+A
A-

هدى العتيبي... أقوى امرأة في عالم “سنجد سقطي”

إعداد: حسن فضل

 

“سنجد سقطي” هو اسم لمرض وراثي نادر جدًا، وينتج عنه نقص في هرمون الغدد جارات الدرقية، مع قصور في القامة وتأخر في التطور. وهو مرض يفتقد للتوعية والاهتمام، وأسر ضحاياه يعيشون العزلة والضياع والحيرة، فلا علاج يمكن أن يخلصهم منه، ولا رؤية مستقبلية واضحة، وكأنهم يعيشون في دوامة من الصمت. “صحتنا” دخلت في قلب هذا العالم ونشرت لقاءات عدة مع عوائل المرضى ومع مكتشفة المرض د. نادية سقطي. كل أمهات أطفال السنجد سقطي قويات ومناضلات، لكنهن غالبًا يضعفن أمام نظرات الشفقة، فيخفين أطفالهن عن العالم. ولكن هناك من اختارت أن تكسر الدائرة وتخرج للعلن، تتحدى هذه النظرات، وتتعامل بإيجابية مع المرض، ناشرة التفاؤل والقوة.

 

هدى العتيبي من الرياض، أقوى امرأة في عالم السنجد سقطي، قررت أن تكون نورة ابنتها هي أقوى طفلة، وألا يُنظر إليها بنظرة شفقة أو رحمة. ليس الهدف أن تفرضها على المجتمع، بل أن تجعل الناس يرون نورة كما هي، بقوتها، فعبر حساباتها على وسائل التواصل الاجتماعي، تنشر يومياتها مع ابنتها بكل فخر وتفاؤل. بالنسبة لها، هي الأب والأم والممرضة والطبيبة أيضًا. وهذا منحها قوة غير طبيعية لا تستطيع وصفها، إذ تعتبر نورة شريان حياتها وكل حياتها.  “صحتنا” التقتها في حوار صريح وملهم.


