+A
A-

غدير عبدالعزيز.. وجه مضيء لكل محاربات سرطان الثدي

غدير عبدالعزيز حكواتية بارعة، تعيد قراءة قصص الأطفال، فتستنطق الحروف الجامدة، وتمنحها روحا جديدة بسحر صوتها وصدق مشاعرها، لتتجسد أمام الصغار كمشهد سينمائي حي. لكنها لم تتوقع يوما أن تكون هي ذاتها الحكاية التي ستروى وتلهم نساء الأرض، لتصبح جرعات من الأمل والحماس، بوجه مضيء لكل امرأة تواجه سرطان الثدي، ذلك المرض المرعب والمخيف.

كانت غدير تستعد لحياة أكثر استقرارا وهدوءا؛ فقررت التوقف عن العمل لتكون مع أبنائها، وتكرس وقتها لقراءة القصص لهم، محققة حلما طالما تمنته: حياة مريحة ومليئة بالسعادة بعيدا عن ضغوط العمل. لكن سقوط طفلها كان بمثابة إنذار، ومفتاحا لتشخيص إصابتها بسرطان الثدي، ليقلب حياتها رأسا على عقب ويغيرها إلى الأبد.

التجربة منحتها شعورا جديدا بأنها إنسانة مختلفة. اكتشفت قوة في ذاتها لم تكن تعرفها من قبل، وغيرت نظرتها للحياة، وهو ما ساعدها على حبها أكثر والتمسك بها بقوة.
كان لديها كتلة شخصت على أنها دهنـية، لكنها تطورت إلى ورم وأصبحت صلبة. وحين سقط ابنها عليها وشعرت بألم قوي في نفس المكان، كان ذلك إنذارا وجرس تنبيه للذهاب إلى الفحص.

فبعد سقوطه عليها بدأ الألم يشتد في نفس الموضع، وكان ذلك جرس الإنذار الحقيقي الذي دفعها إلى الفحص. ولولا سقوطه، لكانت غافلة عنه، ولكنه كان من أقدار الله.
 

كلمة لم تكن غريبة لكن مرعبة

كانت تشعر بخوف شديد في بداية مرحلة التحاليل قبل ظهور النتائج. كان خوفها الأكبر أن يقال لها إنها مصابة بالسرطان. الكلمة لم تكن غريبة عليها، فقد عاشت التجربة مع أكثر من شخص في العائلة، لكنها كانت مرعبة.

لكن في يوم استلام النتائج مع الطبيبة، وفي دقيقتين من الانتظار، أنزل الله عليها سكينة واطمئنانا غريبين. تبدل شعورها، وانتهى الخوف تماما بعد أن كان مرعبا، وكأن شيئا تغير في داخلها. وحين سمعت كلمة السرطان، تقبلتها باطمئنان ورضا تام.

 

لا أحد يفهمها

كانت عائلتها وأصدقاؤها وزوجها دائما داعمين لها، وليست هذه المرة الأولى التي يعيشون فيها التجربة، لكنها أرادت أن يعاملوها بشكل طبيعي. مبالغتهم في التعامل معها كمريضة أشعرتها بأن لا أحد يفهمها؛ فالمبالغة في الخوف على صحتها ومناعتها جعلتها تشعر بالمرض، بينما لم تكن تريد أن تشعر طوال الوقت أنها مريضة.

 

الأنوثة المتضررة

في البداية، عندما أصيبت بالسرطان، شعرت أن العلاج الكيميائي هو الذي ينهكها أكثر من المرض نفسه. ومع سقوط الشعر تأثرت نفسيا وشعرت أنها مريضة فعلا. لكن مع ذلك، لم تشعر أن أنوثتها تضررت بسبب الشعر، بقدر ما ارتبط الأمر بالمرض نفسه ومخاوفه الأخرى.

مشوار التصالح طويل

ما زالت غدير في مرحلة مصالحة، لم تكن لتأثير العملية وحدها، بل لتغير جسدها ووزنها أيضا بسبب العلاج الهرمونـي. تحاول أن تتغلب وتتصالح، لكنه مشوار طويل.

تغيرت نظرتها للجمال؛ فلم يعد كل شيء يجب أن يكون مثاليا. لم تعد تهتم بالتفاصيل الصغيرة والخدوش وتعتبرها شكليات، فالأهم عندها هو الصحة، فهي تاج على رؤوس الأصحاء.

وتقول: زأدركت أن الجمال نسبي وغير مثالي، ولا توجد له معايير محددة. قد يتحدث كثيرون عن جمال الروح، لكن يظل الأمر نسبيا. ومن يحبك سيراك جميلا في كل حالاتكس.

السرطان لا يعنـي الموت بالضرورة

فكرة أن السرطان يؤدي بالضرورة إلى الموت غير صحيحة؛ إذ تؤكد غدير أن السرطان مرض مثل أي مرض آخر، والإنسان لا يموت إلا إذا كتب الله له ذلك، وفي أي وقت ومكان. قد يأتيه الموت وهو نائم مطمئن في بيته. لذلك فالسرطان ليس شيئا مرعبا كما يظنه البعض، لأن القدر يصيب الإنسان حيثما يكون.

سرطان الثدي ليس دائما صامتا

وشددت على أن الفكرة المغلوطة الشائعة بأن سرطان الثدي زخبيثس ولا يمكن الإحساس به، ليست دقيقة. تجربتها كانت مختلفة، فقد شعرت بألم، وهو ما دعاها للفحص. في البداية لم تتوقع أن تكون مصابة، بل كان هدفها فقط معرفة سبب الألم. لكن التجربة أثبتت أن الألم لا ينفي احتمال الإصابة.

الدرس الذي تعلمته هو ألا تكتفي المرأة بالفحص اليدوي، بل عليها المتابعة والفحوصات الطبية المنتظمة، فسرطان الثدي ليس دائما صامتا، وأحيانا يظهر على شكل ألم.

بادرن بالفحص وتخلصن من الخوف

وجهت كلمة صادقة وعميقة لكل امرأة: زلا تخافي... لا تخافي أبداس. وقالت: زالخوف هو السبب الأكبر الذي يجعل كثيرين يتأخرون عن الفحص. وهذا التأخير لا يعنـي فقدان الحياة مباشرة، لكنه يجعل الطريق أصعب ويدخل المريضة في مراحل علاج قاسية، بينما كان من الممكن أن يكون العلاج أبسط وفي وقت مبكر. الوقاية دائما خير من العلاج، والفحص المبكر قد ينقذ حياة. لذلك لا تخافي، ولا تؤجليس.

عيشوا حياتكم بلا ضغوطات

ونصحت: زعيشوا حياتكم بلا ضغوطات قدر المستطاع، وحاولوا أن تخففوا الحمل عن أنفسكم. لا تثقلوا حياتكم بما يعكر صفوهاس.

وتضيف أنها مقتنعة بأن الضغوط الشديدة التي مرت بها ساهمت في تسريع إصابتها. قد يكون هناك عامل وراثي، لكن وفق ما أخبرتها به الطبيبة، فإن الضغوط النفسية ساعدت على تطور المرض. لذلك رسالتها: خففوا عن أنفسكم، واجعلوا حياتكم يسيرة وهانئة ما أمكنكم.

البكاء الوحيد

منذ التشخيص لم تبك ولم تشعر بالخوف، لكن لحظة التخلي عن شعرها كانت الأصعب. لم تنتظر حتى يتساقط بالكامل، بل اتخذت القرار وذهبت لقصه كله دفعة واحدة، وكان ذلك اليوم الوحيد الذي بكت فيه منذ أن عرفت بالسرطان وحتى الآن.

ما زاد الموقف تأثيرا أن أختها الصغيرة قصت شعرها دعما لها. عندما رأت أختها تقدم على تلك الخطوة المفاجئة، بكت من جديد، ليس حزنا فقط، بل تأثرا بالمحبة والدعم الكبير الذي غمرها.

أما بالنسبة لها، فلم يكن الأمر مهما إلى هذا الحد؛ فعندما سقط شعرها جلبوا لها باروكة، لكنها لم تكن ترتديها. ما جعل الأمر قاسيا فعلا هو نظرة أولادها. لم تكن تريدهم أن يروها مريضة. أصعب لحظة على قلبها كانت عندما يلمس أحدهم رأسها أثناء اللعب فيسقط الشعر في يده. تلك النظرة في عيونهم ما زالت عالقة في ذاكرتها.

ملهمة لمحاربات السرطان

المرض أخذ منها الكثير من صحتها، فلم تعد كما كانت. قد يراها البعض بخير وبكامل قوتها، لكن داخلها يدرك أنها تغيرت. فقد عاشت منذ صغرها بصحة مستقرة، وفجأة تغير كل شيء وكأنه قنبلة بعثرت حياتها. ظهرت أمراض مثل الغدة الدرقية، وكل يوم تكتشف شيئا جديدا.

