+A
A-

د. علي العرادي مؤسس تخصص جراحة العظام ورائد المناظير الجراحية بالبحرين

رحلة البدايات دائما ما تكون صعبة ومعقدة، وتتطلب عزيمة وقدرات استثنائية لمواجهة مقاومة التغيير والخروج عن المألوف. ومن بين الذين أتقنوا صنع البدايات وقادوا التغيير في مجال الطب في البحرين، يبرز استشاري جراحة العظام والمفاصل د. علي العرادي، أحد الرواد الذين وضعوا اللبنات الأولى لقسم جراحة العظام، ليصبح أول تخصص ينفصل عن قسم الجراحة العامة.

أشعل فتيل شغفه بالطب، الطبيب نور الهدى، الذي عالجه في عمر الثالثة عشرة، من السل الرئوي، فكانت طيبته وبراعته الشرارة التي دفعته لاختيار الطب طريقا لحياته. ومن هنا كانت الانطلاقة التي قادته لاحقا إلى ريادة تخصص جراحة العظام في البحرين. كان أستاذه د. فيصل الموسوي، أول جراح عظام في البحرين، ملهمه الذي وجهه نحو هذا التخصص وسانده حتى ابتُعث إلى جامعة ايرلندا لاستكمال دراسته. وبعد عودته بالعام 1987 أصبح ثاني جراح عظام في المملكة، حاملا حلما عمل على تحقيقه بتأسيس قسم مستقل لجراحة العظام، في وقت كانت جميع التخصصات فيه تحت مظلة الجراحة العامة. ولاحقا أسس فروعا متعددة لجراحات العظام، ما أسهم في رفع كفاءة الخدمات الطبية وتنوعها. كان أول من أدخل تقنية المناظير في الجراحة، حيث أجرى أول عملية استئصال غضروف بالمنظار في البحرين، فاتحا بذلك مجالا جديدا ومتقدما في طب وجراحة العظام، ومؤسسا لمرحلة نقلت هذا التخصص إلى آفاق أوسع من التطور والتميز. وبجدارة واستحقاق، يُعد د. علي العرادي أب الجيل الحالي من جراحي العظام في البحرين؛ فقد أسس القسم بالتعاون مع د. فيصل الموسوي، ودرب معظم أطباء جيل التسعينات والألفية الثالثة، وعمل على إرسال وإيفاد عدد كبير منهم لتخصصاتهم المختلفة. وعن رحلة البدايات حتى الإنجاز، كان لـ “البلاد” هذا اللقاء معه.

