العدد 5698
الثلاثاء 21 مايو 2024
banner
المفكر المؤسس للصروح العلمية 
الثلاثاء 21 مايو 2024

لعل الأديب والمفكر طه حسين يتفرد بين ندرة من أترابه كبار الأدباء والمفكرين، بأنه لم يكن مجرد مُنظّر في الأدب والفكر، كسائر الأكثرية العظمى من الأدباء والمفكرين في عصره، بل هو إلى ذلك يجمع بين التنظير والتطبيق، أو بعبارة أدق كانت لديه قدرة خارقة في توليد الأفكار التي يتبعها باستخدام كل ما بوسعه من نفوذ وضغوط ناعمةلترجمتها على أرض الواقع، وبخاصة إذا ما أُتيحت له فرصة للألحاح على السلطات لتنفيذها، بالتضافر مع الضغوط النخبوية والشعبية.
وقد برزت هذه الخاصية لديه في المجال التعليمي والثقافي بوجه خاص، كما تجلى ذلك في العديد من كتاباته،وخصوصاً في كتابه" مستقبل الثقافة"، وذلك قبل توليه وزارة المعارف،كما تجلت أيضاً على وجه التحديد خلال الفترة القصيرة التي تولى فيه حقيبة هذه الوزارة(يناير 1950- يناير 1952) حيث تمكن من تحويل عدد من الأفكار الهامة التي كان ينادي بها إلى قرارات ومنجزات محققة، وعلى رأس هذه الأفكار مطلبه الذي ظل ينادي به لسنوات طويلة بمجانية التعليم تحت شعار "التعليم حق لكل إنسان، كالماء والهواء" ، وإن كان خلال فترة وزارته لم يتمكن من تحقيق هذا المطلب الشهير إلا إلى المرحلة الثانوية.كما استطاع خلال الفترة القصيرة التي قضاها في هذه الوزارة نفسها، أن يؤسس مؤسسات وصروحاً علمية وتعليمية بالغة الأهمية،سواء تحقق بعضها خلال توليه الوزارة أو بعد تركها. هو الذي كان قبل ذلك من المؤسسين العمليين لجامعة القاهرة، إذ كانت له أدوار مهمة في تحويل الجامعة المصرية إلى جامعة مصرية خالصة، ومن ثم إحلال الكفاءات العلمية الوطنية مكان الأساتذة الأجانب الذين استمر عدد منهم يشغل التدريس حتى خلال السنوات الأولى من تحويل الجامعة الأهلية إلى جامعة حكومية تحمل اسم فؤاد الأول( القاهرة حالياً). كما كان طه حسين هو من رفد الجامعة ببعض الأساتذة المصريين الذين لم يكونوا قِبل ذاك يعملون في سلك التدريس الجامعي، ولعل أشهرهم الأستاذ أحمد أمين صاحب الموسوعة المشهورة "فجر الإسلام" والتي وضع مقدمتها حسين نفسه، كما استطاع  ببصيرته الثاقبة أن يخطف طلبة من تخصصاتهم التي كانوا يحلمون بالتخصص فيها إلى تخصص الآداب أو اللغة، ثم أن يستغل كل نفوذه-كأُستاذ وعميد لكلية الآداب- لتسهيل ابتعاثهم  إلى فرنسا، ليعودوا منها مؤهلين للعمل كأساتذة جامعيين في هذه الكلية، ولعل أشهر إثنين من أولئك الطلبة تمكن من إقناعهما بالعدول عن رغبتهما الأصلية سهير القلماوي ومحمد مندور، وإن لم يتمكن هذا الأخير من شغل وظيفة أُستاذ جامعي محاضر؛ لسوء تفاهم وقع بينه وبين طه حسين سبق أن تناولناه تفصيلاً.
 أما أهم الصروح العلمية التي شُيدت وكان تشييدها بمبادرات منه فهي جامعة الاسكندرية وجامعة عين شمس، فقد كان هو صاحب الفكرة لتأسيس هذه الجامعة الأخيرة وكذلك جامعة أسيوط، وقد صرّح بهذه الفكرة في مكتبه بوزارة المعارف بحضور مساعديه التنفيذيين، كما يروي صهره محمد حسن الزيات في كتابه " ما بعد الأيام"، وهذا ما تحقق لاحقاً، حيث أُنشئت عين شمس في العهد الملكي، فيما أُنشئت أسيوط في العهد الجمهوري.و للعميد أيضاً دور-بقدر أو آخر- في تأسيس معهد التمثيل.  وبالرغم من كونه وزيراً للتعليم إلا أنه وقف بقوة مع حقوق المعلمين في إنشاء نقابة لهم، وأصدر قراراً  بهذا الصدد خلال توليه الوزارة ، ولعل مبادرته هذه وبما تنطوي عليه من احتمالات قوية باصطدامها  معه كوزير يمثل الحكومة في القطاع التعليمي هي المبادرة الأولى من نوعها يتخذها وزير ليس في مصر في فحسب بل والعالم العربي بأسره .كما بذل طه حسين بصفته وزيراً جُل جهده لإنشاء مركز ثقافي عربي في الجزائر إبان وقوعها تحت ربقة الاستعمار الفرنسي،وهو كان وراء فكرة تأسيس "المعهد المصري للدراسات الإسلامية" التي تحققت في أواخر النظام الملكي قبل إسقاطه من قِبل ضباط ثورة يوليو 1952.كما بذل مساعيه لإنشاء معهد أو مركز ثقافي في الجزائر، وكان يخطط لإنشاء مثله في أثينا وروما. وعميد الأدب العربي بذل قصارى جهده أيضاً مع الحكومة اليونانية لمساعدة مصر في إنشاء كرسي للدراسات الهيلينية في جامعة الإسكندرية، هذا بخلاف الأفكار والمبادرات الأخرى العديد لإنشاء صروح علمية أخرى سواء تحققت خلال حياته،أم تحققت بعد رحيله. 

صحيفة البلاد

2024 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .