د. رحاب المرزوق تدعو إلى التوسع في دمج أطفال التوحد بالمدارس
لكل مرض محددات واضحة تتمثل في أعراض ثابتة، وفحوصات تشخيصية، وعلاجات معروفة. غير أن بعض الاضطرابات، كاضطراب طيف التوحد، تعد اضطرابا نمائيا شاملا وواسعا لا يخضع لأعراض موحدة وثابتة، وتتفاوت حدتها وملامحها تفاوتا كبيرا من حالة إلى أخرى. كما لا توجد فحوصات مخبرية أو تحاليل دم قاطعة لتشخيصه، إذ يعتمد التشخيص أساسا على التقييم السريري والسلوكي. ورغم غياب علاج شاف يعالج جوهر الاضطراب، فإن التدخلات السلوكية والتأهيلية تؤدي دورا محوريا في تحسين قدرات المصابين وجودة حياتهم، ما يجعل فهم هذا الاضطراب أكثر تعقيدا وتشابكا.
ولفهم اضطراب التوحد بصورة أعمق، وتسليط الضوء على جوانبه الغامضة، وتفنيد المفاهيم الخاطئة المرتبطة به، كان لـ«صحتنا» لقاء مع استشارية طب الأطفال النمائي د. رحاب المرزوق، التي شددت على أهمية التوسع في دمج أطفال التوحد في المدارس، دون استثناء، حتى الحالات الشديدة. كما حذرت من أن الاستخدام المفرط للأجهزة الإلكترونية قد يؤدي إلى أعراض سلوكية تشبه التوحد، نافية في الوقت ذاته وجود أي علاقة بين لقاح MMR والتوحد، ومؤكدة عدم جدوى الحميات الغذائية كعلاج له، ومشددة على أن التوحد اضطراب عصبي تطوري، وليس نتيجة لسوء التربية أو لبيئة عائلية غير مناسبة. وفيما يلي نص اللقاء:
أكدت استشارية طب الأطفال النمائي د. رحاب المرزوق، أنه لا يوجد تحليل دم أو أشعة تشخص التوحد، فالتوحد اضطراب نمائي يؤثر على التواصل والسلوك والمهارات الاجتماعية، ويشخص بناء على ملاحظة السلوك، وتأخر الكلام، وضعف التفاعل الاجتماعي، ووجود سلوكيات تكرارية.
وقالت: “عند الحديث عن الاستبانات، فإننا نتحدث عن مجموعة من الأعراض المتكررة، وهذه الأعراض لا تقيم عبر أسئلة عامة فقط، بل تخضع إلى نظام تقييم (scoring)، وليس مجرد استبانة عادية”.
حالات تتشابه مع التوحد
ومن الطبيعي أن تتشابه الأعراض مع أعراض اضطرابات أخرى، بل حتى مع بعض الأشخاص الطبيعيين الذين قد تظهر لديهم عرضٌ أو اثنان دون أن يعني ذلك تشخيص التوحد أو طيف التوحد، إذ إن عدد الأعراض ونسبتها وشدتها هي العامل الحاسم في التشخيص. وهذا الأمر شائع في جميع الأمراض، إذ لا يوجد مرض تكون أعراضه حصرية له فقط.
وأضافت أن من أكثر الاضطرابات التي تتشابه أعراضها مع التوحد اضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة، كما قد تتشابه بعض الأعراض مع حالات الإعاقة الذهنية. إلا أنه عند النظر إلى اللغة والتطور العام، نجد أنها تكون غالبا طبيعية لدى الأطفال المصابين باضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة، بينما تكون هذه السلوكيات مقصودة لدى الأطفال المصابين بالتوحد.
موضحة أن لذلك يسمى طيفا، إذ لا يمكن حصره في خصائص محددة، وقد يتشابه مع اضطرابات أخرى مثل متلازمة رِت، التي تختلف عنه بوجود طفرات جينية محددة وبانتشارها أكثر لدى الإناث، في حين أن التوحد أكثر شيوعا لدى الذكور. كما أن بعض هذه الحالات قد تشهد انتكاسات في القدرات الحركية، وهو ما يميزها عن التوحد؛ فقد يكون الطفل قادرا على الجلوس أو الحبو أو المشي، ثم في بعض الأحيان تحدث انتكاسة، فيفقد القدرة على المشي أو الجلوس.
وبينت أنه رغم أن التفرقة بينها ليست صعبة، فإن بعض العوامل قد تتشابه مع التوحد، خاصة خلال فترة كوفيد 19 نتيجة العزلة التي تعرض لها الأطفال. فالأطفال بطبيعتهم يحتاجون إلى التفاعل والاختلاط لضمان تطورهم الطبيعي، لكن خلق بيئة انعزالية لحمايتهم من الأمراض قد يؤدي إلى بقاء الطفل لفترات طويلة على الأجهزة الإلكترونية، ما ينعكس سلبا على التواصل البصري، خاصة في السنوات الأولى الحاسمة من العمر. لذلك، قد تظهر تشابهات سلوكية بين الأطفال في هذه الظروف.
ولفتت إلى أن الأعداد المسجلة ازدادت، لكن ليس لأن التوحد أصبح أكثر انتشارا، بل لأن الوعي زاد، والتشخيص أصبح أدق، وتم دمج فئات متعددة تحت “طيف التوحد”. وتشير الدراسات إلى أن زيادة الوعي والتقبل المجتمعي من أهم أسباب ارتفاع تشخيص حالات التوحد، إذ كانت بعض الحالات تعد طبيعية أو متوسطة الشدة دون تشخيص واضح في السابق. ومع تقنين الأعراض وتوضيح معايير التشخيص، بدأت هذه الحالات تشخص بشكل أدق، ما أدى إلى ظهور أعداد أكبر، خصوصا بعد توسع عمل العيادات التطورية. لذلك، فإن زيادة الأعداد المبلغ عنها تعكس تحسن التشخيص أكثر من كونها زيادة فعلية في الحالات.
مفاهيم خاطئة
وفندت خرافة منتشرة عن التوحد، وهي أن التوحد سببه سوء التربية أو إهمال الوالدين، مؤكدة أن هذا خطأ تماما، فالتوحد اضطراب عصبي تطوري، وليس نتيجة لتربية أو بيئة عائلية.
وتابعت أنه من المهم تأكيد أن التوحد لا ينتج عن سبب واحد محدد، بل عن مجموعة عوامل محتملة، وهو ما يجعل تحديد سبب واحد أمرا صعبا. وقد أثير سابقا جدل حول لقاح MMR (لقاح الحصبة والنكاف والحصبة الألمانية)، إلا أن جميع الهيئات الطبية العالمية، مثل منظمة الصحة العالمية (WHO)، ومراكز السيطرة على الأمراض (CDC)، والأكاديمية الأميركية لطب الأطفال، أكدت بشكل قاطع عدم وجود أي علاقة بين لقاح MMR والتوحد. وتعود هذه الفكرة إلى دراسة قديمة نشرت بالعام 1998، تبين لاحقا أنها مزيفة وتم سحبها رسميا، فيما أكدت أكثر من 20 دراسة واسعة أجريت على ملايين الأطفال عدم وجود أي ارتباط بين اللقاح والتوحد. ويعد لقاح MMR لقاحا آمنا وضروريا للوقاية من أمراض خطيرة.
الحميات الغذائية لا تجدي
وأشارت إلى أنه فيما يخص الغلوتين والكازين وغيرها من الأنظمة الغذائية، فقد أظهرت الدراسات عدم جدواها كعلاج للتوحد. فالحمية الخالية من الغلوتين أو الابتعاد عن حليب البقر قد تفيد فقط الأطفال الذين يعانون من حساسية أو عدم تحمل لهذه المواد، لكنها لا تعالج التوحد نفسه، وتستخدم فقط كعامل مساعد وتحت إشراف طبي. كما لا توجد أدلة علمية تربط السكر أو المواد الحافظة أو الأطعمة المعلبة بحدوث التوحد، وإن كان ضبط السكر مفيدا للصحة والسلوك عموما.
وفيما يتعلق بـ الأوميغا 3، بينت أنه يساعد في تحسين الانتباه أو اللغة لدى بعض الأطفال، لكنه ليس علاجا للتوحد، ويستخدم فقط كعامل مساعد، وليس بديلا عن التدخلات السلوكية والعلاجية الأساسية.
الأجهزة الإلكترونية لا تسبب التوحد
وأكدت أن الأجهزة الإلكترونية لا تسبب التوحد؛ لكن الاستخدام المفرط قد يؤدي إلى أعراض تشبه التوحد مثل تأخر الكلام، وضعف التواصل البصري، وسلوكيات متكررة، وتتحسن غالبا عند تقليل الشاشات.
فتوصي منظمة الصحة العالمية بعدم استخدام الشاشات نهائيا قبل السنتين، ومن 2 - 5 سنوات: ساعة واحدة يوميا، وأكثر من 6 سنوات: وقت محدود وتحت مراقبة.
