أثبتت للمرة الأولى في التاريخ أن العلاج المناعي يمكنه علاج السرطانات المقاومة للمناعة
د. أنوار المساعد أول بحرينية رائدة عالميا بالعلاج المناعي والدقيق لأورام الجهاز الهضمي
مر يوم الطبيب البحريني، وتسلطت الأضواء على إنجازات الطبيب البحريني وعطاءاته داخل المملكة، وشاركت صحيفة “البلاد” بملف مميز احتفى برواد المهنة وأبطالها. لكن خارج الحدود، هناك أطباء بحرينيون يبدعون بصمت وخلف الأضواء، يرفعون اسم البحرين عاليا في الولايات المتحدة وأوروبا ودول عديدة حول العالم. «صحتنا» تضيء على بعض من قصص نجاحهم.
د. أنوار محمد باقر سعيد المساعد، إحدى هؤلاء المبدعين؛ فقد برزت في الولايات المتحدة، حيث تعد، على الرغم من صغر سنها، أول بحرينية رائدة على المستوى العالمي في مجال العلاج المناعي والدقيق لأورام الجهاز الهضمي. وتقود اليوم أحد أكثر برامج أورام الجهاز الهضمي نشاطا وتطورا في الولايات المتحدة الأميركية، وقد نشرت بحوثها في أهم المجلات العلمية العالمية، ونالت العديد من الجوائز، من بينها زمالة هيلمان للبحث المبتكر في السرطان. كما تم اختيارها لتمثيل مركز هيلمان في برنامج القيادة والتنوع التابع لرابطة مراكز السرطان الأميركية (AACI)، تقديرا لتميزها العلمي والقيادي. في رصيدها أكثر من خمسين تجربة سريرية قادتها، أبرزها تجربة STELLAR-303 التي ترى أنها محطة فارقة في مسيرتها العلمية والمهنية، لأنها أثبتت، للمرة الأولى في التاريخ، أن العلاج المناعي يمكن أن يحقق فائدة ملموسة حتى في السرطانات التي كانت تعد «مقاومة للمناعة»، وهي تجربة شكلت نقلة نوعية في علاج سرطان القولون والمستقيم. واليوم، وهي تترأس أحد أقسام الأورام في واحدة من أعرق المؤسسات الطبية في العالم، تعد من أبرز وأشهر أطباء الأورام في جيلها على المستويين الدولي والعالمي. وتشغل حاليا منصب بروفيسور مشارك في كلية الطب بجامعة بيتسبرغ، ورئيسة قسم أورام الجهاز الهضمي في مركز هيلمان للسرطان التابع لجامعة بيتسبرغ الطبية، وهو مركز رائد ومعتمد من المعهد الوطني الأميركي للسرطان كمركز متميز شامل للبحوث السرطانية. “صحتنا” التقت بها في لقاء خاص عن تجربتها وانجازاتها.
من جامعة الخليج إلى مركز هيلمان للسرطان
بدأت د. أنوار المساعد مسيرتها الطبية في جامعة الخليج العربي في البحرين، حيث نالت درجة البكالوريوس في العلوم الطبية وشهادة الدكتوراه في الطب، قبل أن تنتقل إلى الولايات المتحدة، حيث أنهت برنامج الإقامة في الطب الباطني في جامعة ميزوري، كانساس سيتي، ثم أكملت تدريبها المتقدم في أمراض الدم والأورام وأورام الجهاز الهضمي في مركز جامعة كانساس الطبي وكذلك جامعة ويسكونسن.
وانضمّت لاحقًا إلى هيئة التدريس في جامعة بيتسبرغ ومركز هيلمان للسرطان والأبحاث، حيث تقود اليوم أحد أكثر برامج أورام الجهاز الهضمي نشاطًا وتطورًا في الولايات المتحدة الأميركية، وتشغل أيضًا منصب رئيس لجنة سرطان القولون والمستقيم في مؤسسة NSABP، وهي شبكة بحثية كبرى مدعومة من المعهد الوطني الأميركي للسرطان.
قيادة لجنة سرطان القولون والمستقيم في مؤسسة – NSABP
ولفتت إلى أن لجنة سرطان القولون والمستقيم في مؤسسة NSABP – التي تعد واحدة من أعرق المؤسسات البحثية في تاريخ التجارب السريرية للسرطان في الولايات المتحدة – تلعب دورًا محوريًا في توجيه البحوث السريرية ووضع الاستراتيجيات العلمية التي تُشكّل مستقبل علاج هذا النوع من الأورام.
وقالت “بصفتي رئيسة اللجنة، أعمل مع مجموعة من أبرز العلماء والأطباء في أميركا والعالم على تقييم وتصميم التجارب السريرية الجديدة التي تدمج أحدث العلاجات المناعية والجزيئية مع الأساليب التقليدية مثل الجراحة والعلاج الإشعاعي. نحرص على أن تكون دراساتنا قائمة على أسس علمية دقيقة ومبنية على الاحتياجات الواقعية للمرضى، وليس فقط على الفرضيات النظرية”.
وأضافت أن من مهام اللجنة أيضًا مراجعة نتائج التجارب الجارية، وتحليل المؤشرات الحيوية، وتحديد الاتجاهات المستقبلية للأبحاث متعددة التخصصات، بحيث نربط بين المختبر والعيادة في منظومة واحدة متكاملة. نحن نعمل على بناء ما يمكن تسميته “خريطة طريق” لعلاج سرطان القولون والمستقيم في المستقبل، تُعنى بالعلم والابتكار لكن في جوهرها تضع الإنسان واحتياجاته في المركز.
وتابعت “بالنسبة لي، قيادة هذه اللجنة تمثل مسؤولية فكرية وأخلاقية في آن واحد، لأنها تتيح لي تأثيرًا مباشرًا على السياسات البحثية والعلاجية العالمية، وتمنحني الفرصة لتسليط الضوء على أهمية التعاون الدولي في مكافحة هذا المرض الذي يمسّ حياة ملايين الناس حول العالم.”
رائدة عالميًا في العلاج المناعي لأورام الجهاز الهضمي
تُعدّ د. أنوار المساعد، على صغر سنها، أول بحرينية رائدة على المستوى الدولي والعالمي في العلاج المناعي والدقيق لأورام الجهاز الهضمي، وهو مجال جديد يعد اكتشافًا تاريخيًا، إذ نشرت أكثر من ٣٠٠ بحثٍ ومقال علمي في هذا المجال، وقادت أكثر من ٥٠ تجربة سريرية لاستكشاف استراتيجيات علاجية مبتكرة لسرطانات الجهاز الهضمي. وتشمل إنجازاتها تجارب عالمية ودولية بارزة مثل دراسة PARAMUNE (S2303) التي تبحث في توليفات علاجية مناعية جديدة لسرطان المعدة والمريء، ودراسة STELLAR-303، وهي تجربة من المرحلة الثالثة شكّلت نقلة نوعية في علاج سرطان القولون والمستقيم.
نُشرت بحوثها في أهم المجلات العلمية العالمية مثل The Lancet، The Lancet Oncology، Nature Communications، JAMA Oncology، Journal of Clinical Oncology. وقد نالت العديد من الجوائز، من بينها زمالة هيلمان للبحث المبتكر في السرطان. كما تم اختيارها لتمثيل مركز هيلمان في برنامج القيادة والتنوع التابع لرابطة مراكز السرطان الأميركية (AACI) تقديرًا لتميزها العلمي والقيادي.
لعلاج المناعي نقلة نوعية في فهم السرطان
وأشارت إلى أن العلاج المناعي والدقيق هو ببساطة نقلة نوعية في طريقة فهمنا للسرطان وكيفية التعامل معه. فبدلاً من استخدام علاج واحد لجميع المرضى كما كان الحال في الماضي، أصبحنا اليوم نُصمِّم العلاج بناءً على الخصائص الجينية والمناعية الفريدة لكل مريض ولكل ورم.
