+A
A-

التطور السريع لخلايا الدماغ البشري قد يكون من أسباب انتشار التوحد

أظهرت دراسة جديدة، نُشرت في مجلة علم الأحياء الجزيئي والتطور، أن تطور خلايا الدماغ البشري، والتطور السريع للسمات المعرفية لدى الإنسان، قد يكونان سببًا في انتشار التوحد والتنوع العصبي.

ووفقًا لمؤلفي الدراسة، فإن الدوائر العصبية المعقّدة للغاية في أدمغتنا - وسرعة تطوّر بعضها - قد تكون أيضًا من العوامل المفسّرة لشيوع التوحّد بين البشر.

واستنتج الباحثون أن الفارق الهائل بين أدمغة البشر وأدمغة الكائنات الأخرى لا يمكن أن يُعزى إلى وجود خلايا متخصصة فحسب، بل إلى طرق ارتباطها ومستويات التعبير الجيني داخل كل خلية.

وقد أجرى العلماء دراسات لفهم العوامل التي تؤثّر في بقاء البروتين على مدى آلاف السنين أو تغيّره بسرعة مع تطوّر الأنواع. ولاحظوا أن بعض البروتينات تتغيّر وتتطوّر بوتيرة أسرع بكثير من غيرها، وأن مدى انتشار البروتين في الجسم هو العامل الأهم في تحديد سرعة هذا التغيّر.

فإذا تم التعبير عن بروتينٍ ما بكميات كبيرة في أنحاء الجسم كافة، فمن غير المرجّح أن يتغيّر بسرعة، لأن أي تعديل عليه قد يُخلّ بمسار أو وظيفة حيوية في مكانٍ ما من الجسم.

أما البروتينات النادرة نسبيًا، فتمتلك حرية تطوّر أكبر؛ إذ إن تغيّرها - حتى لو كانت له نتائج سلبية محدودة - لا يؤثر كثيرًا في الكائن الحي بأكمله، ما يمنحها مساحة أوسع للمناورة التطورية.

وتساءل مؤلفو الدراسة عمّا إذا كانت هذه القاعدة نفسها تنطبق على أنواع الخلايا، أي: هل أنواع خلايا الدماغ النادرة هي الأكثر حرية في التطوّر؟

وهل يمكن أن تكون هذه الحرية هي التي أفسحت المجال لبراعة الإنسان المعرفية الهائلة؟

وهل يُمكن أن يساعد ذلك في تفسير التغيّرات الدماغية المرتبطة باضطراب طيف التوحّد؟

تماشيًا مع فرضية الباحثين، أظهرت بحوث سابقة أن بعض الجينات المرتبطة بقابلية الإصابة بالتوحد توجد غالبًا فيما يُعرف بـ المناطق المُسرَّعة بشريًا (HAR) من الجينوم، وهي أجزاء من الجينوم محفوظة جيدًا لدى الثدييات الأخرى، لكنها تطورت بسرعة نسبية لدى البشر. يشير هذا التطور السريع إلى أنها قد تكون مسؤولة عن بعض السمات التي تميّز البشر، مما يعني أننا في مرحلة ما قد طورنا تغيّرات عصبية معينة أسهمت في تعزيز قدراتنا الإدراكية، لكنها في الوقت ذاته زادت من احتمال الإصابة بالتوحد.

ويفترض العلماء المشاركون في هذه الدراسة أن هذا قد يكون صحيحًا، ولذلك شرعوا في اختبار هذه الفرضية.

وكما ذُكر سابقًا، فإن أنواع خلايا الدماغ لدى الفئران والبشر متشابهة، إلا أن التعبير الجيني داخل كل نوع من هذه الخلايا يختلف بينهما.

تماشيًا مع حدسهم، وجد العلماء أنه كلما زادت وفرة نوع الخلية، ازداد تشابه التعبير الجيني الخاص بها بين 6 أنواع من الثدييات. وفي المقابل، أظهرت أنواع الخلايا النادرة اختلافات كبيرة في التعبير الجيني بين الأنواع الستة.

إضافةً إلى ذلك، كتب الباحثون أن ‮«الخلايا العصبية التحفيزية في الطبقة L2/‏3 تطورت بسرعة غير متوقعة في السلالة البشرية مقارنةً بالقردة الأخرى‮»، كما لاحظوا انخفاضًا غير متناسب في تنظيم الجينات المرتبطة بالتوحد.

أكد د. لوك بار، طبيب أعصاب مُعتمد ورئيس قسم الطب في SensIQ، في تصريح لموقع Medical News Today، أن الخلايا العصبية التحفيزية في الطبقة 2/‏3 من القشرة الدماغية ضرورية للمعالجة القشرية عالية المستوى. فهي تُشكّل روابط طويلة المدى بين مناطق مختلفة من القشرة، حيث تُدمج المعلومات وتدعم الإدراك المعقد، مثل التفكير المجرد والإدراك الاجتماعي واللغة.

تشير البحوث إلى أن مسارات الاتصال هذه مهمة بشكل خاص في المهارات المعرفية الفريدة للبشر.

وأضاف: “نظراً لدورها في ربط مناطق الدماغ الموزّعة، فإنّ المشكلات في نموها أو في آلية عملها قد تُحدث آثارًا كبيرة لاحقة على كيفية تنسيق الدماغ للمعلومات، وقد تكون مرتبطة بالتوحد”.

وعن استنتاج مؤلفي الدراسة بأنّ التطوّر السريع للدماغ البشري قد أدّى إلى تغيّرات زادت من احتمال حدوث التوحد، علّق بار قائلاً إنّ “فكرة أن التوحد قد يكون مقايضة تطوّرية مثيرة للجدل”.

وأضاف أن هذه التكهنات تتوافق مع فرضية راسخة في علم الأعصاب: هي أن السمات نفسها التي تجعل الإدراك البشري استثنائيًا - مثل تعزيز الاتصال وتوسّع القشرة المخية - قد تسبّب أيضًا نقاط ضعف.

وقال أيضاً: “من خلال التركيز على كيفية نمو هذه الخلايا العصبية المتخصصة، وتواصلها، وتكيّفها في الأدمغة الطبيعية وغير الطبيعية، قد نكتشف آليات جديدة للتوحد”.