د. عبد الشهيد فضل: ترميم الصدر جزء لا يتجزأ من خطة علاج سرطان الثدي
محارِبات سرطان الثدي لا تنتهي قصصهنّ عند التعافي، إذ يحتجن بعده إلى سلسلة من الجراحات التجميلية لترميم ما تركه المرض من آثار، وأبرزها جراحة ترميم الثدي، التي تُعد جزءًا أساسًا من رحلة العلاج، إذ تعيد لهنّ إحساسهنّ بالأنوثة والثقة بالنفس.
هذا ما أوضحه استشاري جراحة التجميل والترميم الدكتور عبد الشهيد فضل، مؤكدًا أن ترميم الثدي جزء لا يتجزأ من خطة علاج سرطان الثدي، وأن كل مريضة مصابة بهذا المرض مؤهلة لأن يكون الترميم جزءًا من علاجها. وأشار الدكتور فضل إلى أن الدراسات والخبرة السريرية أظهرت أن عملية الترميم لها انعكاسات إيجابية كبيرة على النفسية والثقة بالنفس والانخراط الاجتماعي واليومي، كما يمكن أن تكون النتائج قريبة جدًا من الثدي الطبيعي من حيث الشكل والحجم، مما يمنح المريضة شعورًا طبيعيًا ومطمئنًا بعد رحلة العلاج. وأضاف أن هناك اكتشافًا مبشرًا سيمثل إنجازًا طبيًا مهمًا وتطورًا كبيرًا إذا تم إقراره للاستخدام، وسيساعد في تجنيب المرضى عمليات كبيرة ومضاعفات عديدة.
صحّتنا التقت الدكتور فضل في حوار شامل عن تقنيات ترميم الثدي، في لقاء يمثل دليلًا متكاملًا لمحاربات السرطان، حيث يوضح خطة الترميم بعد التعافي، ويستعرض التقنيات الحديثة، ويفند المخاوف والهواجس التي قد تراود المريضة أثناء هذه العملية.
ما أهمية جراحة ترميم الثدي بعد استئصاله لسرطان الثدي من الناحية الطبية والنفسية للمريضة؟
لعملية ترميم الصدر فائدة نفسية كبيرة على المريضة، لأنها تُعيد إليها الثقة بنفسها. فعندما تفقد المرأة عضوًا مهمًا من جسدها، وهو من الأعضاء التي تميزها عن الرجل وتُضفي عليها أنوثتها، تشعر بأنها فقدت جزءًا مهمًا من ذاتها. لذلك، فإن إعادة البناء لها فائدة نفسية كبيرة، إذ تُشعرها بالثقة، وتُنسيها المرض نفسه، وتمنع عزلتها الاجتماعية، وتجعلها أكثر راحة عندما ترتدي ملابسها وتختلط بالناس وكأنها إنسانة طبيعية لا تعاني من أي مشكلة.
هل كل مريضة خضعت لاستئصال الثدي مرشحة لإجراء الترميم، أم أن هناك شروطًا محددة؟
ترميم الصدر جزء لا يتجزأ من خطة علاج سرطان الثدي، وكل مريضة تُصاب بسرطان الصدر مؤهلة لأن يكون الترميم جزءًا من علاجها، إلا في حالات نادرة، مثل رفض المريضة إجراء عملية إعادة البناء، أو إذا كانت حالتها الصحية العامة لا تسمح بإطالة وقت العملية أو بالخضوع لعمليات متعددة.
عدا ذلك، فكل مريضة تُجري عملية استئصال الصدر مؤهلة لأن تقوم بعملية إعادة البناء.
ما أبرز الطرق المستخدمة اليوم في ترميم الثدي؟
تُجرى عملية إعادة البناء بعدة تقنيات، تتدرج من البسيطة والسريعة إلى المعقدة والطويلة.
نبدأ باستخدام الحشوة، التي يمكن أن تكون تحت العضلة أو فوقها، بالإضافة إلى إمكانية استخدام الحشوة مع الشبكة (أو البديل الجلدي Dermal Substitution).
وهناك أنواع عدة من الشبكات، منها الطبيعية ومنها الصناعية، وتُساعد الشبكة على تثبيت الحشوة في المكان المناسب، وتُكوّن طبقة أكثر سماكة لتغطيتها.
ويُعد استخدام الحشوة من أبسط الحلول، ويمكن دعمه بحقن الدهون حول الحشوة لتمنح الصدر شكلًا طبيعيًا ومتناسقًا.
طريقة أخرى تُستخدم تعتمد على نوع عملية البتر؛ فإذا تم الاحتفاظ بالجلد و الهالة والحلمة، يختلف الأسلوب عن الحالات التي يكون فيها المرض متقدمًا.
ففي الحالات المتقدمة، تُزال أنسجة الصدر مع الجلد، وهنا نحتاج إلى تعويض الجلد والحجم معًا، باستخدام عضلة وشريحة جلدية، إما من الظهر أو من أسفل البطن.
وفي حال أخذها من أسفل البطن، قد تكون كافية لترميم الصدر دون الحاجة إلى السيليكون، أما إذا كانت من الظهر، فقد تُضاف إليها حشوة سيليكون أو تُدعّم بحقن الدهون حتى يكون حجم الصدر مقاربًا للطبيعي.
وهناك طريقة أخرى أكثر تعقيداً نستخدم فيها شريحة جلدية مع كمية من الدهون والأوعية المغذية لها، تُنقل وتُزرع في منطقة الصدر لتشكيل صدر جديد باستخدام أنسجة من البطن أو الأرداف أو الفخذ.
هل يمكن إجراء الترميم في نفس وقت عملية الاستئصال، أم يُفضل أن يكون بعد فترة معينة؟ وما المعايير التي تحدد ذلك؟
وقت الترميم ينقسم إلى قسمين: إما الترميم الفوري أو الترميم المتأخر.
الترميم الفوري هو الذي تُجرى فيه عملية الترميم في نفس جلسة بتر الصدر أو إزالة الورم، ويُعد من أفضل الحلول، لأن المريضة تستيقظ من العملية دون أن تشعر بأنها فقدت جزءًا من جسدها.
كما أن جودة الأنسجة المتبقية من الصدر تكون لينة، مما يُسهل إعادة تشكيلها بالطريقة المناسبة، وتخرج المريضة من العملية وقد تجاوزت الشعور بفقدان الثدي، وعندها سرطان الثدي مما يُخفف عنها عبء المرض نفسيًا.
أما في بعض الحالات، فلا يمكن إجراء الترميم في نفس الجلسة، فيُؤجل لمدة تتراوح بين ثلاثة إلى ستة أشهر بعد عملية البتر والعلاجات المصاحبة، مثل الإشعاع أو العلاج الكيميائي.
من الناحية النفسية، كيف ينعكس الترميم على جودة حياة المرأة بعد رحلة العلاج؟
لعملية إعادة بناء الصدر تأثير نفسي كبير على المريضة، إذ تساعدها على العودة إلى حياتها الطبيعية.
عندما تفقد المرأة صدرها، تشعر وكأنها فقدت جزءًا من أنوثتها، مما قد يغير شخصيتها.
تحاول المريضة أحيانًا إخفاء فقدان جزء من جسدها، وهو جزء بارز وواضح، فتتحاشى الاختلاط الاجتماعي، النوادي الصحية، أو الأنشطة التي تتطلب السباحة، لتجنب ظهور أي نقص في جسدها.
هذا قد يؤدي إلى عزلة اجتماعية وتأثير على نفسيتها، حتى في البيت أو مع الزوج، وقد تتأثر حياتها الزوجية.
لذلك، لإعادة بناء الصدر أهمية قصوى في حياة المرأة ونمط حياتها.
بعد عملية الترميم، يمكن للمريضة ممارسة حياتها الطبيعية بكل ثقة.
في بعض الحالات، نقوم بتعديل حجم الثديين بعد إزالة الورم بحيث يكونان متساويين قدر الإمكان في الشكل والحجم، مما يزيد ثقتها بنفسها، وقد لاحظنا هذا لدى عدة مرضى من مصابات السرطان.
هل يعطي الترميم مظهرًا طبيعيًا؟
عادةً، يعتمد البناء على نوع العملية ووضعية الأنسجة المتبقية من الصدر بعد البتر.
إذا تم الاحتفاظ بالجلد والهالة والحلمة، خصوصًا في حالات الاكتشاف المبكر للسرطان، يمكن أن يبدو الصدر طبيعيًا جدًا.
حتى في الحالات التي تفقد فيها المريضة منطقة الهالة والحلمة، يمكننا إنشاء هالة وحلمة اصطناعية مقاربة للطبيعية، على الأقل بحيث يظهر الصدر طبيعيًا تحت الملابس.
بعض النساء يترددن خوفًا من أن تبدو العملية “شكلًا صناعيًا”، ما ردكم على هذه المخاوف؟
بعض المريضات يقلقن من أن يكون شكل الصدر بعد الترميم صناعيًا، لكن الواقع عكس ذلك.
عملية الترميم يمكن أن تكون قريبة جدًا من الصدر الطبيعي من حيث الشكل، مع فارق في الإحساس والوظيفة، خصوصًا بالنسبة للمريضات الشابات اللواتي قد يكنّ في سن الرضاعة.
إلى أي مدى تلعب الجراحة التجميلية دورًا في تعزيز ثقة المرأة بنفسها ومساعدتها على الاندماج في حياتها الاجتماعية بعد المرض؟
بعد انتهاء فترة علاج السرطان وإعادة البناء، يمكن للمرأة العودة إلى حياتها الطبيعية والاندماج في المجتمع.
إعادة البناء تساعد المريضة على نسيان كونها مريضة بسرطان الصدر، وتزيل الوصمة النفسية المرتبطة بفقدان الثدي.
يمكنها ممارسة الرياضة، المشاركة في الأنشطة الاجتماعية، ارتداء الملابس التي ترغب بها، وعدم الشعور بالخجل أمام الزوج أو العائلة، بل والعيش بثقة تامة بنفسها.
هل هناك تقنيات جديدة في مجال ترميم الصدر؟
بالنسبة للتقنيات، فدائمًا هناك تقنيات جديدة مستمرة على الظهور في هذا النوع من العمليات. فمثلاً، توجد تقنيات في نوعية الحشوات السيليكونية من حيث الشكل والقشرة المغطية والحجم وطرق التعامل معها. وهناك أيضًا تقنيات خاصة بالشبكات؛ حيث تتوفر عدة أنواع من الشبكات مثل الشبكات البيولوجية والشبكات الصناعية.
وفي الوقت الحالي، تُجرى بحوث على شيء يسمى Scaphoid Implant —، وهو مثل الأعمدة لإعادة بناء الصدر بالخلايا الدهنية، حيث يعمل كدعامة تنمو عليها الخلايا الدهنية بعد حقن الدهون. ومع الوقت تذوب الشبكة وتظهر الخلايا الدهنية، أي أن الشبكة تتحلل ويحل مكانها نسيج دهني. هذا الاكتشاف سيمثل إنجازًا طبيًا مهمًا وتطورًا كبيرًا إذا تم إقراره للاستخدام، وسيساعد في تجنيب المرضى عمليات كبيرة ومضاعفات عديدة، ونحن نترقب اعتماده دوليًا.
ومن ضمن التطورات أيضًا، هناك الآن عمليات البتر باستخدام الروبوت في عملية استئصال الصدر وإعادة البناء بالشرائح الجلدية مع الدهون، مع استخدام تقنية الجراحة المجهرية (الميكروسيرجري)، أو ما يُعرف بـ الفري فلاب باستخدام الروبوت، وهي من التقنيات الحديثة التي بدأت بالظهور والتطور.
أما حاليًا، فإن معظم هذه التقنيات متوفرة في البحرين. بعض التقنيات التي لا تزال في مراحلها الأولى وتحتاج إلى إمكانيات خاصة وتدريب متخصص لم تنتشر بعد على مستوى العالم بشكل كامل، لكنها في طريقها للوصول إلى البحرين بإذن الله.
ما هي كلمتك لمحاربات سرطان الثدي؟
أحب أن أوجه رسالة إلى مريضات سرطان الثدي: مرض سرطان الثدي منتشر كثيرًا ونعاين العديد من الحالات، فبالتالي أولًا نؤكد على أهمية الفحص الذاتي ومتابعة الحملات التوعوية، خصوصًا أننا في شهر أكتوبر الذي يشهد حملات واسعة على مستوى البحرين للتوعية بأهمية الفحص الدوري للثدي.
كما نؤكد على ضرورة المتابعة مع الأطباء، سواء كانوا أطباء العائلة في المراكز الصحية أو الأطباء الاستشاريين المتخصصين، والاستماع إلى نصائحهم فيما يخص إعادة الفحص، وإجراء الأشعة الصوتية (الألتراساوند) والماموغرام، وكل ما ينصح به الطبيب المعالج.
وفي النهاية، أصبح الآن مرض سرطان الثدي مرضًا يمكن السيطرة عليه، ويمكن اكتشافه مبكرًا والقضاء عليه تمامًا، وتعيش المريضة حياتها الطبيعية من غير أن تشعر بأي نقص أو خوف أو تردد في إجراء مثل هذه العمليات.
وإن عملية إعادة البناء لها انعكاسات إيجابية جدًا على النفسية، وعلى الثقة بالنفس، وعلى الاندماج في المجتمع والانخراط في الحياة الاجتماعية الطبيعية، مما يسهم في الاستقرار النفسي، والاستقرار العائلي، واستقرار الحياة الزوجية. هذه كلها فوائد مهمة يمكن أن تجنيها المريضة من هذا النوع من العمليات.
ونتمنى للجميع الصحة والسلامة والسعادة.