كيف كانت حياتك الأولى مع الطب؟ حدثنا عن بداياتك معه.
كان حلمي دراسة الطب منذ أن كان عمري ثلاث عشرة سنة. في تلك الفترة كنت أعاني من مرض السل الرئوي، وكان من يعالجني هو د. نور الهدى، الذي غرس في حب الطب بحسن تعامله واهتمامه بالمريض وإنسانيته. كان ذلك بالعام 1965.
قررت أن أدخل كلية الطب بعد تخرجي، وقد حصلت على قبولين؛ أحدهما في جامعة حلب، والآخر في كلية الطب في البصرة، فاخترت البصرة. علمت بقبولي في البصرة وأنا في رحلتي إلى حلب عن طريق بغداد، بعد أن تصفحت مجلة «صدى الأسبوع» في الطائرة وقرأت اسمي ضمن أسماء الطلبة المقبولين في الجامعات العراقية، فغيرت مسار الرحلة إلى البصرة وقررت الدراسة في كلية الطب هناك.
واصلت دراسة الطب في جامعة البصرة وكنت من الأوائل فيها؛ إذ كنت السادس على الجامعة من بين قرابة 130 طالبا. كان ذلك بالعام 1976.
عدت إلى البحرين وبدأت أفكر في رسم مستقبلي في الطب. فبعد أن أنهيت سنة الامتياز في العراق، أجريت التدريب الأول في البحرين. كنت أخطط لتخصص جراحة الأطفال، لكن أستاذي د. فيصل الموسوي، وهو أول جراح عظام في البحرين، نصحني باختيار جراحة العظام. دعمني وواكبني في هذا التخصص، فالتحقت بجراحة العظام، وابتعثت إلى الجامعة الايرلندية بالعام 1982، وعدت بعدها ثاني جراح عظام في البحرين بعد د. فيصل الموسوي.
كيف كانت بدايات عملك وتأسيس قسم جراحة العظام؟
لم يكن هناك قسم لجراحة العظام؛ إذ كانت جراحة العظام ضمن قسم الجراحة العامة. فكان حلمي عندما رجعت إلى مستشفى السلمانية بالعام 1987 أن أعمل على إنشاء قسم لجراحة العظام.
ذهبت إلى أحد أساتذتي الذين دربوني وعلموني الجراحة، الأستاذ د. هقوبي عقوبيان، وأطلعته على المشروع وطلبت رأيه. وعندما قرأه قال لي: «يا علي، هذا من أجمل المشروعات التي تقدم، ولو كنت أنا رئيس قسم الجراحة العامة، لقلت لك بكل ود وأريحية: انفصل عن قسم الجراحة العامة، واعمل قسما لجراحة العظام».
باشرت العمل على المشروع حتى تمكنا من تأسيس القسم بالعام 1992، ليصبح تخصص جراحة العظام مستقلا عن قسم الجراحة العامة. وكان الهدف التطوير، الذي يفترض التخصص كما هو معمول به عالميا.
وضعنا خطة لدائرة جراحة العظام في ذلك الوقت، وطلبوا مني أن أعطي رؤيتي لعشر سنوات مقبلة، فقلت لهم إنه خلال عشر سنوات - بإذن الله - سيكون لدي عشرة استشاريين بحرينيين في دائرة جراحة العظام، ومعاونون كفاية، وستأخذ الدائرة دورها التخصصي العالي.
ما العمليات التي كانت تجرى آنذاك؟
بدأنا بإجراء عمليات استبدال المفاصل وعمليات التدخل البسيط باستخدام المناظير الطبية. وفي العام 1987 أجريت أول عملية استئصال غضروف بالمنظار في البحرين، في وقت كانت المناظير تستخدم للتشخيص فقط، لتصبح لاحقا وسيلة علاجية فعالة. ومع تطور القسم، تغير مفهوم علاج الكسور؛ فبعد أن كان المريض يمكث أشهرا في المستشفى، أصبح اليوم يغادره بعد يوم واحد من الجراحة ويمشي على قدميه.
ما دورك في تدريب الأطباء؟
الآن لدينا من الأطباء ما يفوق العشرين استشاريا في جراحة العظام، كلهم شباب واعدون، ولدينا جيل آخر ينتظر أن يصبح استشاريا، وهذا نتاج سياسة التطوير الصحيحة.
يمكن القول إنني أب الجيل الحالي من جراحي العظام. أسست قسم العظام بالتعاون مع د. فيصل الموسوي، إذ كان حينها وزيرا مساعدا، وعملت على إرسال وإيفاد معظم هؤلاء الأطباء. فلا يوجد طبيب في البحرين من جيل التسعينات والألفية الثالثة إلا وكنت قد درسته أو دربته، فمعظمهم تخرجوا على يدي بمجال جراحة العظام. لأنني في الوقت الذي كنت فيه رئيسا ومؤسسا لقسم جراحة العظام، كنت أستاذا مشاركا في جامعة الخليج العربي، ومستشارا في الجامعة الايرلندية أيضا.
ما أبرز التحديات التي واجهتك في تلك الفترة؟
التحدي الأول الذي واجهته عند عودتي هو عدم وجود اختصاص جراحة العظام، والتحدي الآخر ما أطلق عليه «مقاومة التغيير» من بعض الزملاء في القسم، ورفضهم التخصص والخروج من دائرة الجراحة العامة.
أما التحدي الثالث فكان في الميزانية، إذ لا يمكن التطوير دون وجود تمويل، لأنك تحتاج إلى ابتعاث أطباء ليتدربوا في التخصصات المختلفة. ففي السابق لم يكن هناك متخصصون في جراحة الظهر، ولم يكن أحد يجري عملياتها، أما الآن فلدينا من يجري عمليات الظهر، وآخرون للمفاصل، وآخرون لإصابات الملاعب والكتف. كل تخصص له مجاله، وكل ذلك يحتاج إلى ميزانية.
لكن عندما تكون منطقيا وعقلانيا في طرحك وتوجهك، فإن الدولة لن تتردد في دعمك، وهذا ما حصل.
ما أبرز الإنجازات التي تفتخر بها بفترة عملك في السلمانية؟
أهم إنجاز هو فصل جراحة العظام عن الجراحة العامة، لأن هذا ميز بشكل واضح أن هناك تخصصا مستقلا لجراحة العظام. ومن الإنجازات أيضا جعل الحالات تخصصية؛ ففي السابق كان جراح العظام يجري جميع العمليات، أما الآن فهناك تخصصات دقيقة.
ساهمت في تخصيص قسم العظام، وأسست فروعا متعددة، منها: فرع جراحة الظهر، وفرع عمليات استبدال المفاصل، وفرع جراحة العظام للأطفال، وجراحة الكتف والساعد. وهذه كلها تخصصات أصبحت موجودة الآن ويشار إليها بالبنان. وهذا، في رأيي، واحد من الإنجازات التي جعلت دائرة جراحة العظام في مجمع السلمانية الطبي يشار إليها بالبنان، ليس في البحرين فقط، بل في المنطقة أيضا.
فقد كان طلاب يأتون من الدول العربية ليتدربوا عندنا لينجحوا في شهادة التخصص في جراحة العظام في البورد العربي، لأنهم رأوا أن نسبة النجاح بين أطباء البحرين عالية، وهذا إنجاز وفخر لنا كأشخاص وكدولة.
ومن الإنجازات التي أفتخر بها أيضا أن الأطباء الذين دربتهم أراهم أمامي الآن ينافسونني كأساتذة وبجدارة، وهذا مبعث فخر كبير، لأن جهودنا قادت إلى هذه النتيجة الطيبة.

