+A
A-

د. سمير العريض رائد طب الكلى بالبحرين ومؤسس “مركز يوسف خليل المؤيد”

من يزور مجمع السلمانية الطبي لابد أن يمر بمركز يوسف خليل المؤيد لأمراض وزراعة الكلى الواقع في واجهة المستشفى، هذا الصرح الذي يحتضن مرضى الكلى ويقدم لهم الرعاية والخدمات الطبية المتخصصة. غير أن قليلين يعرفون حكاية البداية؛ فخلف إنشاء هذا المركز يقف أحد الكفاءات الطبية التي تفخر بها البحرين، هو استشاري أمراض الكلى د. سمير محمد علي العريض، الذي كان صاحب الفكرة والحلم، وناضل من أجل تحقيقه، إذ كانت البداية مجرد فكرة طرحها على الوجيه يوسف المؤيد حتى أصبحت واقعا ملموسا.

يُعد د. سمير العريض من أبرز رواد طب الكلى في البحرين، وهو ثاني طبيب يتخصص في أمراض الكلى في مجمع السلمانية الطبي بعد د. أحمد سالم العريض، وهو مؤسس مركز يوسف خليل المؤيد لأمراض وزراعة الكلى بمجمع السلمانية الطبي، وهو أول تخصص في قسم الأمراض الباطنية يصبح دائرة مستقلة متكاملة.

وبرفقة د. أحمد العريض، ولاحقا المرحومة د. سمية غريب، رسموا الملامح النهائية لتخصص أمراض الكلى في البحرين وأرسوا دعائمه الراسخة، ثم سلموا الراية إلى الجيل الجديد الذي تدرب على أيديهم وواصل مسيرة التطوير والعطاء. ولمعرفة تفاصيل الحكاية كاملة، كان لـ “البلاد” لقاء مع د. سمير العريض.

تحدث عن بدايات تأسيس مركز يوسف خليل المؤيد لعلاج أمراض وزراعة الكلى؟

فكرة إنشاء وحدة خاصة بالكلى وُلدت في منزل الوجيه المرحوم يوسف خليل المؤيد، الذي كان يعاني من فشل كلوي في مراحله النهائية ويحتاج إلى علاج إحلالي كغسيل الكلى (الاستصفاء الدموي)، وكان هو المريض الوحيد في البحرين الذي يقوم بالغسيل الكلوي في المنزل. كنت أزوره في منزله للاطمئنان عليه ولأتفقد عملية الغسيل الكلوي لديه، وكان معروفا بأعماله الخيرية وتبرعاته السخية لوزارة الصحة في مجالات مختلفة.

وفي إحدى زياراتي له أثناء إجراء الغسيل الكلوي، بدأ يحدثني عما يشغل تفكيره من أعمال خيرية يخطط لها. ذكر لي أنه يحب القيام بالمشروعات الخيرية والإنسانية كبناء المساجد وإقامة المشروعات المختلفة لخدمة المحتاجين كالمرضى والأيتام وغيرهم.

حينها خطرت لي فكرة وتشجعت، فأخبرته أن مرضى الفشل الكلوي في البحرين في ازدياد مستمر، وهناك ضغط كبير على وحدة الغسيل الكلوي في السلمانية آنذاك، وقلت له إن حلمي أن يكون لدينا مركز خاص لعلاج مرضى الكلى.

فاستحسن الفكرة وواصلنا حديثنا المعتاد، وبعدها غادرت وهو ما يزال في جلسة الغسيل.

مرت الأشهر، وسافرت خارج البحرين لحضور مؤتمر طبي في أميركا، وحين عدت علمتُ بخبر وفاته، رحمه الله عليه.

وبعد مضي وقت من الزمن، ومن الأمور التي أسعدتني وأثرت في نفسي كثيرا أن أحد أفراد عائلة المؤيد الكرام أخبرني بأن الراحل أوصى بإنشاء مركز لأمراض وزراعة الكلى، لتكون تلك الجلسة سببا في ولادة فكرة المركز الذي أُنشئ لاحقا على نفقة عائلته، جزاهم الله خيرا.