وأضافت أنه يعتمد على تحفيز جهاز المناعة نفسه ليصبح قادراً على التعرّف على الخلايا السرطانية ومهاجمتها، تمامًا كما يفعل عند مواجهة أي عدوى. أما العلاج الدقيق فيعني فهم التفاصيل الجزيئية الدقيقة داخل الورم – كالجينات والبروتينات ومسارات الإشارات – واختيار العلاج الأنسب بناءً على تلك السمات الخاصة بكل مريض.
وبينت أنه بهذه الطريقة، يتحول العلاج من نهج عام إلى خطة علاجية «مفصّلة على المقاس»، هدفها تحقيق أقصى فاعلية بأقل ضرر ممكن.
بين العلاج المناعي والتقليدي
وأوضحت أن الفرق الجوهري بين العلاج المناعي والتقليدي هو أن العلاج المناعي والدقيق لا يهاجم الورم فحسب، بل يعيد تدريب الجسم نفسه ليقاوم السرطان من الداخل. بينما العلاجات التقليدية مثل الكيميائي والإشعاعي تعتمد على قتل الخلايا السرطانية بشكل مباشر، لكنها قد تؤثر أيضًا في الخلايا السليمة وتسبب آثارًا جانبية مرهقة.
أما العلاجات المناعية فتركّز على تنشيط الخلايا المناعية الطبيعية لتتعرف على الورم وتبقى في حالة تأهب حتى بعد انتهاء العلاج، ما يحدّ من احتمالات عودة المرض.
وقالت: “إن الطب الدقيق يمنحنا القدرة على اختيار الدواء المناسب في الوقت المناسب، بناءً على التحليل الجيني للورم، وهو ما يجعل العلاج أكثر فعالية وأقل عشوائية.
بكلمات بسيطة، يمكن القول إننا انتقلنا من مرحلة «علاج السرطان» إلى مرحلة «فهمه والتحاور معه علميًا»، وهذا هو جوهر الثورة الحديثة في علم الأورام.
تجربة STELLAR-303 محطة فارقة في مسيرتها
من بين أكثر من 50 تجربة سريرية قُادتها، اعتبرت تجربة STELLAR-303 محطة فارقة في مسيرتها العلمية والمهنية، وهي تجربة عالمية واسعة النطاق درست فيها مزيجًا مبتكرًا من العلاج المناعي مع مثبطات كيناز متطوّرة لدى مرضى سرطان القولون والمستقيم في مراحله المتقدمة.
وأشارت إلى أن هذه التجربة كانت لحظة تحول حقيقية لأنها أثبتت للمرة الأولى في التاريخ أن العلاج المناعي يمكن أن يحقق فائدة ملموسة حتى في السرطانات التي كانت تُعدّ «مقاوِمة للمناعة»، وهي خطوة غيّرت نظرتهم تمامًا لإمكانات هذا النهج العلاجي.
وقالت “ما يميز هذه التجربة ليس فقط نتائجها العلمية، بل أيضًا روح التعاون العالمي التي جمعت مراكز من أكثر من 16 دولة في أميركا وأوروبا وشرق آسيا وأستراليا، وجهود فريقي البحثي الذي كان له دور محوري في التصميم العلمي والتحليل النهائي للبيانات”.
وأضافت أنه على المستوى الشخصي، أكدت هذه التجربة أن الإصرار على الابتكار، حتى في أكثر أنواع السرطان تحديًا، يمكن أن يفتح آفاقًا جديدة ويمنح المرضى أملاً حقيقيًا في تحسين نوعية حياتهم وإطالة بقائهم.
بالنسبة لها، STELLAR-303 لم تكن مجرد دراسة سريرية، بل رسالة بأن الأمل لا يُقاس بالأرقام، بل بالشجاعة على خوض المجهول العلمي من أجل الإنسان.
