العدد 4572
الأربعاء 21 أبريل 2021
قهوة الصباح سيد ضياء الموسوي
الإنسان ليس عمود كهرباء
الأربعاء 21 أبريل 2021

تتغير قناعات البشر عما كانوا عليه إما بسبب ضعف بشري أو بسبب صدمة معرفية أو سيكولوجية أو اهتزاز سياسي أو لقناعات معرفية أو بسبب صدمة حضارية أو لمصلحة عامة أو شخصية. في النهاية البشر يتغيرون. فالشاعر الفرنسي الكبير آرثر رامبو كان ثوريا على كل شيء في المجتمع، متمردا على الجمود، شعره يدعو للنهوض والثورة وعندما ذهب لإفريقيا هاربا من الحب وسوط المجتمع التجأ إلى تجارة العبيد.

نزار قباني كان يدافع عن المرأة، لكنه من جهة أخرى يقول في إحدى قصائده: ((عشرين ألف امرأة أحببت)). محمود درويش دافع عن القضية الفلسطينية، لكنه وقع في حب امرأة إسرائيلية، ولما علم بأنها جندية في الجيش الإسرائيلي تركها واختار وطنه. الكاتب الكبير الأمريكي الفائز بجائزة نوبل إرنست همنجوى كان مختلفا في رواياته عما اختاره من موقف مصيري، فكتب رواية (العجوز والبحر)) تحكي عن ثبات الإنسان وصبره وقوته في مواجهة الحياة، لكن الكاتب على الأرض كان مصابا باكتئاب. وكتب ((وداعا للسلاح))، لكنه انهار في لحظة من اللحظات، فلم يودع السلاح، بل قبض على السلاح، وأطلق النار على نفسه وانتحر. جان جاك روسو الفيلسوف الفرنسي ألَّف كتابه في التربية بعنوان (إميل)، لكنه ترك أبناءه في ملجأ وهرب.

الكاتب الروسي دوستويفيسكي دافع عن الهدوء وأهمية راحة البال والهروب من البشر، إلا أنه قضى أكثر عمره مقامرا في الكازينوهات حتى اضطر إلى بيع بعض رواياته بأقل الأثمان؛ بسبب إدمانه على القمار، وهو الخبير بأعماق النفس البشرية. فأي هدوء مع القمار؟ قال عنه فرويد: “دوستويفسكي معلِّمٌ كبيرٌ في علمِ النفس. لا أكادُ أنتهي من بحثٍ في مجالِ النفسِ الإنسانيةِ، حتى أجدَ دوستويفسكي قد تناولَه قبلي في مؤلَّفاتِه” .

نفسه فرويد كتب عن علاج الإدمان، وهو كان مدمنا على التدخين بشراهة. دايل كارينجي ألَّف كتاب (دع القلق وابدأ الحياة) إلا أنه مات مكتئبا، وكتب عن الصداقة في كتابه (كيف تكسب الأصدقاء وتؤثر في الناس)، ورغم ذلك مات وحيدا من غير أصدقاء. فرجينا وولف كاتبة إنجليزية رائعة دافعت عن المرأة، لكنها قتلت المرأة عندما قتلت نفسها بإلقاء نفسها في النهر، حيث هدم هتلر منزلها قرب النهر، وكانت تشتكي فقد أمها منذ الصغر وتحرش أخويها، فسبب لها اضطرابا نفسيا.

الشاعر المتنبي مدح كافور الأخشيدي قائلا: وهبني قلت هذا الصبح ليلا أيعمى العالمون عن الضياء؟ وهو نفس الذي ثار على كافور، وكتب فيه: ((مَنْ عَلّمَ الأسْوَدَ المَخصِيّ مكرُمَةً أقَوْمُهُ البِيضُ أمْ آبَاؤهُ الصِّيدُ)). عبدالله بن المقفع ترجم كليلة ودمنة، وثار ضد الطغيان عبر رمزية كتابته على لسان الحيوانات، وقد تأثر بها الكاتب جورج أورويل في (مزرعة الحيوان) في نقده لستالين وقمعه، لكن ابن المقفع خالف بعض ما طرح.

الظروف والسياقات التاريخية كفيلة بتغير البشر وقناعاتهم. أنا لست في موقع الحكم على البشر، ولكن ما أريد أن أوصله أن الحياة ليست أسود أو أبيض. نيتشه هذا الفيلسوف الكبير الذي دعا إلى التحرر والوجودية ببعض صورها، ونظّر عن الإنسان الحر في كتابه (هكذا تحدث زرادشت) هوى على رجل امراة لعوب (نعومي) يطلب يدها، فرفضته فسقط أسيرا للعشق والتعلق المرضي وهو الذي يدعو للتحرر.

بدايات حسين مروة والجواهري والأديب السعودي محمد العلي تختلف في التغيرات، ما بين البداية والنهاية من الانتقال إلى الاستقلال أو إلى الماركسية أو الليبرالية أو اللاانتماء كما هو كتاب (اللامنتمي) للكاتب الإنجليزي كولن ولسون. الأديب الروسي تولستوي صاحب إبداعية (السلم والحرب) كان ارستقراطيا، يعيش في القصور، وإذا به يترك زوجته وأبناءه ويهب كل ما عنده من أراض للفقراء حتى مات أمام محطة مطار وحيدا. وعندما تقرأ الجدل الشرس لفولتير وروسو وغيرهما تقول كيف لهولاء الداعين للحوار يتحاورون فيما بينهم بتجريح وخصومة فاقعة.

النفس البشرية في تغير إما إيجابا أو سلبا، لكن الحياة تقود الإنسان الى البحث عن الحقيقة؛ لأن الإنسان ليس عمود كهرباء هو في تغير سواء سلبا أو إيجابا نحو الخير أو الشر. ولا غريب أن نرى الفيلسوف الفرنسي البيركامو الذي رسخ نظرية العدمية في فلسفته للوجود أن يموت من حادث مركبة على الطريق متذبذبا بين العدمية وبين نظريات أخرى. في محاولاتي الحفرية الاركيولوجية، رحت أبحث عن سيرة العظماء، فوصلت لقناعة أنهم في تغير مستمر، وهم يبحثون عن الحكمة. فمن يصدق أن ابن خلدون كان يؤمن أن الشمس باردة؟ لو جاء اليوم لغير رأيه.

السيد فضل الله، المرجع الكبير، العبقري الأنيق، من الذين آمنوا بطهارة الإنسان، أكان هذا الإنسان مؤمنا أو كافرا. فمن عجائب الدنيا السبع، التي لم أؤمن بها في الفقة إطلاقا، القول (بنجاسة الإنسان غير المؤمن). هذه تحتاج إلى مسح من الفقه الإسلامي وإلغاء تام هل تتصور أنك تقوم بمصافحة ستيف جوبز أو غاندي، ثم تقول له آسف، سأذهب لأغسل يدي؛ لأنك غير طاهر؛ كونك لست مسلما؟!!!. التقيت السيد فضل الله في بيروت، وفي اليوم الثاني ذهبت لأسمع محاضرة للسيد، وكان صوت موسيقى بيتهوفن يملأ ذات القاعة التي عادة ما يقوم السيد بالمحاضرة فيها. دخلت المكتبة العامة للسيد، فوجدت كتبا لفلاسفة ومفكرين عرب وغربيين وروايات عالمية. في اعتقادي السيد فضل الله قاد تحولا في الفقه الإسلامي، وفتح نوافذه لأكسجين التغيير. فقه السيد مر بتحولات أيضا أكثر انفتاحا.

لا يمكن أن يكون الناس نسخة واحدة، يلبسون لباسا واحدا، ويقرأون صحيفة واحدة وبتفكير واحد. الاختلاف إثراء. المهم، خذ ما تجده صحيحا، ولا يجب عليك أن تقبل بكل شيء، ولا إنسان كامل، وحتى القمر له جانب مظلم، المهم يجب أن نحرر العقل البشري من تمثيل دور القاضي والمحكمة والمطرقة في تصدير أحكام قطعية على البشر.

التعليقات

2021 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية