+A
A-

دكتور أحمد آل سعيد: التشخيص المبكر مفتاح النجاة من أورام العظام السرطانية

د. أحمد آل سعيدمن المعروف أن السرطان عادةً يصيب الأعضاء الحيوية مثل الرئتين والكبد، أو الأنسجة مثل الدم، إلا أنه قد يظهر أيضًا في العظام، حيث تُعد أورام العظام من السرطانات النادرة. ومع الاكتشاف المبكر، قد يكون بالإمكان السيطرة عليها، بينما بعض الأنواع العدوانية تنتشر بسرعة إلى أجزاء أخرى من الجسم، ما يقلل بشكل كبير من فرص الشفاء. ولكن، هل كل ورم في العظام سرطاني؟ وكيف يمكن التمييز بين الأورام الحميدة والخبيثة؟ يجيب عن هذه التساؤلات الدكتور أحمد محمد صالح آل سعيد، استشاري أورام العظام وتبديل المفاصل في مستشفى الهلال بريمير، وهو أول طبيب بحريني يتخصص في هذا المجال النادر.

وشدد الدكتور أحمد آل سعيد على أهمية التشخيص المبكر والمتابعة الدقيقة لضمان أفضل فرص للنجاة، مشيرًا إلى أنه بفضل التطورات الحديثة في علاج أورام العظام، يستطيع المريض العودة إلى الحياة الطبيعية بعد العلاج، بعد أن كان الخيار العلاجي الوحيد سابقًا هو البتر.  كما أكد ضرورة عدم إهمال العلامات التحذيرية، ويمكنكم التعرف على هذه العلامات ومزيد من التفاصيل في اللقاء الكامل مع الدكتور أحمد محمد صالح  آل سعيد.

ما المقصود بأورام العظام؟ وهل كلها أورام سرطانية؟

لدينا الجهاز العظمي والأنسجة المحيطة به، والتي نُسميها الأنسجة اللينة أو الرخوة، مثل العضلات، والأنسجة الدهنية، والأعصاب.

يشمل الجهاز العظمي العظام الطرفية، وهي عظام الذراعين، والعظام الممتدة من منطقة الحوض إلى الأسفل، بالإضافة إلى العمود الفقري. أي سرطان أو ورم يصيب هذا الجهاز العظمي يُعد ورمًا عظميًّا.

كما تشمل الطبقات التي تغطي العظم العضلات، وتمر خلالها الأعصاب، والشرايين، والأوردة، إضافة إلى النسيج الدهني، ثم الطبقة الخارجية وهي الجلد.

أورام الجلد تندرج تحت اختصاص الأمراض الجلدية، أما أي ورم يقع تحت الجلد، سواء في الذراعين، أو الفخذين، أو منطقة الحوض، فيُعد من اختصاص جراحة العظام.

وتُسمى هذه الأورام أورام الأنسجة الرخوة أو اللينة، إلى جانب الأورام العظمية.

ما هي أنواع الأورام العظمية؟

لدينا بشكل عام في الأورام العظمية ثلاثة أنواع: الأورام الحميدة، والأورام الخبيثة (السرطانية)، إضافة إلى نوع ثالث يُسمى الأورام الشرسة.

الأورام الشرسة تقع بين الحميدة والخبيثة، وتتميز بأنها قد تعاود الظهور بعد العلاج، بنسبة تتراوح ما بين 10 إلى 30 %.

أما الأورام التي تصيب الأنسجة الرخوة، والتي نقصد بها بشكل أساس النسيج الدهني (الشحومات) والعضلات، فهي تنقسم أيضًا إلى نوعين: إما أورام حميدة، أو أورام خبيثة.

 

هل هناك عوامل وراثية أو بيئية تزيد من احتمالية الإصابة؟

أغلب الأورام في الجهاز العظمي والجهاز العضلي ليس لها سبب رئيس مباشر.

هناك عدة عوامل محتملة، وقد يكون العامل الجيني أحدها، إلا أن نسبته تُعد بسيطة، إذ إن أغلب الحالات لا تكون ناتجة عن سبب وراثي.

ولا يزال الطب الجيني قيد البحث والدراسة والتطور، ومن الممكن في المستقبل أن يوضح لنا أن بعض الأورام لها علاقة بطفرات جينية.

 

ما هي أبرز الأعراض التي لا يجب تجاهلها وقد تشير إلى وجود أورام في العظام؟

أي مريض، سواء كان طفلًا أو بالغًا، إذا ظهرت لديه هذه العلامات، يجب أن ينتبه لها ويتوجه إلى الطبيب المختص.

من أبرز هذه العلامات الألم المستمر دون سبب واضح، خصوصًا إذا كان الألم في منطقة معينة من الجسم مثل الفخذ أو الذراع، ولا يزول مع المسكنات الاعتيادية مثل البروفين أو البندول. ويُعد هذا الألم أكثر خطورة إذا كان يزداد سوءًا أو يظهر أثناء الليل، ويعتبر من أهم العلامات التي لا يجب تجاهلها، خصوصًا إذا لم يكن هناك أي إصابة سابقة.

كما يعتبر التورم غير المؤلم والذي يزداد حجمه مع الوقت علامة مقلقة تستدعي مراجعة الطبيب وإجراء الفحوصات اللازمة، فلا يجب تجاهلها. وبالمثل، فإن حدوث كسور دون إصابة واضحة غالبًا ما يشير إلى وجود مشكلة في العظم، قد تكون مرتبطة بوظائف العظام نفسها مثل اضطرابات الكالسيوم أو فيتامين د، أو بوظائف الكبد، أو قد تكون بسبب وجود ورم أو سرطان، لذلك فإن الكسر دون سبب واضح يُعد مؤشرًا مهمًّا يستدعي التقييم الطبي. كذلك، أي انتفاخ يزداد حجمه مصحوبًا بتورم أو احمرار يعد أمرًا مقلقًا ويحتاج إلى اهتمام طبي فوري.

أما العلامات التحذيرية الأخرى، خاصة لدى كبار السن أو من تجاوزوا سن الخمسين أو الخامسة والخمسين، فتشمل فقدان الشهية، ونقص الوزن غير المبرر، والتعرق الليلي. وتلك الأعراض المصاحبة تنبه الطبيب إلى وجود مشكلة في الجسم، ومن ضمن الاحتمالات وجود ورم.

تُعد هذه أبرز العلامات التي لا يجب على المريض تجاهلها.

 

ما هي الفحوصات التي تُحدِّد الأورام؟

لا بد أولًا من أخذ التاريخ المرضي للمريض ومعرفة القصة المرضية بدقة؛ إذ يُعد التاريخ المرضي خطوة أساسية، ولا يمكن التوجّه مباشرة إلى الفحوصات الإشعاعية أو المخبرية المعقّدة دون تاريخ مرضي مفصّل.

ثانيًا يأتي الفحص السريري، وهو خطوة لا يمكن الاستغناء عنها. فعلى سبيل المثال، إذا كان لدى المريض كتلة، يتم فحصها سريريًّا، وقد يتبيّن من خلال التاريخ المرضي والفحص السريري أنها حالة التهابية وليست ورمًا.

بالتالي، تبدأ الخطوات بأخذ التاريخ المرضي، ثم الفحص السريري، وبعد ذلك ننتقل إلى الفحوصات التقليدية، والتي تشمل تحاليل الدم الروتينية للتأكد من عدم وجود التهاب، أو هبوط في مستوى الهيموغلوبين، وكذلك سلامة وظائف الكبد والكلى.

بعدها ننتقل إلى الفحوصات الإشعاعية، والتي تبدأ عادة بالأشعة السينية (X-ray). فإذا كانت المشكلة في العظام، فلا بد من البدء بالأشعة السينية العادية. أما في حال وجود كتلة في الأنسجة الرخوة، فيُبدأ بالأشعة فوق الصوتية، وقد يُستكمل التقييم بالرنين المغناطيسي.

الورم الحميد لا ينتشر، وبمجرد علاجه – مثل استئصاله جراحيًا – تنتهي المشكلة. أما الورم الخبيث ) السرطان ( فيتميّز بالقدرة على الانتشار عبر الدم أو الجهاز اللمفاوي إلى أعضاء أخرى، مثل الكبد والرئتين والغدد اللمفاوية، وينطبق هذا الفرق سواء كان الورم عظميًّا أو نسيجيًّا.

ويُعد الحكم الفاصل بين الورم الحميد والخبيث وجود علامات تحذيرية تظهر في الفحوصات الإشعاعية، وعند الاشتباه بورم خبيث لا بد من أخذ خزعة لتأكيد نوع الورم ودرجته، ومن ثم البدء بالعلاج.

 

العلاج لا يكون بيد طبيب واحد، بل يتم من خلال فريق طبي متكامل يضم جرّاح الأورام، وطبيب الأورام الباطنية، وطبيب الأشعة، إضافة إلى طاقم تمريضي متخصص، ويعمل الجميع تحت إدارة مركز الأورام، مثل مركز البحرين للأورام في مستشفى الملك حمد.

 

هل التشخيص المبكر ممكن أن يُحدث فرقًا؟

التشخيص المبكر مهم جدًا، لأنه قد يُغنينا عن الجراحة وعن العلاجات المعقدة، ويحمي المريض من كوارث في المستقبل – لا سمح الله. فالوقاية خير من العلاج، وإذا ظهرت هذه الأعراض على أي مريض، فعليه البحث عن طبيب مختص لإجراء الاستشارة اللازمة.

 

ما هي الخيارات العلاجية؟

في حال كان الورم حميدًا، مثل اللايبوما، وهو أكثر الأورام شيوعًا، فإن العلاج يكون بالاستئصال الجراحي الكامل، وغالبًا تحت التخدير الكلي.

أما الأورام الخبيثة، فهناك أنواع عديدة تشمل الأورام العظمية والأورام النسيجية، وقد تصل أنواعها إلى المئات. ويُعد الحكم الفاصل في تحديد الخطة العلاجية هو الخزعة، إضافة إلى الفحوصات الإشعاعية المتقدمة مثل الأشعة الطبقية، والأشعة النووية، أو فحص PET-CT  scan، والتي تُجرى في مستشفى الملك حمد لتحديد مدى انتشار المرض.

الخزعة تحدد نوع الورم ودرجته تحت الميكروسكوب، بينما تحدد الفحوصات الإشعاعية مدى انتشاره في الجسم. وبناءً على هذه المعطيات، تُحدَّد طريقة العلاج: هل يكتفى بالاستئصال الجراحي، أم يحتاج إلى استئصال مع مسافة أمان كاملة  360 درجة لتقليل احتمالية عودة الورم.

وبحسب تقرير أخصائي الأمراض المختبرية ونتائج اجتماعات الفريق الطبي، قد يتطلب العلاج إضافة علاجات مساندة، مثل العلاج الكيميائي، أو الإشعاعي، أو الهرموني.

شهد علاج أورام العظام تطورًا كبيرًا؛ ففي السابق كان الخيار العلاجي الوحيد هو البتر. أما اليوم، فقد أصبح من الممكن استئصال الورم مع الحفاظ على الطرف، وهو ما يتطلب طبيبًا مختصًا ومدرّبًا، يعمل ضمن فريق متكامل مع أطباء العلاج الكيميائي والإشعاعي.

 

ما دور العلاج الكيميائي أو الإشعاعي في علاج أورام العظام؟

تعتمد أغلب البروتوكولات المتبعة في مستشفى الملك حمد، وِفق المعايير العالمية، على إعطاء العلاج الكيميائي قبل العملية الجراحية وبعدها.

يهدف العلاج قبل العملية إلى تقليص حجم الورم، مما يسهل استئصاله، بينما يهدف العلاج بعد العملية إلى تقليل احتمالية عودته.

أما العلاج الإشعاعي، خاصة في الأورام النسيجية الخبيثة، فيُستخدم لتقليل خطر رجوع الورم.

ويحتاج المريض إلى متابعة دورية دقيقة؛ إذ تكون المتابعة في السنة الأولى كل ثلاثة أشهر، ثم كل ستة أشهر في السنوات التالية، وتمتد عادة من خمس إلى سبع سنوات، وتشمل الفحوصات الإشعاعية وتحاليل الدم واجتماعات الفريق الطبي. وبناءً على نتائج المتابعة، قد يحتاج المريض إلى تدخل علاجي إضافي، لذلك لا يُترك دون متابعة مستمرة.

 

هل يستطيع المريض بعد العلاج العودة إلى الحياة الطبيعية؟

نعم، ولكن أهم شيء هو اتباع تعليمات الطبيب المعالج. بعد العملية، سيحتاج المريض إلى تعليمات من خلال المعالج الطبيعي، لأننا في النهاية نسعى إلى إنقاذ الطرف. في هذه الحالة قد يتم تركيب مفصل، وهذا المفصل يمكّن المريض من الحركة.

قد يكون هناك عرج، وقد يكون هناك قِصر في الأطراف، ولكن نسبة العودة إلى الحياة الطبيعية قد تصل إلى أكثر من  95%، ويتمكن المريض من ممارسة حياته بصورة طبيعية.