العدد 5206
الأحد 15 يناير 2023
banner
قهوة الصباح سيد ضياء الموسوي
سيد ضياء الموسوي
لقد كانوا بشرًا (٣)
الأحد 15 يناير 2023

إنهم بشر مهما بدوا أمامنا اقوياء ولا يتوجعون. وبقدر ثقل المسؤولية بقدر ما يكون الوجع كبيرا. كلما كبرت المسؤوليات احتاج هذا الكبير قلبا حانيا وعاطفة تمنحه الحب وتسكن أوجاعه وتخفف حزنه وتربت عليه كطفل. هكذا هي الطبيعة البشرية، أطفال بدواخلنا تحتاج من يمنحها الاهتمام. 
كان فيكتور هيجو في فرنسا أيقونة الأدب الفرنسي، وكانت رواياته أشبه بأرغفة تساعد المهمشين على هضم وجع الواقع. نسج روايته “أحدب نوتردام” والتي تعكس قيمة الحب في إزالة الإعاقة النفسية وتشوه الذات من قبح المنظر إلى جمال الروح في علاقة فتاة بأحدب مبتذل، قادته بحبها الى الثقة بالذات وحب الحياة. كان هيجو يرمم أوجاع المجتمع، لكن قلبه كسر برحيل ابنته، حيث قرأ فكتور هوغو خبر غرق ابنته في جريدة الصباح عندما كان يتناول القهوة مع حبيبته، وكان تأثير الخبر مدمرا، فكتب قصيدة يصف فيها حزنه وصدمته. “كما كتب عدة قصائد تصف حياة ابنته وموتها”.
هؤلاء العظماء بشر مثلنا يفقدون أحبة، ينكسرون من حب، يصابون باكتئاب حاد لفقد حبيب، ولكن السؤال المهم:هل يمتلكون آلية الخروج من الوجع فيعيشون السعادة من جديد؟ ليس كل كبير أو فيلسوف أو فنان أو مبدع يمتلك القدرة على صداقة الوجع بواقعية، فالخروج من الوجع أمام الضعف البشري يحتاج إلى ثقافة خاصة، وتقنية وأدوات للتصالح معه. أنصح بقراءة كتاب (السماح بالرحيل) للدكتور هاوكينز. لقد لاذ فيكتور هيجو لحبيبة كي ينسى وجع الحياة، فماذا لو لم يكن الإنسان بلا حبيبة. يقول جبران خليل جبران “سلاما على من يعرفون معنى الحب ولا يمتلكون حبيبا”.
 الكاتبة الإنجليزية القديرة فيرجينا وولف غزلت بكلماتها حرير الكلمات بمعاني ذهبية إلا أنها عانت منذ الصغر من تحرش أخيها حتى تحول إلى عقدة نفسية لم تعالجها فقادت لموتها. الوجع تفاقم لأنها لم تعالجه، وكبر مع الأيام حتى تحول إلى حبل مشتقة. ذهبت إلى البحيرة ذات يوم وألقت نفسها مرتدية ثوبا مثقلا بالصخور فماتت غريقة مع وجعها الكبير. وجود الزوج لم يخفف الأفكار الانتحارية لديها. كل وجع هو فكرة في العقل، أزل الفكرة من العقل ينته الوجع من القلب. النفس البشرية بحاجة إلى متابعة دائما أمام تقلبات الحياة كي لا تتحول الجروح إلى أضرحة. مشكلة فرجينا تركت جرح الطفولة يكبر حتى تحول إلى وحش يأكل نفسها. إذا عشت جرحا حاول علاجه. كذلك الأمر بالنسبة للاديبة مي زيادة. 
كانت متعلقة بأمها وأبيها، والتعلق مرض نفسي ورق سيكولوجي وعبودية نفسية؛ لهذا عندما فقدتهما أصيبت بصدمة عاطفية حولتها إلى كتلة حزن لآخر يوم من عمرها. لاحظوا أنه حتى علاقة حبها بجبران خليل جبران لم تكن سليمة. ماذا يعني أن تعشقي رجلا لا تلتقين به إلا عن طريق المراسلة؟. هذا عطش عاطفي لا ترويه الرياح. هكذا هم الفلاسفة والمبدعون.. حياتهم وجع، ويزداد الوجع إذا لم يحسنوا تقنية فن إدارة الجرح. أغلبهم سقطوا في امتحان الحياة، من همنجواي إلى ألبير كامو إلى أوسكار وايلد إلى آرثر رامبو إلى جان جنيه إلى تشايكوفسكي ومايكوفيسكي الخ. لقد كانوا بشرا مهما بدوا كبارا.

صحيفة البلاد

2024 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية