الفهم لا يحتاج إلى أذن بل إلى لغة مشتركة للتواصل
زينب فايز: الصمت ليس فراغا بل لغة كاملة.. ولغة الإشارة أعادت تشكيل إنسانيتي
عالم الصم بلا صوت ولا ضجيج ولا همس، عالم هادئ لا يقطعه سوى تمتمات متمردة غير مفهومة وخافتة، بلا معالم واضحة. هكذا كانت زينب فايز ترى هذا العالم من خلال اثنين من جيرانها من هذه الفئة.
لكن كل شيء تغير بعد زيارتها الأولى لجمعية الصم، حيث عاشت الدهشة والانبهار، فوجدت عالما مختلفا، ينبض بالحياة، تستخدم فيه لغة خاصة للتواصل. فأدركت أن هناك صوتا داخليا ينبض في قلوب الصم، صوتا لا يسمعه الآخرون، وبأصابع أيديهم يرسمون الملامح وكل التفاصيل، فتنطق الحروف التي يدركونها وحدهم، وتنسج كلمات واضحة تمثل لغة التواصل بينهم.
ومن هنا بدأ الشغف؛ لتقرر تعلم لغة الإشارة بعد أن أدركت أن الصم قادرون على التواصل بطلاقة، وأن هذه اللغة قادرة على إيصال أي معلومة. بدأت رحلتها بالتعلم الذاتي، وطورت قدراتها حتى وصلت إلى إقامة ورش تدريبية، باعتبارها وسيلة لدمج الصم في المجتمع، ولتكون صوتا لهم. وساهمت في مشروع طلابي لفكرة مبتكرة تسهم في التطور في مجال لغة الإشارة. زينب أدركت وأثبتت أن الفهم لا يحتاج إلى أذن، بل يحتاج إلى لغة مشتركة للتواصل.
فهي تؤمن أن الفهم الحقيقي يبدأ عندما نختار أن نرى بعيوننا. وأن الصمت ليس فراغا، بل لغة كاملة. ولغة الإشارة أعادت تشكيل إنسانيتها، ولا حدود لطموحاتها؛ إذ تحلم بأن تخصص في المستقبل مكانا لتعليم لغة الإشارة بمستويات متعددة، ونشرها بشكل أفضل وأوسع، وبتخصصات متنوعة، إيمانا منها بحق الصم في التواصل والاندماج الكامل في المجتمع. مزيد من التفاصيل في هذا اللقاء الذي أجرته “صحتنا” مع مترجمة لغة الإشارة الملهمة..

بدايات تعلم اللغة
أوضحت زينب فايز أن بداية رحلتها مع لغة الإشارة كانت عندما بدأت تعلمها في الصف الأول الثانوي تقريبا بالعام 2016، حيث كانت في البداية ترغب في تعلم أشياء جديدة، ووقتها لم يكن هناك أحد من أقرانها مهتما بلغة الإشارة، فكان ذلك بالنسبة لها اكتشافا جديدا تتعلمه في وقت الفراغ.
وأضافت أن أول من دعمها وحاولوا تعلم اللغة هم عائلتها وصديقاتها، وحتى معلماتها في المدرسة، إذ كان لهن دور كبير في تقوية شخصيتها وتعلم كيفية التحدث أمام الجمهور.
بداية تعرفها على فئة الصم
وبينت أنها لم تكن تعرف معنى «الصم»، ولم تصادف أحدا من هذه الفئة، وتتابع: «لكنني أتذكر أن جيراننا كان لديهم اثنان من فئة الصم، لكن وقتها لم أكن مدركة أنهم يتحدثون بلغة الإشارة، ولم يكن لدي اهتمام بمعرفة ذلك، ولم يكن لدي تواصل مباشر مع الصم أيضا. وكان أول تواصل لي معهم حين زرت جمعية الصم لأول مرة، وانبهرت بالمجموعة الموجودة وكيف يتحدثون مع بعضهم».