من علاج المرض إلى فهم المرضى
وألمحت إلى أن مجال أورام الجهاز الهضمي خلال السنوات الأخيرة شهد قفزة غير مسبوقة على المستويين العلمي والتطبيقي، يمكن وصفها بأنها تحوّل من «علاج المرض» إلى «فهم المرضى».
وتابعت: “أصبحنا نعتمد اليوم على الطب الدقيق (Precision Medicine)، الذي يمكّننا من تحليل التركيبة الجينية والجزيئية لكل ورم، واختيار العلاج بناءً على بصمة كل مريض على حدة. هذا التوجّه جعل العلاج أكثر فعالية وأقل ضررًا، وفتح الباب أمام فرص حقيقية للشفاء في مراحل كانت تُعَدّ مستحيلة سابقًا”.
وأضافت أن التطور الثاني يتمثل في دمج العلاج المناعي مع العلاجات الموجّهة، ما أحدث ثورة في طريقة السيطرة على الأورام الصلبة مثل سرطان القولون والمستقيم والكبد والمعدة. لم يعد العلاج محصورًا في الأدوية التقليدية أو العمليات الجراحية، بل أصبحنا نُحفّز الجهاز المناعي للمريض ليصبح شريكًا في مقاومة الورم.
كذلك، فقد منحت التقنيات الحديثة في تحليل الدم (مثل الخزعة السائلة)، والذكاء الاصطناعي في تفسير الصور الطبية والأنماط الجزيئية، الأطباء القدرة على رصد المرض في مراحله المبكرة، وتوقّع احتمالات الانتكاس أو الاستجابة للعلاج بدقة عالية.
بين التفوق الأكاديمي والحنين للوطن
وعن أبرز التحديات التي واجهتها في بداية رحلتها من البحرين إلى الولايات المتحدة قالت: “كانت تجربة مليئة بالتحديات، لكنها في الوقت نفسه كانت رحلة بحث عن الحلم والإصرار على تحقيقه. فالانتقال من بيئة صغيرة متماسكة إلى نظام أكاديمي وطبي ضخم كالنظام الأميركي لم يكن سهلاً. واجهت في البداية تحديات التأقلم مع نظام صحي معقد يقوم على دقة البروتوكولات وسرعة القرار”.
وأضافت أن الحفاظ على الثقة بالنفس وسط بيئة تنافسية للغاية، كان أصعب تحدٍ، حيث كان عليها أن تثبت نفسها، ليس فقط كطبيبة أجنبية، بل كامرأة عربية تؤمن أن التميز لا تحدّه الجغرافيا.
العلم لا يعرف حدودًا
كانت تتعلم بسرعة، وتعمل لساعات طويلة، وتوازن بين رغبتها في التفوق الأكاديمي وحنينها الدائم إلى الوطن.
فلفتت إلى أنه مع مرور الوقت، تحولت تلك التحديات إلى قوة دافعة. فقد علمتها الغربة الصبر والانضباط، وعلّمها الطب الأميركي أن العلم لا يعرف حدودًا، وأن الإبداع يولد حين نُصرّ على التعلم من كل بيئة نمر بها.
واليوم، وهي تترأس أحد أقسام الأورام في واحدة من أعرق المؤسسات الطبية في العالم، تستحضر دائمًا تلك البدايات، لأنها كانت الأساس الذي بُني عليه كل إنجاز لاحق، ودليلًا على أن الإرادة يمكن أن تُحوّل التحدي إلى قصة نجاح عالمية.
انفتاح على التعاون مع مؤسسات بحرينية وخليجية
وأكدت أنه في الوقت الحالي، لا توجد شراكات بحثية رسمية قائمة بين مركز هيلمان وبين مؤسسات في مملكة البحرين أو في دول منطقة الخليج. ومع ذلك، فهم منفتحون جدًا على تطوير أو بناء جسور تعاون علمي إذا توفرت الفرصة، لاسيما في البحرين أو دول مجاورة، إذا كانت تمتلك إمكانات واعدة لإجراء بحوث نوعية ومؤثرة في مجال السرطان.