ما رسالتك في يوم الطبيب البحريني؟
أشكر الدولة على تخصيصها هذا اليوم، يوم الطبيب البحريني، فهذا اعتراف بدور الطبيب في المجتمع.
لدي ثلاث رسائل: إلى الدولة، وإلى الطبيب، وإلى المجتمع.
رسالتي إلى الدولة: الطبيب هو أساس الخدمات الصحية، وهو ركيزة التنمية البشرية في هذا البلد. الطبيب في الأساس من النخبة، من الأوائل في الثانوية العامة، يدرس ست أو سبع سنوات، ثم يعود ليعمل ويتخصص سبع سنوات أخرى. فعلى الدولة أن تراعي الطبيب، وأن تعطيه الدعم والزخم والمكانة الخاصة، وأن تدعمه ماديا ومعنويا، فهو يشرف على صحة الناس.
ويجب استيعاب الأطباء الخريجين العاطلين وتوظيفهم، أولئك الذين عادوا بأمل أن يخدموا البلاد كأطباء فوجدوا أنفسهم عاطلين.
فمن المهم جدا أن تمنح الدولة الطبيب البحريني الأهمية التي يستحقها، فهناك أطباء عاطلون، وأتمنى من الدولة أن تعطيهم الفرصة التي يستحقونها.
رسالتي إلى الأطباء: أنتم نخبة وخيرة المجتمع، ولابد أن تكونوا أصحاب خلق ورسالة لمجتمعكم. لا ينتابكم الجشع في عملكم، ويجب أن تعملوا بإخلاص بعيدا عن الربحية المفرطة. من حق الطبيب أن يحصل على مقابل عمله، ولكن في حدود المعقول ودون ابتزاز، بعيدا عن الفوقية، وأن تكونوا قدوة للناس.
رسالتي إلى المجتمع: يا مجتمع، الطبيب منكم وفيكم، وليس معصوما من الخطأ؛ فهو إنسان، وقد يخطئ في ظروف معينة. لذا يجب على المجتمع أن يحترمه ويقدره، وأن يساعده على أداء واجبه تجاه المجتمع.
الطبيب يحاسب إذا كان خطؤه عن جهل أو تراخ أو إهمال، لكن لا تعد المضاعفات أخطاء طبية. فمثلا، إذا وضع المريض على مضاد حيوي أو على مسيل للدم لتفادي الجلطات، ومع ذلك حدثت جلطة، فهذا لا يعد خطأ طبيا. فأنصفوا الطبيب، ومن حق أي إنسان أصيب بخطأ فعلي أن يطالب بالتعويض.