الصعوبات
ولفتت إلى أنها واجهت صعوبة كبيرة في التطور، بسبب أنها لم تكن تختلط بالصم، وهذا تعده تقصيرا منها؛ لأن الصم كانوا على الدوام فاتحين مجالسهم وأماكنهم، ويستقبلون ويدعون الجميع للحضور، خصوصا في المناسبات.
ولم تكن تتقن لغة الصم، فكان التعليم ذاتيا، وكانت تحاول أخذ الإشارات وتنمية قدراتها، وهذا أخذ منها وقتا كبيرا.
وأضافت أنها واجهت مشكلة في التعلم، إذ لم تكن هناك مستويات متقدمة للتطور أكثر وأكثر، وأخذ ذلك كذلك سنوات طويلة لتصل إلى مرحلة الترجمة، فاختلاف اللهجات والإشارات يتطلب مشاركة وتواصلا مستمرين مع الصم، ومع كل فترة يكون هناك تحديث للإشارات وتعلم أكثر.
وتصف أول ورشة ولقاء أقامتهما لتعليم اللغة بأنهما كانا معبأين بشعور الخوف والتوتر، لكن تفاعل المجتمع كان مؤثرا بشكل إيجابي جدا، وكان التوفيق حاضرا.
التجربة الأولى مع الترجمة الفورية
ولفتت إلى أن في بدايات رحلتها مع الترجمة الفورية، كانت ضعيفة جدا، وكان هناك اجتماع مهم عليها أن تترجمه، وكان ذلك صعبا جدا لوجود كلمات لا تعرف إشاراتها، وكونها مبتدئة أيضا. شعرت حينها بالعجز والإحباط، لكنها تلقت دعما من الشخص الذي كان من المفترض أن تترجم له، فطمأنها وشجعها على مواصلة التطور.
كل شخص من فئة الصم أضاف لها
وأشارت إلى أن هناك شخصا من فئة الصم، بعد توفيق رب العالمين، كان له فضل كبير في تعليمها أساسيات اللغة، وترى أنه من الواجب عليها أن تذكره. كما أن كل شخص من فئة الصم قابلته رحب بها، وأضاف لها، ونصحها وشجعها، فكل شخص صادفته في رحلتها في مجال لغة الإشارة أضاف لها.
المساهمة في مشروع ريادي لفئة الصم
وأشارت إلى أنها ساهمت في إنشاء مشروع ريادي لطلبة من جامعة البحرين (Voicemate)، قائم على إيجاد حل لفئة الصم. حيث تواصل معها طلبة من تخصص تقنية المعلومات (IT) كانت لديهم فكرة مبتكرة ورائعة تسهم في التطور في مجال لغة الإشارة، وهي عبارة عن جهاز مترجم يحول الكلام المسموع إلى لغة الإشارة والعكس، باستخدام تقنية الذكاء الاصطناعي.
وكانت هذه المجموعة شديدة الطموح، إلا أن مدى مساهمتي في هذا المشروع تمثل في تزويدهم بالإشارات وكيفية أدائها، ليتم تحويلها عبر الذكاء الاصطناعي إلى صوت مسموع، والعكس كذلك.
مفاهيم خاطئة
فندت بعض المفاهيم الخاطئة، مثل الاعتقاد بأن «الصم» لا يمكنهم التواصل، في حين أن غالبيتهم يتواصلون بطلاقة بلغة الإشارة، وبعضهم يتكلمون صوتيا بعد التدريب، وكذلك الاعتقاد بأن لغة الإشارة «عالمية»، بينما لكل دولة لغة إشارة خاصة بها، مثل العربية والإنجليزية، موضحة أنه ليس كل كلمة لها إشارة، ولكن يمكن التعبير عنها بطرق أخرى.
كما أشارت إلى الاعتقاد الخاطئ بأن الشخص الأصم أقل ذكاء أو قدرات، مؤكدة أن الصمم إعاقة سمعية فقط، وليس له علاقة بالذكاء أو المهارات.
ونبهت إلى خطأ التسمية الشائعة «صم وبكم»، مؤكدة أن التسمية الصحيحة هي: «الصم وضعاف السمع».