ماذا أضاف المركز الجديد؟

في البداية كانت هناك وحدة صغيرة لغسيل الكلى في السلمانية تابعة لقسم الأمراض الباطنية، ولكن الازدياد كان مطردا جدا، فكانت وحدة غسيل الكلى الجديدة والمتطورة التابعة لمركز المؤيد حلا، وقدمت خدمات غير متوافرة في الوحدة القديمة.

وهذه الوحدة الجديدة قدمت الكثير، إذ بدأت تُجهز بأحدث الآلات ذات التكنولوجيا المتطورة، وافتُتح فيها قسم جديد للغسيل البريتوني (الاستصفاء البريتوني)، كما أُنشئت في المركز أقسام أخرى متفرعة وغرف مُعدة خصيصا لمرضى زراعة الكلى، كما افتُتحت عيادات خارجية مستقلة لأمراض وزراعة الكلى.

كل ذلك كان بجهود العاملين في المركز، وبدعم وتشجيع من الوزارة، وبعدما اكتمل تجهيز المركز وبدأ العمل فيه، تسلمته الوزارة بشكل كامل.

ما هو دورك في المركز؟

ما أفتخر به أنني كنت، منذ بداية فكرة إنشاء مركز يوسف خليل المؤيد لعلاج وزراعة الكلى، من القياديين الذين تولوا مسؤولية تأسيسه وإدارته، إلى جانب الأخ د. أحمد سالم العريض، حيث تناوبنا على رئاسة المركز. بدأنا بوضع الأسس وخطط العمل المستقبلية، بما في ذلك الخطط الفنية والطبية الخاصة بأمراض الكلى والعلاج الإحلالي أو التعويضي، مثل غسيل الكلى عن طريق الوريد أو الاستصفاء البريتوني أو زراعة الكلى. كما عملنا على تطوير العلاجات لأمراض الكلى الأخرى المختلفة، المزمنة وغير المزمنة، وكذلك للمرضى في وحدات العناية القصوى ممن يعانون من القصور الكلوي الحاد أو المزمن. كما عملنا على تطوير والنهوض ببرنامج زراعة الكلى الذي أصبح من أبرز إنجازات المركز.

كما حرصنا منذ البداية على تعزيز الدور التعليمي للمركز، فبدأنا مع بقية الزملاء بتكثيف الأنشطة التعليمية للأطباء المقيمين والممرضين، وتشجيع هذه الكوادر على التدريب في المجالات المختلفة في طب وزراعة الكلى خارج البحرين إقليميا وعالميا، وتم ابتعاثهم إلى مراكز تعليمية وتدريبية متميزة لهذا الغرض. والحمد لله عادوا بعد ذلك وقد أصبحوا استشاريين وقياديين يُحتذى بهم ويساهمون في إدارة المركز وتطويره. كما عملنا من البداية على أن يأخذ المركز دوره محليا وخارجيا، من خلال إقامة الندوات الطبية التثقيفية والفعاليات المتعلقة بطب الكلى، مثل فعاليات يوم الكلى العالمي والمشاركة الفعالة في المؤتمرات والفعاليات المقامة خارج المملكة. ولا أنسى الإشادة بالدور الكبير للمرحومة د. سمية غريب، رحمها الله.

كل ما سبق ذكره تمخض عنه، ليس فقط تطوير الخدمات في المركز، بل ومع مرور الوقت، توسع المركز وأصبح يضم 6 فرق طبية متخصصة تتعامل مع مختلف حالات أمراض الكلى، سواء المزمنة أو الحادة، بالإضافة إلى الزراعة والعلاج التعويضي كغسيل الكلى. إلى جانب ذلك، كان المركز يُجري بحوثا علمية متخصصة، وتحول لاحقا إلى مركز تدريبي مرتبط أكاديميا بكلية الطب في جامعة الخليج العربي، بالرغم من تبعيته الإدارية لوزارة الصحة، حيث يتدرب فيه طلاب كلية الطب تحت إشراف الطواقم الطبية القيادية، ليستفيدوا من الخبرة العملية، ويستفيد المرضى في الوقت نفسه من جودة الرعاية المقدَمة.

هذا إنجاز نفتخر به، ونكن لعائلة المؤيد المعروفة بتبرعاتها السخية لوزارة الصحة وفي قطاعات أخرى في البلاد كل التقدير والامتنان.

كيف بدأت رحلتك مع طب الكلى؟ وهل كنت من أوائل الأطباء المتخصصين بهذا المجال؟

بالنسبة لمستشفى السلمانية، لم تكن هناك دائرة كلى منفصلة، وكان تخصص الكلى موجودا ضمن التخصصات المتعددة في دائرة الأمراض الباطنية، ولم يكن تخصصا مستقلا. قبل قدومي، كان د. أحمد سالم العريض أول من بدأ بتقديم الخدمات الطبية لمرضى الكلى. حضرتُ بعد التدريب في أوروبا، خصوصا في دبلن – ايرلندا، وكذلك أخذتُ دورات مكثفة في كل من بريطانيا والسويد وأميركا، وبهذا كنت ثاني طبيب متخصص في الكلى في مجمع السلمانية الطبي.

عندما وصلت، لم تكن هناك دائرة مستقلة للكلى، فبدأنا أنا مع د. أحمد بتنظيم الاختصاصات المختلفة ذات العلاقة والتناوب على رئاسة القسم، ولاحقا تم إنشاء مركز يوسف المؤيد، وبدأت دائرة أمراض وزراعة الكلى في مستشفى السلمانية بالعمل لأول مرة كدائرة منفصلة عن بقية الدوائر الأخرى، لكنها مكملة لها.

كيف كانت حالة خدمات الكلى في البحرين قبل إنشاء الدائرة؟

الحقيقة أن القسم السابق تحمل المسؤولية بشكل كامل في وضع اللبنات الأولى، وعلينا أن نذكر هنا الأطباء المختصين الآخرين الذين ساهموا بلا كلل، وهم د. عبدالعزيز العريض من البحرين، د. صلاح الشرقاوي من مصر، د. راجا كوبالن من الهند. جميعهم بدأوا بتطوير القسم وتشجيع الكوادر البحرينية على الانخراط في تقديم خدمات اختصاص طب الكلى، كما تم استقدام أطباء من الخارج للغرض نفسه. فبدأ القسم يتسع تدريجيا، وأصبحنا نعمل بشكل أكبر على تطويره وخدماته حتى أصبح مركزا متخصصا.

كيف ومتى أصبح هناك دائرة خاصة بالكلى؟

كان قسم الكلى أول تخصص في الأمراض الباطنية في مستشفى السلمانية ينفصل ويصل إلى مرحلة أن يكون دائرة متخصصة بذاتها، لأن هناك متطلبات لإنشاء دائرة كاملة. والحمد لله، وصلنا إلى هذه المرحلة بحيث أصبح المركز قائما، وأقصد بذلك ليس الإدارة فقط، بل جميع مستلزمات إقامة دائرة متخصصة في طب الكلى، وتشمل الطواقم البشرية الطبية والتمريضية المتخصصة، والأقسام المختلفة المزودة بأحدث التجهيزات، وتوفر الخدمات الاختصاصية الأخرى المكملة، كالهندسية والتقنية منها.

بفضل هذه الخطط، أصبحنا دائرة مستقلة تماما عن دائرة الأمراض الباطنية، ولكن مكملة لبقية الاختصاصات الأخرى. كما قمنا باستقبال حالات الطوارئ، حيث توجد طواقم تابعة للدائرة ومتخصصة للتعامل مع حالات الطوارئ وحالات العناية القصوى.

ما أبرز الإنجازات التي تفخر بها خلال مسيرتك الطويلة في هذا المجال؟

إن أبرز إنجاز كان، بمساعدة الزملاء في الدائرة، أننا استطعنا إنشاء ما يُسمى بدائرة أمراض وزراعة الكلى، وهذا بحد ذاته، في رأيي، إنجاز كبير سيظل يخدم البلد مدى الحياة.

الإنجاز الثاني أننا طورنا العلاجات التعويضية، سواء في مجال زراعة الكلى أو في تطوير تقنيات تصفية الدم وغسيل الكلى.

أتذكر أننا كنا بحاجة إلى إجراء غسيل مستعجل لمريضة نُقلت من مستشفى آخر بصورة طارئة، حيث لم يتمكنوا هناك من عمل الغسيل لها. كانت المريضة تعاني من هبوط شديد في ضغط الدم مصحوب بفشل كلوي حاد بسبب انخفاض الضغط، مع عدم قدرة الكلى على الإدرار، بالإضافة إلى فشل في عضلة القلب، حيث في مثل هذه الظروف يتعذر عمل الغسيل الكلوي المعتاد لعدم تحمل المريضة وقلة كفاءته كعلاج في مثل هذه الحالات الطارئة. لذلك قمنا بعمل نوع آخر من الغسيل ولأول مرة يُجرى في البحرين، وكان العلاج عبارة عن استصفاء الدم الوريدي الوريدي المستمر (CVVHD)، بحيث يتم الغسيل بطريقة بطيئة ومستمرة على مدار 24 ساعة يوميا دون توقف حتى الشفاء، وذلك لإزالة السموم تدريجيا والحفاظ على ضغط الدم، وموازنة السوائل في الجسم دون تدهور وظيفة عضلة القلب نتيجة زيادتها.

كان هذا أول تحد لي، وبفضل من الله تعالى وتفاني وتكاتف الطاقم الطبي والتمريضي في وحدة الغسيل ووحدة العناية المركزة نجحنا في السيطرة على الحالة وإزالة الخطر، وبعد أسبوع خرجت المريضة من وحدة العناية المركزة دون الحاجة للغسيل، مع استقرار حالتها الصحية.

ويبدو أن هذا الحدث، كما أتذكر، كان قرابة العام 1996، أي منذ أكثر من ثلاثة عقود تقريبا. ولا تزال المريضة تنعم بالصحة والعافية وهذا ما نفخر به.

وقد شاركتُ في مواقع ولجان عدة بالعمل، سواء في لجان مختلفة كتلك المختصة بالأدوية أو بتنظيم أنظمة العمل الطبي في المركز. والحمد لله تمكنا من إدخال أدوية كانت في ذلك الوقت حديثة جدا وغالية الثمن، بالتعاون مع إدارة مجمع السلمانية ووزارة الصحة لتوفيرها، وبدأنا أيضا بإدخال آلات طبية ذات مزايا متطورة ومفيدة في إعطاء علاجات أكثر نجاعة لمختلف أمراض الكلى.

ومن الأشياء المهمة التي قمنا بها أيضا، بالتعاون مع ذوي الاختصاصات المختلفة، إنشاء وتكوين مركز كانو لغسيل الكلى في منطقة البستين، وعملنا على تأسيسه مع المرحومة د. سمية غريب.

وقد شغلت مناصب إدارية مختلفة، من رئيس وحدة أو رئيس دائرة إلى نائب رئيس الأطباء في مجمع السلمانية الطبي، كما أصبحت رئيسا أو عضوا بلجان عدة في مجمع السلمانية الطبي.

ما كلمتك في يوم الطبيب البحريني؟

يوم الطبيب البحريني هو وسام نرفعه على صدورنا، ومسؤولية نضعها على أكتافنا.

أقسمنا نحن الأطباء أن نوفر العناية الطبية الفائقة لكل المرضى، خصوصا للمقيمين في هذا الوطن.

وفي الوقت نفسه، نحمل على أكتافنا مسؤولية مواصلة التعليم الطبي للكوادر الطبية والتمريضية القادمة.

وأهم ما نلتزم به هو التزامنا الكامل تجاه مجتمعنا ووطننا بأن نقدم لهما الخدمات الطبية في مجالات اختصاصاتنا.