تعالجت وتجاوزت الكثير، لكنها تدرك أن صحتها ليست كما كانت. ومع ذلك، تحاول كل يوم أن تتكيف وتتعلم كيف تعيش مع هذه التغيرات.

المرض سمح لها أن تكون مصدر اطمئنان وملاذا لمحاربات السرطان، وهذا أسعدها كثيرا؛ أن تكون مصدر قوة وإلهام لهن. لقد منحها المرض منبرا لتساعد غيرها، وهذه نعمة لا تقدر بثمن.

كان شعورا جميلا أن تستطيع التأثير في الناس، خصوصا حين تلجأ إليها امرأة تمر بالتجربة لأول مرة فتسألها، فتمدها بالطمأنـينة من خلال تجربتها.

تقول: زأن تكون مصدر قوة لشخص يحتاجها، ومصدر اطمئنان في وقت صعب، هو شعور رائع لا يوصفس.

إصرار على المواجهة

خلال فترة العلاج كان تركيزها منصبا على تجاوز المرحلة. لم يكن لديها وقت للتفكير في الضعف. لكن بعد العلاج، بدأ الشعور بالضعف يتسلل إليها. لم يعد جسدها ينصفها كما كان، فأحاطها شعور العجز. ذاكرتها تضاءلت، وتشعر بدوار وخوف من السقوط.

هذا الإحساس بأنها لم تعد تستطيع الاعتماد على نفسها كما كانت، من أصعب لحظات الضعف. لكنها كانت تحارب وتتمرد على الواقع، وهو ما يعرضها لمتاعب لا تثنـيها. فهي ترفض أن تعيش حياتها بقيود؛ فتسببت في حادث عندما خرجت وحدها رغم التعب، كما سقطت أمام أولادها ذات مرة. كانت لحظات صعبة، لكن إصرارها على المواجهة جعلها تستمر.

اكتشاف القوة الداخلية

التجربة منحتها شعورا بأنها إنسانة مختلفة. اكتشفت قوة لم تكن تعرفها من قبل. خلال رحلة العلاج والتعافي تجاوزت أمورا كانت تظنها مستحيلة، ونجحت في مواجهة تحديات لم تتوقع يوما أن تتغلب عليها.

اليوم تجد نفسها قادرة على إنجاز أي مهمة وتجاوز أي تحد، لأنها تخطت ما هو أصعب وخرجت أقوى. تغيرت نظرتها للحياة، وأحبتها أكثر وتمسكت بها بقوة.

والدرس الأهم الذي اكتشفته هو أن الله أراد أن يعلمها يقينا ما كانت تردده دائما: أن كل شيء بيد الله. فلم يعد مجرد كلام، بل تجربة عاشتها وأدركت معناها.

وهي لا تفكر في احتمالية عودة المرض مجددا. وتقول: زالمرض جاء، والله أخذه، وإذا عاد سأفكر حينهاس. هذه هي فلسفتها الجديدة؛ فهي لا تريد أن تعود لتلك المرحلة الصعبة، وصحتها ليست كما كانت، لكنها أفضل.

لكل امرأة أقول: «لا تخافي... لا تخافي أبدا».
أوجه هذه الرسالة أولا إلى أخواتي، ثم إلى كل امرأة. إن الخوف هو السبب الأكبر الذي يجعل الكثيرين يتأخرون عن الفحص. وهذا التأخير لا يعنـي فقدان الحياة مباشرة، لكنه يجعل الطريق أصعب ويدخل المريضة في مراحل علاج قاسية، بينما كان من الممكن أن يكون العلاج أبسط وفي وقت مبكر.

فالوقاية دائما خير من العلاج، والفحص المبكر قد ينقذ حياة. لذلك لا تخافي، ولا تؤجلي. لا تكتفي بالفحص اليدوي فقط، بل عليك بالمتابعة والفحوصات الطبية المنتظمة. فسرطان الثدي ليس دائما صامتا، وأحيانا يظهر على شكل ألم. والسرطان لا يؤدي بالضرورة إلى الموت؛ فهو مرض مثل أي مرض آخر، والإنسان لا يموت إلا إذا كتب الله له ذلك، وفي أي وقت ومكان. قد يأتيه الموت وهو نائم مطمئن في بيته. لذلك فالسرطان ليس شيئا مرعبا كما يظنه البعض، لأن القدر يصيب الإنسان حيثما يكون.