سلوك الطبيب يمكن أن يسهم في شفاء المريض قبل الدواء
د. عبدالجبار العباسي أب طب السكري والغدد الصماء للأطفال في البحرين
ربما مررت يوما بعيادة الأطفال أو بأجنحة طب الأطفال بمختلف تخصصاتها في مجمع السلمانية الطبي، ولمحت اكتظاظ المرضى وعائلاتهم، وحركة الأطباء والممرضين التي لا تتوقف في خدمتهم. لكن الوضع والصورة قبل خمسين عاما لم يكونا كما هما الآن، فقد كانت البدايات حكاية بحد ذاتها، يرويها لنا د. عبدالجبار العباسي، الذي يلقب بـ “أب طب السكري والغدد الصماء للأطفال” في البحرين.
ذلك الطبيب العائد من دراسة الطب في جامعة برشلونة بالعام 1975، ليلتحق بعيادة طب الأطفال التي كانت آنذاك جناحا محدودا وقسما صغيرا. وبعد أن التحق بدورات عدة وتخصص في طب الأطفال والغدد الصماء في أستراليا، عاد مجددا بالعام 1989 ليطور العديد من الجوانب في النظام الصحي.
فقد أسس تخصصات متعددة في طب الأطفال، واستطاع مع الفريق الطبي، الذين يصفهم بـ “جيل الطيبين”، أن يصنعوا ما يُعرف بالعصر الذهبي لطب الأطفال في البحرين.
كما شكلوا نواة لمركز متكامل للعناية بالأطفال المصابين بالسكري، وأسهموا في توفير فحص لحديثي الولادة للكشف المبكر عن الأمراض.
ويفخر العباسي وزملاؤه بأنهم استطاعوا أن يجعلوا من طب الأطفال تخصصات متعددة، عملوا على تطويرها وتوسيع مجالاتها.
البدايات من طب العيون إلى طب الأطفال
تخرج د. عبدالجبار العباسي بالعام 1975 من جامعة برشلونة – كلية الطب، وفي شهر أكتوبر من العام نفسه عاد إلى البحرين.
وكان د. علي فخرو حينها وزيرا للصحة، ود. إبراهيم يعقوب وكيلا للوزارة.
ذهب العباسي لمقابلة د. علي فخرو بحضور سكرتيرته أليس سمعان، ووكيل الوزارة د. إبراهيم يعقوب. وكانت الوزارة في ذلك الوقت بحاجة إلى طبيب أطفال، فطلب منه د. علي فخرو التوجه إلى جناح (9) في قسم الأطفال، حيث كانت الحاجة قائمة هناك. رافقه د. إبراهيم يعقوب، وكان د. أكبر محسن رئيسا للقسم.
ويصف تلك المرحلة قائلا: “لم تكن هناك كل هذه التكاليف أو التعقيدات، فالعلاقات بين الأطباء والناس كانت بسيطة جدا”.
كان يضع نصب عينيه في البداية قسم العيون، لكن الفرص كانت متاحة في قسم الأطفال آنذاك، فاستمر في العمل فيه، بالرغم من أنه عمل في قسم العيون في البحرين مدة ثلاثة إلى أربعة أشهر مع مجموعة من الأطباء، من بينهم د. نبيل الشيراوي ود. جون، وكان ذلك حدود العام 1976. كما حضر بعض الإجراءات والعمليات في قسم العيون بمستشفى باراكير كلينك.
أول دفعة من البحرين في دبلوم طب الأطفال
في العام 1976، التحق بأول دفعة من البحرين في دبلوم طب الأطفال في الكويت، الذي استمر لمدة سنة واحدة. وكان وزيرُ الصحة آنذاك د. عبدالرحمن العوضي يعمل على إصلاح النظام الصحي في الكويت، وقد شمل هذا الإصلاح التعاون مع الكلية الملكية للجراحين في ايرلندا لتنظيم دورات وبرامج تدريبية.
التخصص في طب الأطفال بأستراليا
أتيحت له الفرصة بعد حصوله على دبلوم صحة الأطفال للالتحاق ببرنامج تخصص طب الأطفال في أستراليا، وكانت تلك فرصة مميزة فتحت أمامه آفاقا جديدة في مجال طب الأطفال.
التحق هناك ببرنامج الإقامة (Residency Program) في طب الأطفال، الذي استمر لمدة ثلاث سنوات في طب الأطفال العام، تلتها ثلاث سنوات أخرى في تخصص الغدد الصماء والسكري لدى الأطفال. وفي العام 1989، تخرج ونال زمالة الكلية الملكية الأسترالية للأطباء (FRACP).
