية لنظرية "ولاية الفقيه"، بإطارها الديني المدغم بالسياسي،تحت مفهوم " الولاية العامة" الذي يسوّغ احتكار السلطة إلى الأبد،بدءاً من رأس النظام المتمثل في "المرشد الأعلى" ويمنع حق تداولها إلا تحت سقف إطارها الشكلي المحدود.
وبالعودة للشيخين الشقيقين عبد الرازق، فبالإضافة لكونهما قريبين جداً من أفكار طه حسين،فقد كان مسقط رأسهما في قرية "جريج" على مقربة من قرية "مغاغة"،مسقط رأس طه حسين بمحافظة المنيا في صعيد مصر، وينحدران من أسرة ثرية من ملاك الأرض، لكنهما اتصفا بقدر كبير من شمائل الأخلاق الإنسانية وحلو المعشر، ناهيك عن استنارتهما الفكرية وعمق معارفهما الفقهية والثقافية العامة.
ومصطفى عبد الرازق الذي وُلد عام 1885، يكبر العميد الذي وُلد عام 1889 بنحو أربع سنوات، وجاءت أخطر أزمة في تاريخ الفكر العربي الحديث في الصراع بين الجمود والتجديد في قراءة التراث، على إثر صدور كتاب الشيخ علي" الإسلام وأُصول الحكم" عام  1925، ثم تلاه صدور كتاب صديقه طه حسين" في الشعر الجاهلي" في العام التالي 1926، أي خلال عامين فقط من صدور كلا الكتابين، ولئن تمكن الأخير من الإفلات من العقوبة حيث حُكم أمام محكمة غير دينية انتهت بحفظ ملف الدعوى، فإن الأول حُكم أمام محكمة شرعية دينية برئاسة شيخ الأزهر آنذاك حيث قضت المحكمة بتجريده من "العالمية" كعالم من علماء الأزهر،وهذا التجريد يترتب عليه محو اسمه من سجلات الأزهر والمعاهد الدينية الأخرى، وطرده من كل وظيفة عمومية،دينية كانت أو غير دينية.ورغم مرور نحو قرن على صدور هذين الكتابين فإن الصراع الفكري والديني بين قطبي المحافظة والتجديد مازال يتجدد بين الفينة والأُخرى، ولا سيما بعد صعود مد الإسلام السياسي منذ نحو نصف قرن في مصر والعالم العربي في ظل انحسار التيارات السياسية القومية واليسارية في أعقاب هزيمة 1967 الكارثية عسكرياً ونهضويا لاحقاً.
كانت العلاقة التي تجمع الشيخين الشقيقين المستنيرين أشبه بعلاقة التوأمين، ومن أفضل الآثار التي خلّفها هذا الثلاثي الأزهري، أعني الشقيقين وطه حسين، الكتاب الذي أنكب الشيخ علي على تأليفه في تكريم شقيقه مصطفى والذي صدر عام 1957 تحت عنوان" من آثار مصطفى عبد الرازق" ووضع مقدمته صديقهما المشترك طه حسين.وكان مصطفى قد تأثر أيضاً بالثقافة الفرنسية أثناء دراسته فيها،وتولى مشيخة الأزهر، وهو أول معمم يدخل مجلس الوزراء.
ورغم انحدار الشيخين من قرية قريبة من قرية العميد، فإن علاقة هذا الأخير بالشيخ علي إنما توثقت إبان حياتهما الطالبية في الأزهر، ثم شملت كلتا الأسرتين أثناء إقامة الثلاثة في القاهرة، حيث أخذ طه حسين يتردد على بيت آل عبد الرازق في عابدين، وأحب المربية الفاضلة العظيمة والدتهما حباً جما، حتى أنه رثاها شعراً، كما رثى والدهما. وغداة صدور الحكم القاسي بحق الشيخ علي بسبب كتابه "الإسلام وأُصول الحكم"،والذي أثار ضجة وقتها لم تهدأ إلا لتتجدد حتى يومنا هذا، أنبرى طه حسين في صحيفة "السياسة للدفاع عن مظلومية الشيخ علي منتقداً بشدة الحكم، ولربما كان هذا أحد الأسباب التي فجرت الضجة عليه وألبت عليه المشايخ وأنصار الفكر المحافظ لإقامة دعوى عليه أمام القضاء، وهي الدعوى التي أتهم طه حسين السراي بالتورط فيها لأن ساكنه كان يطمح بالخلافة الإسلامية في أعقاب إلغاء الخلافة العثمانية التركية. وكان طه حسين قد قرأ مسودة  الكتاب قبل صدوره ثلاث مرات وراجعه ونقح فيه ما نقح كثيراً، ولربما أضاف ما أضاف، ما حمل البعض على التشكيك -ظلماً- بأنه مؤلفه متستراً باسم صديقه الشيخ علي عبد الرازق!
 

صحيفة البلاد

2024 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية