الإجابة القصيرة وليس بالضرورة أن تتحقق في المدى القصير: دافعو الضرائب الإسرائيليون بمساندة دافع الضرائب الأميركي وبلدان الاتحاد الأوربي وممولي إسرائيل من الشركات ذات اللوثة العقائدية والمصالح الاقتصادية، فكل ما دفعوه لم يحقق أمناً ولا استقراراً، بل يجلب عند كل منعطف رفضاً من جلّ دول العالم، وخير دليل العدد الهائل للدول التي تصوت بالرفض لما قامت وتقوم به إسرائيل.
ولا عواطف جياشة في الإجابة أعلاه، إذ لابد أن نتذكر ويتذكر العالم أن الطغيان (الطغيان يعني في اللغة العربية تجاوز الحد المعقول في الظلم) الإسرائيلي لم يبدأ يوم السابع من أكتوبر، لكنه تحور من طغيان حقوقي واجتماعي-اقتصادي إلى طغيان مُنكر للإنسانية مُعرّبد عسكرياً مستخف بالحياة الإنسانية بالبنية التحتية والبنية الإنتاجية.
لن أكرر ما تتناقله الوسائط الإعلامية كل يوم مما تفعله آلة القتل الإسرائيلية بالفلسطينيين المدنيين العزل، لأبين مالا تتناقله تلك الوسائل بذات الزخم، وكأن الجوع والمرض والامتهان الإنساني أصبحت مسلمات لا تستحق التناول!.
يخسر اقتصاد غزة البائس كل أسبوع 1 %، بالقياس الدول تقوم وتقعد إن انكمش اقتصادها 1 % في عام. فقد الاقتصاد الفلسطيني حتى الآن 5 % من ناتجه المحلي الإجمالي للعام 2023، وإن استمرت الحرب على غزة حتى نهاية السنة، فمن المتوقع -حسب تقديرات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي- أن يفقد الناتج المحلي الإجمالي 12% من قيمتهِ.
وحتى قبل الحرب الحالية على غزة، فالحصار على مدى ما يقارب العقدين، ترك هوةً بين التنمية الاقتصادية في غزة ومثيلتها في الضفة الغربية. ووفقاً لتقديرات صندوق النقد الدولي، ففي العام 2022، بلغ دخل الفرد في غزة ربع نظيره في الضفة الغربية، فضلاً عن أن معدل البطالة في القطاع بلغ 45 % العام 2022. وغني عن القول إن هذا التجويع لم يحدث مصادفة بل نتيجة للحصار الذي تفرضه إسرائيل وللسياسات الاقتصادية التي تمارسها حتى تبقي البطالة مسيطرة والفقر سائد في القطاع، فالقيود التي تفرضها إسرائيل على وصول وحركة العمالة والسلع تعيق -إن لم تشلّ- التجارة والقدرة الإنتاجية في كل من الضفة الغربية وغزة، وبطبيعة الحال فالقيود أكثر قسوة في حال غزة.
ونتيجة لحصار غزة وحروب إسرائيل المتكررة على القطاع منذ عام 2008، أصبح الاستثمار في القطاع غير مجدي حتى في المنافع الضرورية كالكهرباء، وأصبح المانحون يترددون؛ فما سيبنونه اليوم ستدمره القنابل غداً! وكما نشاهد حالياً، لا حصانة عند إسرائيل لشيء؛ مستشفى، برج سكني، مدرسة، أو محطة كهرباء.
القيود الاقتصادية وسياسات الطغيان الحقوقي والاقتصادي الإسرائيلية ضد المدنيين في غزة لم تأت إلا بنتيجة واحدة تتكرر وهي: تضحية إسرائيل بأمنها الذي تظن أنها تحصنه وتحميه؛ فهي تطغى وتمتهن وتُجَوّع، وتستمر في ممارسة تلك الضغوط سنيناً متواصلة، فما الذي تحصده؟ ردة فعلٍ تزعزع نظرية الأمن الإسرائيلي من الجذور.
الآن، هل تحطيم إسرائيل لكل شيءٍ في غزة سيحقق لها أهدافها في الأمن والاستقرار؟ لا، والسبب أن تجربة المُجَرّب نقص عقلٍ. أما الذي لم تجربه إسرائيل حتى الآن فهو أن تسعى سعياً حثيثاً لتحقيق حل الدولتين، عوضاً عن العيش في حالة إنكار للواقع والتقوقع في ظلمات "عقدة ثبات" (fixation complex) باحثةً عن الأمن والاستقرار في دوامات الطغيان والتقوي على المدنيين العزل واستلاب حقوقهم، والإمعان في إرهاق الأرواح البريئة، وحرق الأموال الطائلة، وتبديد الوقت الثمين، ومعاودة ذلك كرات وكرات وكرات.