ألطاف محمد: سرطان الثدي نداء للحياة لا حكم بالموت
-
الندبات التي خلفها المرض وسام لقوتي لا عيب أخفيه
سرطان الثدي أحد أشرس أنواع السرطان؛ فهو كالعدو الخفي، والقاتل الذي يتسلل بصمت ليخطف الأرواح ويزرع الموت في الأجساد المنهكة بلا رحمة، وكأنه قدر محتوم. هذه صورة شائعة وواقعية، لكنها ليست الحقيقة الكاملة ولا نصا مقدسا.
ألطاف محمد، إحدى محاربات سرطان الثدي، كسرت هذه الصورة النمطية وأتقنت فهم فلسفة المرض وفك شفراته، لتعيد صياغته وتجعل منه بداية لحياة جديدة أكثر عمقا، ورحلة وعي واسعة تعيد تعريف معنى القوة والأنوثة، وتمنح للحياة مفهوما مختلفا أكثر صدقا. فأصبحت ترى الندبة التي خلفها المرض وساما لقوتها لا عيبا تخفيه، وجمالها الحقيقي في عيشها بسلام. وتقول لكل امرأة في العالم: “سرطان الثدي ليس حكما بالموت، بل نداء بالحياة”. فمنذ أن هزتها عبارة الطبيب: “أنت مصابة بالسرطان”، استوعبت الصدمة، وقاومت شعور الخوف، وبدأت تعيد رسم حياتها من جديد بروح متقبلة وراضية بقضاء الله. ومن خلال التجربة، اكتشفت ذاتها وقوة عزيمتها وإصرارها الداخلي، وازداد حبها لنفسها، فصارت تحب جسدها كما هو، دون شروط.
لقد أعاد لها المرض نفسها؛ فلم تعد تلك المرأة التي تركض وراء كل شيء، بل أصبحت تلك التي تختار ما يستحق الركض لأجله. تهتم اليوم بالتفاصيل الصغيرة أكثر، تصغي لجسدها، وتولي صحتها أولوية، وتتابع فحوصاتها باستمرار، وتعيش حالة من التقبل، وتعقد صلحا دائما مع ذاتها.
حروف وبداية حكاية
بدأت قصة ألطاف مع السرطان بإحساس بالألم، وتغير في حجم المنطقة، وظهور علامات غير طبيعية. وفي أول مواجهة لها مع المرض، كانت كلمات الطبيب: “أنت مصابة بالسرطان” لحظات مشبعة بالخوف والقلق أمام مستقبل غامض وطريق لا تعرف نهايته. لكن سرعان ما استعادت المبادرة، واستقبلت الخبر بروح متقبلة وراضية بقضاء الله، وبشعور طبيعي يشبه أي مريض مزمن يعلم أنه سيتعافى يوما ما.
الاحتواء منبع الإيجابية
الجميع كان يساندها، فيمنحونها الدافع والقوة لتخطي العلاج، ويوفرون لها بيئة من الطمأنـينة والأمان. وكانت تتجاهل كل من يسبب لها أي مضايقة لفظية أو سلوكية، وتحافظ على هدوء أعصابها بعيدا عن التوتر، وتعيش الإيجابية. أما بالنسبة لعلاقاتها مع الآخرين، فقد اقتربت صديقاتها منها أكثر، مع مراعاة المحافظة على نفسيتها وصحتها، وتعاونهن معها في العمل.
أقوى في مواجهة الخوف
تجربتها مع سرطان الثدي جعلتها تكتشف ذاتها وقوة العزيمة والإصرار الداخلي الذي تملكه على تحمل العلاج. وازداد حبها لنفسها مع التغييرات التي صاحبت العلاج، فالتجربة علمتها أن تضع نفسها أولا دون أي شعور بالذنب، وأن تحب جسدها كما هو وفي أي حالة، وأن ترمم ذاتها إذا انكسرت يوما لتكون أقوى من قبل. فأصبحت أصدق مع ذاتها وأقوى في مواجهة الخوف. وأحيانا يتسرب الخوف إلى داخلها من عودته مجددا، وهذا خوف طبيعي بعد التجربة القاسية التي عاشتها برفقة المرض. فمن الطبيعي أن تعيش القلق والخوف، لكنها تهزمه دائما بشتلات الأمل المزروعة في داخلها وروح التحدي.
المرض غير نظرتها للأنوثة
على الرغم من استئصال أحد ثدييها، ووجهها الشاحب من آثار العلاج والأنـيميا، لكنها ما تزال متصالحة مع نفسها وتحبها. جعلت الآخرين يحبونها لنفسها، لا لشكلها، بل لما تقدمه من مساعدة، ولحبها، وتعاملها الطيب معهم. وأظهرت للجميع أنها قوية ومتفائلة بالرغم من كل ما مرت به. تصالحت مع التغيرات الجسدية بقوة؛ فصارت ترى جمالها في نفسها لا في شكلها، وترى الندبة التي خلفها المرض وساما لقوتها لا عيبا تخفيه. وهي ترى جمالها في وجهها حين تضحك من قلبها بين الناس، وترى جمالها في عيشها بسلام.
مفاهيم خاطئة
ولفتت إلى وجود أفكار ومفاهيم خاطئة شائعة، أبرزها الاعتقاد بأن سرطان الثدي يبدأ دائما بوجود كتلة نسيجية في الثدي، والصحيح أن سرطان الثدي قد ينشأ دون وجود كتل ظاهرة أو محسوسة. ولذلك من المهم إجراء فحوصات دورية منتظمة، سواء بعد انتهاء الدورة الشهرية أو باستخدام جهاز الماموجرام. وأضافت أن من الأخطاء الشائعة أيضا الاعتقاد بأن أشعة الماموجرام لا تكشف إلا الأورام الكبيرة، والصحيح أنها تكشف عن الأورام الصغيرة جدا التي لا يمكن اكتشافها عن طريق الفحص الذاتي.
نداء بالحياة لا الموت
ولكل امرأة في العالم، قالت: “سرطان الثدي ليس حكما بالموت، بل نداء بالحياة. فافحصي ولا تنتظري أو تؤجلي من أجل أحد. أنت لست أما وزوجة وابنة فقط.. أنت إنسانة تستحق أن تعيش، وتحب، وتشفى”. ووجهت رسالة إلى كل من عاشت تجربة سرطان الثدي: “أنت أقوى مما تتخيلين، ليس لأنك لا تخافين، بل لأنك تواصلين رغم الخوف لتتغلبي عليه. لا تنتظري أن يأتي المرض لتقدري الحياة، ولا تؤجلي الحب، ولا تختلقي الأعذار، ولا تبخلي بالاهتمام بنفسك”.
الفحص المبكر أمان واطمئنان
ولكل امرأة تتجاهل الفحص المبكر، قالت: “حياتك ثمينة، وأنت أغلى مما تتخيلين. لا تتعاملي مع الفحص وكأنه شيء مخيف؛ فالفحص المبكر لا يسرق منك وقتك، بل يمنحك عمرا أطول. فحصك المبكر قرار شجاع، فاختاري الحياة، لأجلك ولأجل من يحبونك. الفحص المبكر قادر على إنقاذ حياتك، وهو أمان واطمئنان لك ولأسرتك”.
الدعم المجتمعي ضرورة لاستكمال الشفاء
وتؤكد أن الدعم المجتمعي يلعب دورا حاسما في استكمال الشفاء النفسي والاجتماعي، ويكون ذلك برفع مستوى الوعي العام، بما يتيح فرصة أكبر للحديث عن المرض والتعافي منه علنا، لتغيير نظرة الخوف المرتبطة بسرطان الثدي. وتقترح إدماج قصص المتعافيات في المناهج التعليمية في المدارس والجامعات، وكذلك عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وتنظيم حملات توعوية مستمرة لا تقتصر على شهر أكتوبر فقط. كما تدعو إلى إنشاء مجموعات دعم خاصة بالمتعافيات في المجتمع، لتوفير مساحات آمنة للتعبير عن التجارب، بالإضافة إلى توفير فرص عمل مرنة لهن، وتأمين صحي، ورعاية مستمرة. وتؤكد أن الدعم لا يعنـي فقط أن تقول لها: “أنت قوية”، بل أن تقف إلى جانبها حتى تشعر بذلك حقا.
الإلهام ليس قرارا، بل التزام داخلي
لم تبدأ رحلتها بهدف أن تكون مصدر إلهام، بل بدافع من داخلها لتثبت لنفسها أولا أنها قادرة. ولكن مع الوقت، وعندما بدأت النساء من حولها يخبرنها أن قصتها أو مواقفها أو اختياراتها ألهمتهن، شعرت بمسؤولية جميلة وثقيلة في آن واحد.
وتقول: “أن تنظر إليك كقوة لا يعنـي أنك لا تمرين بلحظات ضعف، بل يعنـي أن الآخرين يرون فيك القدرة على النهوض رغمها”.
وتضيف أن هذا الشعور بالنسبة لها لم يكن مدعاة للغرور، بل كان دافعا للاستمرار، لتكون صادقة مع نفسها ومعهن، ولتبقي الباب مفتوحا لكل امرأة تحاول أن تجد طريقها.
موقف لا ينسى
في زحمة المرض، تتزاحم المواقف واللحظات الفارقة، لكن هناك موقف لا يمكن أن تنساه أبدا؛ حيث كانت إحدى اللحظات التي شعرت فيها بأنها فقدت السيطرة تماما على جسدها، ومشاعرها، وحتى إيمانها بأنها ستكون بخير. كانت لحظة ضعف حقيقي، ليس فقط أمام الألم، بل أمام الخوف مما قد يأتي. رأت القلق في عيون من تحبهم، وكان ذلك أصعب من المرض نفسه. وتضيف: “الذي ساعدنـي على تجاوز ذلك لم يكن شيئا واحدا فقط، بل مزيج من أشياء: قوة إيمانـي برب العالمين، وإيمانـي بأن هذا المرض سيمر علي كذكرى تقوينـي من الداخل، دعاء أهلي وأولادي الذي كنت أسمعه بصوت مرتجف، كلمة دعم من صديقة لم تتخل عنـي، طبيب عاملنـي بإنسانـية قبل أن يكون طبيبا، وثقتي بنفسي بأن كل شيء سيمر بسلام. تعلمت أن الشجاعة لا تعنـي ألا أخاف، بل أن أستمر بالرغم من الخوف”.
الحياة في جسد غريب
المرض انتزع منها راحتها، وأياما كانت تظن أنها ستعيشها بشكل طبيعي، كما أخذ معه جزءا من ثقتها بجسدها. شعرت أحيانا وكأنها فقدت جزءا من نفسها، وكأنها تعيش في جسد غريب.
علمها السرطان الصبر الحقيقي، لا ذلك الصبر الذي نقوله كلاما، بل الصبر الذي يبنى من دموع الليل وسكون الألم. علمها أن القوة لا تكون دائما في الحركة، بل أحيانا في السكون والقبول. وأضاف لها وعيا عميقا بقيمة الحياة، وقيمة الصحة، وقيمة اللحظة.
والأهم من ذلك، أنه أعاد لها تعريفها لنفسها؛ فلم تعد تلك المرأة التي تركض وراء كل شيء، بل أصبحت تلك التي تختار ما يستحق الركض لأجله.
لحظات الضعف لا تقلل من قوتها
وفي قبضة المرض، تستذكر تلك اللحظات التي لم تكن تملك فيها إلا الدموع، حين شعرت أن الطريق طويل، وأنها مرهقة نفسيا وجسديا.
لكنها اكتشفت أن لحظات الضعف لا تقلل من قوتها، بل تذكرها بأنها إنسانة.
تغلبت على ذلك الشعور بالاعتراف به، فلم تكابر أو تتظاهر بالقوة الزائفة، وأحاطت نفسها بحزمة من الأصدقاء الصادقين المخلصين الذين كانوا سندا لها.
ومنحت نفسها مساحة كبيرة لتقول دائما: “إذا لم أستطع أن أكون قوية اليوم، فسأحاول غدا، وبعد غد”.
وتؤكد أن هذا وحده يكفي، وهذا ما جعلها اليوم أقوى من قبل.
حياة مليئة بالتفاصيل الصغيرة
بعد التعافي، تهتم ألطاف بالتفاصيل الصغيرة أكثر، فتصغي لجسدها، وتهتم بصحتها، وتتابع فحوصاتها باستمرار. وتعيش حالة من التقبل، وتعقد صلحا دائما مع ذاتها، بحيث لا تخجل من الندوب التي تركتها الجراح على جسدها. فاعتبرتها وسام شرف نجت من خلاله، وأصبحت أقوى.
اليوم، أصبحت أكثر امتنانا ووعيا، والأهم أنها أصبحت أقرب إلى نفسها، وتشارك قصتها وتساعد غيرها من النساء بكل قوة واندفاع.
وتطمح إلى المساهمة في التوعية عبر إنشاء مجموعة في وسائل التواصل، وتقديم الدعم والمشورة لمن هن في بداية المرض، وتنظيم ورش لرفع الوعي بأهمية الاكتشاف المبكر. كما تسعى لإطلاق بودكاست بسيط تشارك فيه قصتها، وما مرت به من ضعف وقوة، وألم وأمل.
سرطان الثدي ليس حكما بالموت، بل نداء بالحياة. فافحصي ولا تنتظري أو تؤجلي من أجل أحد. أنت لست أما وزوجة وابنة فقط.. أنت إنسانة تستحق أن تعيش، وتحب، وتشفى.
حياتك ثمينة، وأنت أغلى مما تتخيلين. لا تتعاملي مع الفحص وكأنه شيء مخيف؛ فالفحص المبكر لا يسرق منك وقتك، بل يمنحك عمرا أطول. فحصك المبكر قرار شجاع، فاختاري الحياة لأجلك ولأجل من يحبونك. فالفحص المبكر قادر على إنقاذ حياتك، وهو أمان واطمئنان لك ولأسرتك. ولكل من عاشت تجربة سرطان الثدي: أنت أقوى مما تتخيلين، ليس لأنك لا تخافين، بل لأنك تواصلين رغم الخوف لتتغلبي عليه. لا تنتظري أن يأتي المرض لتقدري الحياة، ولا تؤجلي الحب، ولا تختلقي الأعذار، ولا تبخلي بالاهتمام بنفسك.
تصالحي مع التغيرات الجسدية؛ فجمالك في روحك، والندبات التي خلفها المرض وسام لقوتك لا عيب تخفينه. اهتمي بالتفاصيل الصغيرة أكثر، وأصغي لجسدك، وعيشي حالة من التقبل، واعقدي صلحا دائما مع ذاتك، بحيث لا تخجلين من الندوب التي تركتها الجراح على جسدك.
