+A
A-

لم أسمع صوت الحياة لكنني عشتها

إسراء البابلي، ممثلة للأمم المتحدة، وأول متحدثة رسمية في تاريخها من فاقدي السمع منذ الولادة، وأول طبيبة أسنان من فاقدي السمع. فتاة آمنت بحلمها وسط عالم يضج بالأحكام المسبقة. لم ترَ في اختلافها نقصا، بل ميزة، ولم تنتظر اعترافا من أحد لتمنح نفسها حق الحياة. لم تصغِ إلى أصوات من حاولوا حصرها في قوالب جاهزة، بل رفعت رأسها عاليا وسارت بخطى ثابتة نحو ذاتها.

رأت أن من حقها أن تحيا كما يحيا الآخرون، أن تحلم وأن تُخطئ، تماما كأي إنسان آخر.لم تسمح لأحد أن يكتب قصتها عنها؛ لأنها كانت تدرك تماما أن القلم لا يجب أن يُمسكه سواها.
لم تكن تحاول فقط أن تحيا، بل أن تغير، أن تهز فكرة المجتمع عن الاختلاف، وتثبت أن لكل إنسان الحق في أن يكون كما هو، لا كما يُراد له أن يكون.
في عالمٍ قد يغيب فيه الدعم، كان والداها هما عالمها، وجيشها، وسندها.
آمنا بها حين لم تكن تملك حتى القدرة على التعبير. وتقول اليوم بكل فخر: لم أسمع صوت الحياة، لكنني عشتها.

المدرسة… التحول الأول الحقيقي في حياتها
لم تكن عيون العالم مثل عيون والديها. فخارج حدود بيتها كان هناك واقع قاسٍ، عالم لا يعرف الرحمة، ولا يحتمل الاختلاف، ويعاقب من خُلق على هيئةٍ مختلفة وكأنها ذنب، بينما هي في الحقيقة حكمة من الله، وهبة بشكل آخر.
كان أول صدام لها مع هذا العالم لحظة دخولها المدرسة.
طفلة صغيرة، تحمل حقيبتها وأحلامها، وتقف على باب الحياة، فتقول: كنت أسمع عبارات الرفض تُلقى أمامي: “لا نقبل هذه النوعية من الأطفال… طريقتها في الكلام ستؤثر سلبا على الفصل”.
أي جرحٍ يمكن أن يحتمله قلب صغير أمام مثل هذا الرفض؟
لم تكن تفهم السبب، أو تدرك بعدُ ما معنى أن يُرفض الإنسان فقط لأنه مختلف.
تنقلت من مدرسة إلى أخرى… والرد نفسه، والخذلان ذاته. حتى جاء اليوم الذي دخلت فيه مدرسة في مملكة البحرين، التي كانت من أوائل الدول التي طبقت قانون الدمج التعليمي. كان ذلك التحول الأول الحقيقي في حياتها.
استقبلتها مديرة المدرسة بوجهٍ مليء بالحنان، وكانت المعلمات على دراية بوضعها، لكن قلوبهن سبقت علمهن. وزميلاتها أصبحن أخواتها في الرحلة. ولأول مرة شعرت أنها في بيتها الثاني، حيث لم تكن غريبة أبدا، بل كانت جزءا من نسيج جميل لم يُحاك إلا بخيوط التقبل، والاحتواء، والحب.

الاستسلام هو العيب الحقيقي
كان لديها حلم واضح: أن تكون طبيبة أسنان. لم يكن ذلك لتُثبت شيئا لأحد، بل لتُثبت لنفسها أنها تستحق أن تعيش الحياة التي تحلم بها، بالرغم من كل اختلاف.
لم تكن ترى نفسها “حالة خاصة”، بل إنسانة تملك طموحا وهدفا وإرادة. وكل خطوة تخطوها كانت تقربها من حلمها، حتى وإن بدت أبطأ من خطوات الآخرين.
قاومت نظرة المجتمع، وسارت في الطريق الذي اختارته بنفسها، لا الذي فُرض عليها. فتقول: “ربما استغرب كثيرون اختياري، لكنهم لم يروا قلبي، ولم يعرفوا الرحلة التي قطعتها لأصل. ما عشته جعلني أقدر كل لحظة، وأتمسك بحلمي أكثر من أي وقت مضى”.
وتؤكد أنها اختارت التخصص بإرادتها، وبإيمانها، وبقلبها. وتضيف: “الاختلاف ليس عيبا، أما الاستسلام فهو العيب الحقيقي”.

الجامعة… مجتمع أشد قسوة
في الجامعة، لم تكن مشكلتها في الدراسة نفسها، فقد كانت تؤمن بأن لكل مشكلة حلا. لكن، ماذا يمكن أن تفعل أمام زميلات وأساتذة يتقنون فن السخرية؟
وجدت نفسها داخل مجتمع آخر، أشد قسوة، مجتمع يحارب حقها في أن تكون طبيبة. كانت سنوات دراستها الجامعية الأصعب على الإطلاق، لكن رغم قسوتها فهي ممتنة لما حدث؛ لأنه علمها أن تكون أشد قوة وصلابة.
لا تنكر أن بعض الأساتذة امتلكوا قلبا يفيض بالإنسانية، لكنهم كانوا قلائل وسط بحرٍ من القسوة.

الحلم أصبح واقع وأخيرا طبيبة أسنان
حين أنهتُ دراستها للماجستير وعادتُ إلى البحرين بعد غياب، راودها الخوف من أن تبدأ الرحلة من جديد، لإثبات الذات، لكن الأقدار، كعادتها، تُفاجئنا دائما، فهناك أشخاص يسوقهم الله إلينا، لا ليأخذوا بأيدينا فقط، بل ليضيئوا لنا الطريق هكذا كانت تردد دائما فقد عرض عليها د. نواف الحمر، استشاري التقويم، فرصة العمل في مركزه، وقال ببساطةٍ صادقة: “أنا أؤمن بك”.
في تلك اللحظة، استرجعتُ شريطا قديما من ذاكرتها، كانت صغيرة ترافق والدتها إلى عيادته من أجل تقويم أسنان أخيها. رأته يومها بشغفه الذي لا يُخفى، وفهمت أن طب الأسنان مهنة لا يُتقنها إلا من امتلأ بها حبا وطموحا. عادتُ إلى البيت حينها وقالت لأمها: “أريد أن أصبح طبيبة أسنان”.
واليوم يعود القدر لتكون طبيبة أسنان ضمن طاقمه، فكان أول يد تمتد لتفتح طريقا لأشخاص مثلها في القطاع الطبي لم يخَف من أن يفعل ما هو مختلف وجديد، كانت تلك لحظة فارقة... لا مجرد بداية.

اليقين العميق بالله حقق الحلم
تؤكد أنها تمكنت من تحقيق حلمها عبر يقين عميق بالله، فهي تؤمن أن الله لا يزرع حلما في قلب إنسان إلا وقد رأى فيه القدرة على الوصول إليه.
عزمت وأصرت على تحويل حلمها إلى واقع، لترى الفخر في عيني والديها، اللذين كانا دافعها الأكبر لتجاوز كل الصعوبات.
وعلى الرغم من النظرات المشككة والشكوك التي واجهتها، لم يكن طريقها سهلا أبدا، لكن قلبها ظل ينبض بإصرار لا يلين، وروح لا تقبل الانكسار.
وفي كل مرة تصل فيها إلى هدفها، كانت تعيش ذروة الانتصار والفخر بنفسها.

ممثلة للأمم المتحدة وأول متحدثة رسمية من فاقدي السمع
لم يخطر في بالها يوما أنها ستكون ممثلة للأمم المتحدة، وأول متحدثة رسمية في تاريخها من فاقدي السمع منذ الولادة. حتى جاءها الاتصال المفاجئ: “تم اختيارك لتكوني صوتنا”.
فتقول: “يا له من مفارقة، أن أُمنَح هذا الشرف وأنا التي عشت حياتي بلا سمع... لكنها حكمة الله، الذي لا ينسى تعبنا، ويكافئنا حين نظن أن لا أحد يرانا”.
وقفت هناك، على منبر الأمم المتحدة، وألقت كلمتها بعنوان: “حتى لا نترك أحدا خلفنا...”.
كلمة تحدثت فيها عن الشمول، والعدالة، والأمل. وذكرت أن مملكة البحرين كانت من أوائل الدول التي طبقت قانون الدمج التعليمي، في وقتٍ لم تكن فيه هذه المفاهيم قد انتشرت عالميا. كانت سباقة في رؤيتها، حاضنة لأبنائها، وداعمة لمن فقدوا حواسهم… وكانت هي واحدة منهم.
في تلك اللحظة، شعرت أن كل الطرق التي مشتها بصمت، وكل التحديات، وكل لحظة تعب… كانت تستحق.
لم يتركني الله
وعن مصدر إلهامها وقوتها قالت: “لم يتركني الله يوما... كانت يده معي دائما. أراها في كل محطة من حياتي، في كل لحظة ظننت أنني وحيدة، وفي كل موقف شعرت فيه أنني على وشك الانكسار... كان هناك لطفٌ خفي، ويدٌ خفية تمسك بي وتعيدني إلى النور”.
وأضافت أن عائلتها هي جيشها الوحيد في الدنيا. تستمد إلهامها من صلابة والدها، الذي كان ولا يزال يمسك بيديها في كل منعطف، ويردد دائما: “لا تقلقي... أنتِ قدها”.
وتستمد قوتها من عزيمة والدتها، التي علمتها أن تعيش الحياة بكل ما فيها، لا بنصف قلب، بل بكامل الشغف والإصرار، وإصرارها على أن تحيا أفضل حياة ممكنة.
أما إخوتها، فقد غمروها بحبٍ من نوعٍ خاص، حبٍ صامت لكنه حاضر في كل لحظة. حب يجعلها تبتسم بلا سبب، فقط لأنهم حولها. كل واحدٍ منهم ألهمها بطريقته الخاصة...

الحياة لا تفتح أبوابها للضعفاء
ووجهت كلمة لأقرانها من فاقدي السمع قائلة: “تذكر دائما أن قلم قصة حياتك لا يزال بين يديك، وأنك وحدك من يقرر كيف تكتب فصولها، لا أحد غيرك. لا تُقارن نفسك بغيرك، ولا تنسج إجابتك على إجابات الآخرين، فالله وضع لكلٍ منا اختباره الخاص، وأسئلتنا أصلا مختلفة...
فالرحلة، والوجع، والظروف ليست متشابهة أبدا. عِش الحياة كما تحب، كما تُشبهك، لا كما يُمليها عليك المجتمع أو تحددها أعين الناس. فأفكارهم ليست وجهتك، ونظراتهم ليست مرآتك.
الناس لا يتقبلون التميز سريعا، يخشونه ويرفضونه... لكن حين يرونك تصنع من الحلم معجزة، يقفون صامتين، منبهرين، ثم ينحنون احتراما لقوتك. هكذا الدنيا... لا تنصف إلا من تمسك بحلمه وأكمل الطريق رغم كل شيء.
الحياة لا تفتح أبوابها للضعفاء الذين يبكون على الأرصفة، بل تنحني، بكل جبروتها، أمام من قاوم، وثبت، وأصر، مهما طال الليل، وبعدت المسافة، وأثقلنا التعب... تذكر دائما: أن الشمس لابد أن تشرق”.