طيف واسع وتفاوت في القدرات
ولفتت إلى أن التفاوت في حدة التوحد يعود إلى أن التوحد طيف واسع يختلف فيه الأطفال في اللغة، والذكاء، والسلوك، والتفاعل، والحساسية الحسية. وحسب التصنيف العالمي، هناك مستويات: المستوى الأول يحتاج دعما بسيطا، والمستوى الثاني يحتاج دعما واضحا، أما المستوى الثالث فيحتاج دعما كبيرا ومستمرا.
ويتميز التوحد أيضا بتفاوت كبير في القدرات؛ فقد يكون بعض الأطفال غير قادرين على النطق، بينما يتمتع آخرون بقدرات استثنائية في مجالات مثل الرياضيات أو الهندسة أو اللغة. وقد تبدو بعض التصرفات عادية للبعض، لكنها غير مفهومة للآخرين، خاصة عند الأطفال ذوي مستوى ذكاء مرتفع. هذا التفاوت في الفهم والسلوك شائع جدا في التوحد ويعد من سماته الأساسية.
وقالت: “يعد معامل الذكاء (IQ) من أكثر العوامل تأثيرا في تفاوت القدرات لدى أطفال التوحد، إذ تساعد القدرات الذهنية الجيدة بعض الأطفال على محاكاة السلوكيات الطبيعية والتعلم بصورة أفضل. وفي المقابل، يمتلك باقي أطفال طيف التوحد القدرة على التأقلم والتعلم أيضا، لكن تنفيذ هذه المهارات يكون أبطأ وأقل كفاءة”.
ولفتت إلى أنه يمكن للأطفال المصابين بالتوحد أن يتحسنوا مع الوقت، وكثير منهم يحقق تقدما كبيرا مع التدخل المبكر، وجلسات ABA، وتعديل السلوك، ودمج مدرسي صحيح.
وأشارت إلى أنه توجد درجات وأنواع داخل طيف التوحد، إذ تصنف بعض الحالات بحسب معامل الذكاء (IQ)، حيث يكون لدى بعض الأطفال ذكاء طبيعي. ومع ذلك، لا يمكن اختزال التوحد على أنه مجرد مشكلة في التواصل فقط، لأن بعض الأطفال، حتى وإن كانوا قادرين على الكلام، يفهمون اللغة بشكل حرفي.
وذكرت أنه يلاحظ دائما وجود فروقات فردية بين أطفال التوحد؛ فبعضهم يمتلك معامل ذكاء مرتفعا جدا، بينما تكون الغالبية بذكاء متوسط أو أقل من الطبيعي. وهذه الفروقات هي التي تؤدي إلى الاختلافات الواضحة بينهم.
وأكدت أنه لا توجد أدوية تعالج التوحد، لكن يمكن استخدام أدوية للتحكم بأعراض مصاحبة مثل فرط الحركة، والقلق، ونوبات الغضب، واضطرابات النوم، والاكتئاب، فالأدوية مساندة وليست علاجا أساسيا.
دمج أطفال التوحد في المدارس ضرورة
وبينت أنه يمكن لطفل مصاب بالتوحد الاندماج في مدرسة عادية، لأن الكثير من الأطفال في المستوى الأول والثاني يستطيعون الالتحاق بالمدارس العادية مع دعم مناسب، ومعلم ظل، وخطة تعليم فردية (IEP)، ودعم لغوي وسلوكي.
وأضافت أنه حتى في المراحل المتأخرة يمكن الدمج، ويعتمد أساسا على إمكانات الدمج المتوافرة في المدارس، وليس على قدرات الطفل المصاب بالتوحد. ففي بعض الدول، مثل كندا، يطبق الدمج بشكل واسع، مع الاستعانة أحيانا بـ التعليم الظلي أو الدعم الفردي داخل الصف.
وشددت على أنه يمكن حتى للحالات الشديدة المشاركة في الدمج، والمقصود هنا الدمج في البيئة المدرسية، وليس بالضرورة في نفس المحتوى الأكاديمي، إذ قد يكون الدمج في الأنشطة المختلفة مثل الأنشطة الرياضية.
وقالت: “يهدف الدمج إلى أمرين أساسيين: تعويد الأطفال الآخرين على تقبل الاختلاف، وفي الوقت نفسه تهيئة الطفل ذو الاحتياجات الخاصة للمجتمع، حتى لا يعيش في بيئة معزولة، ما يساعده على التفاعل بشكل طبيعي مع الآخرين”.
وعن استقلالية طفل التوحد في المستقبل، أشارت إلى أنه يعتمد على مستوى التوحد، والقدرات، والتدخل المبكر، فكثير من الأطفال يمكنهم الدراسة، والعمل، والاستقلال في السكن، وتكوين علاقات، خصوصا مع الدعم المبكر والمناسب.