الطفل الأول
حين أنجبت طفلها الأول المصاب بمرض سنجد سقطي كانت في عمر المراهقة، وبنتا مدللة، فلم تكن تدرك معنى المسؤولية ولا تعرف أبعاد المرض حتى جاءها د. عبدالرحمن السويد وقال لها: “أعمارهم لا تتجاوز 11 سنة، وأكبر طفل عاش في تلك الفترة كان بهذا العمر”. لم تهتم كثيرًا بالموضوع، وشعرت أنه سيعيش ويصبح طفلا طبيعيا. ولكنه للأسف توفي.. توفي قبل أن تعلم بشكل كافٍ، فلم تتمكن من استيعاب حالته إلا بعد وفاته.
لحظات الموت
لحظات موته ما تزال عالقة في ذاكرتها كشرائط من الصور تتدفق أمامها. كانت طيلة الشهر قبل وفاته تجلس عند باب غرفة العناية؛ حيث كان تحت التخدير وعلى جهاز التنفس الصناعي، أحيانًا يسمح لها الطبيب بالدخول، وأحيانًا لا ثم جاءت اللحظة عند الفجر، كانت تقرأ القرآن عليه، وكان يمسك يدها، وهذه أول مرة يمسك يديه ويفتح عينيه. استبشرت خيرًا، ولكن للأسف، كانت هذه بدايات نزع الروح، حتى توفي.. شعرت حينها بالتقصير، وأنها مذنبة.
رحلة البحث 
بدأت رحلة البحث بعدها، حيث كانت تقرأ وتتعلم. حتى دخلت في منتدى عالم الوراثة الذي أُنشئ بعد ثلاث سنوات من وفاته، فبدأت تفهم المرض أكثر وتستوعب تفاصيله.
أول ما عرفته أنهم ليسوا متخلفين عقلياً كما صُوّر لها في البداية بالعكس، هم أذكياء جدًا، أذكياء وحساسون بدرجة لا تُتخيل، ويتعلقون بالأشخاص المحيطين بهم بشكل عميق.. ولذلك كانت تشعر بالذنب في كل مرة، لأنها لم تعطه حقه كما يجب، بل عاملته بناءً على ما قيل لها عنه. كانت تكتشف باستمرار شيئًا جديدًا يخالف ما قيل لها في البداية، فطفلها عاش فقط سنتين وبضعة أشهر، ورحل من دون أن تتمكن من فهم حالته أو التعرف عليه كما يجب.
كل شخص مسؤول
وأشارت إلى أنه كان هناك موقع إلكتروني شامل لكنه لم يستمر، الكل يريد أن يفهم، لكنهم يتراجعون بسبب ضبابية الرؤية المستقبلية وعدم وجود الأمل. فهم يبحثون عن العلاج، وعندما يكتشفون أنه غير متوافر، يتراجعون لأنهم يرون أنه لا مستقبل.
أو يظنون أن المرض قد يتغير، فتقول: “بينما الصحيح أن ندخل لنفهم، ونرى ما هو الممكن أن نساعد فيه، لا أن نبحث عن الحل الجذري. ما الذي يمكننا أن نضيفه؟ فالمسؤولية ليست فقط على الدول والوزارات، بل كل شخص مسؤول”. 
إدراك معنى المسؤولية
قبل طفلها الأول لم تكن تعرف معنى المسؤولية، ولم تكن تدرك أن هناك أشياء لا يمكن الحصول عليها. سابقًا، كان كل ما تريده يتحقق؛ من تغيير المدرسة أو الأستاذة أو حتى السائق. لكن عندما جاءها الطفل المصاب بـ “السنجد”، علّمها أن الحياة ليست سهلة، وأنه ليس كل شيء يمكن تغييره.
فهي لم تستطع أن تغيّر مرض طفلها، مهما فعلت، ومهما دفعت، ومهما بحثت. حتى لو دارت الكرة الأرضية كلها، وطرقت أبواب الطب في الداخل والخارج، لم تستطع التغيير.
وتضيف: “صحيح أن ليس كل شيء يمكنك تغييره، لكن يمكنك أن تُصلح منه”. 
نورة منحتها القوة
أصعب ما تواجهه هو التوفيق بين نورة وتعبها، خصوصًا في الأيام الأخيرة، حيث أصبحت تتعب كثيرًا. فهي المسؤولة عنها بالكامل؛ بالنسبة لها، هي الأب والأم والممرضة والطبيبة أيضًا. وهذا منحها قوة غير طبيعية لا تستطيع وصفها، إذ تعتبر نورة شريان حياتها وكل حياتها.
وتقول: “هي التي أعطتني هذه القوة. إحساسي بمسؤوليتي تجاهها، وأنني يجب أن أنجز لها كل شيء، منحني هذه القوة وفتح لي مجالات كثيرة”. 
أطباء لا يدركون
ما تزال تواجه صعوبة مع أطبائها المتخصصين، فليس هناك بروتوكول ثابت يُستند إليه، وأطفال السنجد يختلفون من حالة لأخرى.
بعض الأطباء يجبرونها على إجراءات نجحت مع مرضى آخرين، لكنها لم تنجح مع ابنتها، إذ يستندون إلى تجاربهم الخاصة. وهنا تبدأ المصادمات بينها وبين الطبيب؛ فهو يريد أن ينفعها ويساعدها، ولا يقصد الضرر، لكن من خلال تجاربه. أما هي فقد مرّت بالتجربة نفسها التي ينصح بها، وكانت نتيجتها سيئة، لذلك ترفض تكرارها.