تعليم لغة الإشارة في المدارس
وشددت على ضرورة أن تكون لغة الإشارة موجودة في المدارس، بحيث تقدم كحصص إثرائية وليس مادة أساسية.
وأضافت أن المدرسة هي أساس التعليم، ولو كان في كل صف 30 طالبا وتعلموا أساسيات لغة الإشارة، لتمكنوا من التواصل مع أي شخص أصم في المستقبل.
وتقوم الفكرة على أن يأخذ الطفل تصورا وفهما عن فئة الصم، وأن تكون لديه لغة إضافية تفيده في الحياة.
لغة الإشارة ثقافة جديدة
ولفتت إلى أن تعلم لغة الإشارة يعود بالفائدة على الشخص القادر على السمع نفسه، فهي ثقافة يضيفها إلى ثقافاته ولغاته التي يتقنها، وتفتح مجالا أوسع للصم للتواصل مع الجميع دون خجل أو خوف، كما تسهل عليهم الانخراط في المجتمع، فتكون حياتهم أسهل، ويصبحون قادرين على التواصل في أي مكان.
الصمت لغة كاملة
وقالت: تعلمت أن الصمت ليس فراغا، بل لغة كاملة. في الصمت رأيت المشاعر قبل الكلمات، وفهمت أن العيون واليدين تقولان ما تعجز الأصوات عن قوله.
تعلمت أن الإنصات الحقيقي لا يكون بالأذن فقط، بل بالحضور، وأن أحيانا أكثر ما يقال هو ما لا ينطق. الصمت علمني أن الاحترام يبدأ من الإصغاء،
وأن التواصل الصادق لا يحتاج دائما إلى صوت… بل إلى قلب منتبه».
أعادت تشكيل إنسانيتها
وقالت إن لغة الإشارة لم تضف لها مهارة فقط، بل أعادت تشكيل إنسانيتها، وهي تؤمن أن الفهم الحقيقي يبدأ عندما نختار أن نرى بعيوننا.
وتضيف: “يكفيني أن أقول إن كل تجربة معهم تركت أثرا، ليس لأنها حكاية مميزة، بل لأنها مسؤولية وأمانة، وأثرها الحقيقي باق في القلب… لا في الكلام”.
مكان لتعليم لغة الإشارة
وأشارت إلى أنها تطمح إلى أن تكون بمستوى أفضل أولا، وأن تكتسب خبرة أكبر في المجال، وأن تخصص في المستقبل مكانا لتعليم لغة الإشارة بمستويات متعددة، لنشر لغة الإشارة بشكل أفضل وأوسع، وبتخصصات متعددة.
جهود واضحة
أشادت بالجهود الواضحة والكبيرة للوزارات الحكومية، مثل وزارة الداخلية وخط الطوارئ، وكذلك وزارة الصحة وتمكين الإشارة، خصوصا خلال فترة جائحة كورونا، إذ كان هناك توفير للترجمة لجميع التفاصيل.
دعم أكبر من الجهات الرسمية
وتمنت زينب أن يكون هناك دعم أكبر من الجهات الرسمية، مثل توفير مترجمين في المؤسسات، وتضمين لغة الإشارة في المدارس كحصص إثرائية، وتسهيل وصول الصم إلى الخدمات دون عوائق، مبينة أن دمجهم مسؤولية مشتركة، ومن حقهم أن يعيشوا جميع الفرص مثل أي شخص آخر، فلغة الإشارة ليست وسيلة تواصل فقط، بل هي حق الصم فعليا في أن يكونوا جزءا من المجتمع، وأن لديهم أفكارا وإبداعات ومهارات تحتاج إلى دعم أكبر.
لغة مشتركة للتواصل
واختتمت حديثها بالقول: «إن لغة الإشارة قادرة على إيصال كل فكرة ومعلومة ومشاعر، دون أن يحتاج الشخص إلى أن يسمع أو يتكلم بصوت، ففي لغة الإشارة نبدل الصوت بإشارات اليد وتعابير الوجه. وقد أثبتت أن الفهم لا يحتاج إلى أذن، بل يحتاج إلى لغة مشتركة للتواصل».