مرحلة جديدة مع العمل في طب الأطفال
عاد إلى البحرين في العام نفسه بعد إتمام التخصص، لتبدأ مرحلة جديدة من عمله في طب الأطفال، حاملا معه كل ما اكتسبه من معرفة وما اطلع عليه من أنظمة وإجراءات.
عمل على إدخال العديد من هذه الأنظمة إلى قسم الأطفال في مستشفى السلمانية، سواء في طب الأطفال العام أو في اختصاص الغدد الصماء والسكري، بما في ذلك البروتوكولات والإجراءات المعتمدة التي كانت مطبقة في أستراليا. كما تولى تدريب الأطباء الشباب الذين كانوا يعملون معه.
واصل د. عبدالجبار العباسي عمله وطور العديد من الجوانب في النظام الصحي. ففي العام 1991، حين تم تعيينه رئيسا لقسم الأطفال وبالتعاون رئيس الأطباء د. أحمد سالم العريض آنذاك تأسست تخصصات متعددة في طب الأطفال، مثل أمراض الأعصاب والمخ، وأمراض الجهاز التنفسي، وأمراض الكلى، وأمراض القلب، وأمراض الجهاز الهضمي وأمراض الدم. وكان لكل تخصص فريق متخصص يعمل على تطوير هذا المجال العلمي وتحسين جودة الرعاية الصحية ضمن اختصاصه.
تغيير واقع أطفال السكري للأفضل
وأشار إلى أن عدد مرضى السكري كان قليلا، ليس لأن المرض لم يكن منتشرا، بل لأن التشخيص لم يكن متوافرا، إذ لابد أن يكون هناك من يشخص المرض. فمعظم الأطفال المصابين بالسكري كانوا يتلقون حقن الإنسولين في مراكز الرعاية الصحية الأولية، ولا يأخذونها إلى المنزل، إذ لم تكن لديهم أجهزة قياس السكر ولا الإبر ولا حتى الإنسولين في بيوتهم، وكان اعتمادهم الكامل على المراكز الصحية.
حاول أن يدخل ما تعلمه في أستراليا، حيث كان لديهم كُتيب قام بترجمته إلى اللغة العربية ووزعه على الأطفال وذويهم والمسؤولين، ليتمكنوا من التعلم والاستفادة، إذ كان يؤمن أن علاج السكري لا يكون في المستشفى، بل في المنزل. وهو لا يعتمد فقط على الدواء، بل أيضا على الأكل والرياضة والعديد من العوامل الأخرى، إضافة إلى المعلومة التي يكتسبها والد الطفل أو والدته أو المريض نفسه، ليبدأ العلاج من البيت.
كما سعى إلى توفير جهاز قياس السكر في الدم لكل مريض منذ التسعينات تقريبا، إذ لم يكن متاحا قبل ذلك، وذلك بالتعاون مع بعض شركات الأدوية التي كانت تقدمه كمساهمة وتبرع، فكان يُمنح لكل مريض يشخص بالسكري. أما شرائط الفحص فكانت مرتفعة الثمن نسبيا، فتولت وزارة الصحة توفيرها، إذ كانت تزود الأطفال بالإبر والإنسولين من الصيدلية، وشرائط الفحص من المختبر.
ويؤكد أن كل هذه الجهود كانت تُنفَذ بمبادرات فردية، إذ لم يكن هناك نظام رسمي لتوفير هذه المستلزمات لمرضى السكري. وكان الفريق يتابع المرضى بانتظام، بحيث تُسجل جميع فحوصات السكر لديهم، ما يسهل التعامل مع حالاتهم. كما كانوا يعلمونهم كيفية تعديل جرعة الإنسولين لتمكينهم من تغييرها في المنزل عند الحاجة، لتكون أعلى أو أقل بحسب مستوى السكر.
تشكيل نواة لمركز متكامل للعناية بأطفال السكري
استطاع مع الفريق الطبي أن يشكل نواة لمركز متكامل للعناية بالأطفال المصابين بالسكري، عبر إنشاء مركز يضم فريقا متخصصا وممرضات مثقفات لتعليم المرضى وذويهم. وكان العلاج يرتكز على حقن الإنسولين، وقياس السكر المنزلي باستخدام الجلوكومتر، إلى جانب إشراك الوالدين في الرعاية، وتخصيص خط هاتفي متاح على مدار 24 ساعة للاستفسارات.
ويقول: في البداية، كنتُ أتولى هذه المهام وحدي، أجلس مع الطفل ووالديه لساعات طويلة لشرح طبيعة المرض وكيفية العلاج، وتدريبهم على استخدام الإنسولين والحقن. لاحقا، أصبح لدينا ممرضات متخصصات في تثقيف مرضى السكري (Diabetic Educators) يقمن بهذه المهمة، واستمر هذا النظام فترة طويلة حتى تقاعدي من مجمع السلمانية الطبي بالعام 2012، وبعدها لم تشهد الخدمة تطورا يُذكر.
وضع أسس التشخيص المبكر للأطفال
أما بالنسبة لأمراض الغدد الصماء، فأشار إلى أنهم كانوا يتعاملون مع أمراض الغدة الدرقية والغدة الكظرية أيضا، وكان لديهم عدد من المرضى غير المشخَصين ممن يعانون اضطرابات في الغدة الكظرية أو نقصا في أحد الهرمونات. كانت هذه الحالات تُعد نادرة في البحرين، لكنها في الواقع لم تكن كذلك، إذ وجدت العديد من العائلات التي تعاني من هذه الاضطرابات.
وحاولوا، بالتعاون مع الفريق الطبي والمختبر، أن يوفروا فحصا للأطفال حديثي الولادة للكشف المبكر عن الأمراض، وهو الفحص الذي أصبح متاحا الآن، لكنه لم يكن موجودا في البحرين قبل العام 1993. ويُعد هذا الفحص من التحاليل الأولية للمواليد، إذ يُجرى لكل طفل حديث الولادة للكشف عن الأمراض الوراثية، وأمراض الغدة الدرقية، والاضطرابات الاستقلابية، وهي فحوصات لم تكن متوافرة آنذاك.
وبين أنهم تعاونوا مع مستشفى الملك فيصل التخصصي في السعودية لإرسال عينات الدم للكشف عن الأمراض الوراثية، وكان لذلك أثر كبير في تحسين التشخيص المبكر، إذ تمكنوا منذ ذلك الوقت من اكتشاف عدد غير قليل من الأمراض الاستقلابية والوراثية قبل أن تتطور وتُسبب مضاعفات للأطفال.
كما أوضح أنهم عاينوا في عيادة الغدد الصماء والسكري العديد من الحالات التي لم تُشخَص مبكرا، وكان بعض الأطفال منهم يعانون من نقص في الهرمون الدرقي أدى إلى تأخر عقلي. أما اليوم، فبفضل التشخيص المبكر، يتمكن الأطفال من تلقي العلاج منذ البداية، فينعمون بحياة طبيعية والحمد لله.
وأضاف أنه بالنسبة للغدة الكظرية، فقد كانت هناك حالات لعائلات تعاني من تشوهات في الجهاز التناسلي ومضاعفات أخرى، لكن عند اكتشافها وعلاجها مبكرا يمكن تجنب هذه المشكلات تماما. فدائما، الوقاية خير من العلاج، وكلما تم التشخيص والعلاج في وقت مبكر، كانت النتائج أفضل بكثير.
جيل الزمن الجميل والعصر الذهبي لطب الأطفال
وألمح العباسي إلى أنهم كانوا من جيل الزمن الجميل، والعصر الذهبي لطب الأطفال في البحرين، ليس هو فقط، بل أيضا المجموعة التي كانت موجودة حينها، إذ كانت جميعها كوادر طبية متخصصة. ويشير بفخر إلى أنهم استطاعوا أن يجعلوا من طب الأطفال تخصصات متعددة، عملوا على تطويرها وتوسيع مجالاتها.
وبين أنه يجب ألا ننسى فضل د. أكبر محسن، الذي كان رئيس القسم لفترة طويلة، بالإضافة إلى د. فضيلة المحروس، ود. عبدالنبي آل سيف، ود. عباس عبدالعال، ود. عبدالهادي المحسن. وقال: هؤلاء جيلنا، كنا جميعا معا مجموعة واحدة، وكأننا معهد لطب الأطفال وجامعة أسست لطب الأطفال في البحرين.
وأضاف: عندما يقول لي أحدهم: أنت أبُ سكري الأطفال في البحرين، أو إنك أنشأت تخصص طب السكري والغدد الصماء للأطفال في البحرين، أشعر بالفخر الكبير. أفتخر بأنني كنتُ من الجيل الذي مهد الطريق لجيل آخر من الأطباء، ليأخذ الأمانة ويكمل المسيرة.
الطبيب علم وأخلاق
وبخصوص يوم الطبيب البحريني قال: “نحن نسينا أنفسنا، ربما كنا نبيت في مستشفى السلمانية في الأجنحة أكثر مما نبيت في بيوتنا”.
وأكد أن على الطبيب أن يأخذ على عاتقه التضحية من أجل صالح المرضى، فهم يجب أن يكونوا فوق كل شيء. وأضاف: «لكن أهم شيء هو أن الطب ليس علما فقط، بل علمٌ وأخلاق. حتى تعالج الإنسان، يجب أن تكون معه وتعامله باحترام وأدب، لأن سلوك الطبيب يمكن أن يُسهم في شفاء المريض قبل الدواء”.