كثيرًا ما كانت ترفض لأنها تعرف الضرر، فكانت إدارة المستشفى تستدعيها وتحمّلها المسؤولية. ومع ذلك، هناك من الأطباء من يتفهم، بل يخبرها: “أنتِ الدكتورة، نحن لا نضيف، فما رأيكِ؟”. 
ضرورة إدراجه ضمن فحوصات ما قبل الزواج
وعن مطالباتها، شددت على ضرورة أن يكون الفحص الوراثي لمرض السنجد سقطي إلزاميًا قبل الزواج، وأن يُدرج مع برامج التثقيف والتوعية؛ فهناك من يظنه مجرد “كذبة” أو “خزعبلات”، أو يصرّ على أنه “من الله”، فيستمرون في الزواج، لتتكرر المأساة وتزيد الضحايا.
ولفتت إلى الحاجة لوجود جمعية وأكاديمية ومراكز مختصة للتعليم، والعلاج الطبيعي، وعلاج النطق، ولدراسة الحالات، كما هو الحال مع متلازمة داون.
وأضافت أن السنجد سقطي يُعدّ من فئات الإعاقة ويحصل المصابون به على دعم، إلا أن مصروفاته مكلفة جدًا، مثل أجهزة التنفس التي تمثل الحياة لبعض الحالات.
كما أوضحت أنه حتى في قسم الطوارئ لا يتم التعامل مع حالتهم كحالة طارئة، وبالتالي لا يُوفر لهم الإسعاف، ما يجعل نقلهم إلى المستشفى أمرًا بالغ الصعوبة. وأشارت إلى أنها فقدت وظيفتها، ولا تستطيع العودة للعمل لعدم قدرتها على ترك طفلتها، فتظل ملازمة لها على مدار 24 ساعة.
أعراض سنجد سقطي 
وعن أعراض سنجد سقطي تشرح بأنه في البداية، تكون الأعراض التشنجات وقلة التنفس. لكن إذا تجاوز الطفل هذه المرحلة بعد الأربعين يومًا، فالأمر يعتمد بشكل كبير على الشخص الذي يعتني به: هل سيترك الأعراض تستمر بعد مشيئة الله، أم سيتدخل ويساعد في التخفيف منها. 
وتقول “أنا مثلاً تسلمت نورة عندما كان عمرها أربعين يومًا، وكانت تُغذّى عن طريق الأنبوب (الأنف). وبعد أقل من شهر، أصبحت ترضع طبيعيًا.
من أبرز الأعراض أيضًا الاستفراغ المستمر وبعض الأعراض المرهقة للأمهات، لكنها قابلة للتخفيف. كل ما هو مطلوب منك أن تقلل من حدة الأعراض قدر الإمكان، حتى لا تتفاقم”. 
اكتشاف الجين المورث وإصرار على الانجاب
قبل أن يتوفى طفلها بعدة أشهر، كان ذلك الوقت تاريخ اكتشاف د. عايدة العقيل للجين المورّث للمرض. قبل هذا الاكتشاف، لم يكن هناك وعي كافٍ، وكان المرض يُدرج فقط ضمن قائمة الأمراض الوراثية، لكن الجين المسؤول عنه لم يكن معروفًا.
أخبرتها د. عايدة العقيل أن الجين قد تم اكتشافه، وقالت: “يمكنكم إجراء التحاليل للتأكد إن كنتم حاملين للمرض”. وبالفعل أجرت التحاليل، وتبيّن أنهم حاملون للمرض، وأوضحوا لهم أن هناك أكثر من طريقة لإنجاب طفل سليم.
ومع ذلك، لم تلغِ فكرة الإنجاب رغم خوفها على الطفل المقبل. ثم جاءت نونو، وكانت أيضًا مصابة.
بداية محنة جديدة
حين علمت أنها حامل بنورة، طلبوا منها إجهاضها، وكان عمر الحمل يقارب ستة أشهر. لم تكن تعلم آنذاك أن الجنين قد يكون مصابًا بمتلازمة السنجد سقطي.
مع وصولها للشهر السادس، بدأت قياسات الجنين في الأشعة فوق الصوتية تظهر أصغر من الطبيعي: في الشهر السادس كان بحجم جنين في الشهر الرابع، وفي الشهر السابع بدا كأنه في الشهر السادس. عندها بدأ الأطباء يشكّون، ثم رجّحوا أن تكون مصابة بالمتلازمة مثل شقيقها الأول.
لكنها تجاوزت المرحلة التي يمكن فيها إجراء الفحص الجيني، إذ يجرى عادة في الأشهر الثلاثة الأولى. لذلك طلبوا منها إنهاء الحمل، قائلين: كلما كبر الجنين أكثر، ازدادت معاناة رئتَيه، ويجب إنزاله.
كانت كلما تستخير تشعر بالاطمئنان، حتى أنجبتها. وبعد الولادة أخذوا الطفلة منها نحو أربعين يومًا؛ لم تكن تراها إلا من خلف الزجاج، ومُنعت من لمسها. وعندما سلّموها لها أخيرًا، استقبلتها وهي تدرك أن محنتها الحقيقية بدأت الآن، وأن أمامها تضحيات جسام، وأنها ستضطلع بدور الأم والأب في الوقت نفسه.
لكن نورة كانت مختلفة. كان مطلوبًا منها أن تعطيها كل شيء، وألا تجعلها تعيش الحياة نفسها التي عاشها أخوها الأول. فقد شعرت أنها قصّرت في حقه، بينما مع نورة قررت أن تكون على قدر المسؤولية.
الخروج للعلن وتحدي النظرات
اتخذت القرار منذ ولادة نورة بألا تخفيها، وأن تظهر للعلن عبر وسائل التواصل الاجتماعي. فقد شعرت بنظرات العالم والعائلة والأصدقاء تلاحقها، ونصائحهم بألا تخرج بها للناس لأنها صغيرة ومريضة. عندها قررت أن تكون نورة أقوى من الطفل السليم، وأن تظهر بأفضل صورة ممكنة.
جميعهم كانوا يدخلون على “الخاص” ويتمنون أن يصبحوا مثلها، ويسألون: كيف أصبحتِ بهذه القوة؟ فتجيبهم دائمًا: أنتِ خذي قرارك داخلك. اعتبريها ليست “سنجد”، بل أزمة أو مشكلة في حياتك، لا يمكنك أن تتجاوزيها إلا إذا آمنتِ أنكِ قادرة على ذلك. لكن إن حبستِ نفسكِ في نفس الدائرة، واعتقدتِ أن هذا المرض يجب أن يكون له حل، وبدأتِ بلوم الدولة والوزراء والعالم، فلن تجدي الحل. فهو إما لم يُكتشف بعد، أو أن الناس لم يسعوا إليه، أو لم يهتموا.
هي حالة مثل أي إشكالية في الحياة، سواء كانت مادية، أو وظيفية، أو عائلية. تعاملي مع المشكلة نفسها، ولا تنتظري من الآخرين أن يأتوا ليزيلوا مشكلتك.
قرارها الحاسم
القرار الذي اتخذته بعد أن أدركت حقيقة المرض هو أن تكون أقوى طفلة، وألا يُنظر إليها بنظرة شفقة أو رحمة. ليس الهدف أن تفرضها على المجتمع، بل أن تجعل الناس يرون نورة كما هي، بقوتها وقدرتها.
هي أصبحت مدرستها، لأنها أخاف عليها من المدرسة، بسبب ضعف بنيتهم الجسدية، حيث أي سقوط قد يعرّضهم للكسر. كذلك طبيعة تغذيتهم الخاصة، بكميات صغيرة ومتقاربة، تجعل من الصعب أن تعيش في بيئة مدرسية عادية. لذلك قررت أن تدرّسها “أونلاين” لتعيش أجواء الدراسة، وأحيانًا تجلب لها مدرّسات نشاط وألعاب لتشعر أنها تتعلم كبقية الأطفال.
نورة الآن تكتب وتتحدث بالإنجليزية والعربية. صحيح أنها لا تتكلم بفصاحة كاملة، لكنها تفهم جيدًا وتكتب الحروف. لديها هاتف وتتواصل من خلاله مع الأهل. أما جدتها، فهي المحامية الخاصة بها؛ فإذا أرادت شيئًا ولم تحصل عليه، تتصل مباشرة بجدتها.
حتى في المناسبات مثل العيد الوطني أو الأعياد، إذا فاتتها الاحتفالات وكانت منوّمة في المستشفى، فإنها تتصل “أونلاين” بجدتها لتشارك الأجواء عن بُعد. 
يعتقدونها دمية
كانت نظارات الاستعطاف مؤلمة لها داخليًا، لكن خارجيًا لا يظهر يبرز هذا. نورة، عندما تمشي في المستشفى أو في الشارع، يظهر قصر جسدها بوضوح. نظرات الناس لم تكن شفقة بقدر ما كانت استغرابًا أو حتى خوفًا. أحيانًا كانوا يتصورونها دمية غير حقيقية، ويتابعونها فقط ليتأكدوا من ما هذا الكائن. كانت دائمًا توقفهم وتنبّههم أن هذا السلوك غير مقبول
عيشوا معهم فلحظاتهم قليلة
ووجّهت كلمة لعوائل أطفال السنجد سقطي فقالت:
“عيشوا معهم، فلحظاتهم قليلة – لا سمح الله – لكن فقدهم مؤلم، وتندمون على كل لحظة ضيعتموها دونهم. عيشوا معهم كطفل سليم، عاملوهم وأعطوهم حقوقهم كطفل سليم: من اللعب ومن العناية. دعوا أجزاء المرض للمرض”. 
مستقبل جميل
تتطلع لاكتشاف علاج جديد، فهي تؤمن أنه لا شيء مستحيل؛ فكما وُجدت علاجات لكثير من الأمراض، يمكن أن يتوافر علاج لسنجد سقطي أيضًا، فما أنزل الله من داء إلا وله دواء. لكنها لا تريد أن ترهق نفسها في التفكير والبحث، بل تنتظر حتى يتوافر العلاج.
ترى مستقبلها جميلًا، وبالنسبة لها نورة هي ابتسامة حياتها، تراها كل يوم أجمل مما قبله. وكل يوم قادم لا تراه مخيفًا، بل ترى فيه كل شيء جميلًا، فوجود نونو يضيف لها كل ما هو أجمل، ولهذا تؤمن أن القادم سيكون بالتأكيد أجمل.
كلمة “صحتنا” 
أخذت “صحتنا” على عاتقها المسؤولية المجتمعية في دعم عوائل مرضى السنجد سقطي النادر، فلم تعتبرهم مجرد خبر أو سبق صحافي عابر، بل زارتهم، التقتهم، استمعت لمعاناتهم وهمومهم، ونقلت صوتهم بكل صدق وشفافية. وتتمنى أن يسهم هذا اللقاء في نشر الوعي بشأن المرض، وأن تتحمل مراكز البحوث والمراكز الطبية مسؤوليتها في الاهتمام به من ناحية العلاج وتحسين ظروف حياة المرضى. كما تأمل أن يكون هذا اللقاء محفزًا وملهمًا لكل المرضى وعائلاتهم، ليشعروا أنهم ليسوا وحدهم، وأن المجتمع معهم في رحلة التحدي والأمل.