+A
A-

ملاذ آمن للتعافي من الإدمان في مجتمع لا يرحم ولا يسامح

الإدمان عالم سري للغاية، فمن يدخله يعيش في دائرة مغلقة وحياة مليئة بالخوف والرعب وعدم الاستقرار، تستنزف عمره ووقته في حلقة مفرغة من الإدمان الذي لا ينتهي، وإن حاول التحرر من قيوده، تكون جهوده الذاتية محكومة في الغالب بالفشل، وإذا قرر اللجوء لجهة ما يكون عالقا بين سندان الإدمان ومطرقة الفضيحة في مجتمع لا يرحم ولا يسامح، فتقيده درجة الخصوصية العالية، وتكبح طموحه للتعافي والهروب من شبح الإدمان؛ فيفضل الاستسلام للإدمان على التعافي الذي سيعرضه لوصمة العار من المجتمع.
من هنا برزت الحاجة لوجود جهة تحتضن المدمنين بسرية تامة من عالم الإدمان إلى عالم التعافي، وتوفر لهم بيئة آمنة مليئة بالخصوصية، حيث تأسست زمالة المدمنين المجهولين العام 1953 في الولايات المتحدة الأميركية، وانتشرت سريعا في عدد من الدول؛ لتحتضن كل من دخل عالم الإدمان بفلسفة مدمن يساعد مدمنا، وتقدم العون لكل من دخل عالم الإدمان بسرية؛ ليخرج منه إلى عالم التعافي بسرية أيضا دون أن تلاحقه وصمة العار، ويمارس حياته الطبيعية متحررا من الماضي وتبعاته. وفي العام 1985 تأسست زمالة المدمنين المجهولين البحرينية بمبادرة من عدد من الأشخاص، وبمساعدة من وزارة الداخلية ووزارة الصحة، كأول زمالة من نوعها في الشرق الأوسط؛ لتكون ملاذا آمنا لكل من قرر الامتناع عن التعاطي، دون قيود أو شروط أو رسوم اشتراك. “صحتنا” التقت رئيس العلاقات العامة في زملاء المدمنين المجهولين “م.د” وكان هذا اللقاء:

 

ما هي زمالة المدمنين المجهولين؟ ومتى بدأت في البحرين؟
زمالة المدمنين المجهولين هي زمالة أو جمعية غير ربحية، تتكون من مجموعات من نساء ورجال من المدمنين المتعافين، أو أي شخص لديه مشكلة مع تعاطي المخدرات، وتهدف إلى خلق بيئة لدعم بعضهم بعضا، فنحن مدمنون نتعافى، ونجتمع باستمرار لنساعد بعضنا البعض كي نبقى ممتنعين. 

ما سبب تسميتها بالمدمنين المجهولين، وما أهمية السرية والخصوصية داخل الزمالة؟
سُمّيت بالمدمنين المجهولين؛ لأن مبدأ المجهولية هو أحد الركائز الأساسية في البرنامج، فهو يحفظ كرامة العضو، ويحميه من الوصمة المجتمعية، ويخلق بيئة آمنة للصدق والمشاركة. والسرية تعني أن ما يقال في الغرفة، يبقى في الغرفة، ولا ينقل لأي جهة أو شخص خارج الزمالة.
الزمالة تقوم على مبدأ التجربة المشتركة، أي أن شخصا كان يعاني من الإدمان، ويعيش اليوم في التعافي، يمد يده لمساعدة غيره. “مدمن يساعد مدمنا” تعني أن التعاطف والتفاهم بين الأعضاء أقوى من أي نصيحة خارجية؛ لأنهم عاشوا نفس الألم. وهي لا تقدم علاجا، وليست جهة مهنية، بل تعتمد على التجارب الشخصية.

هل يمكن أن تحدثنا الخطوات الـ 12 التي تتبعها الزمالة؟
يوجد 12 خطوة، وهي أسلوب حياة جديدة للمدمن، ويعمل بها بمساعدة الموجه، وهو شخص ذو خبرة سابقة في مراحل التعافي والامتناع، وحضور الاجتماعات.
فالخطوة الأولى هي اعترافنا بأننا لا نملك القوة تجاه إدماننا، وأن حياتنا أصبحت غير قابلة للإدارة. وهنا يبدأ المدمن بالاستسلام لهذا البرنامج، عبر اعترافه بلجوئه إلى المخدرات، ظنا منه أنها ستخفف من حدة المرض؛ ولكن كانت الحقيقة عكس ذلك.

كيف يمكن لأي شخص أن ينضم إلى الزمالة؟
لا توجد قيود أو شروط أو رسوم اشتراك. عضوية البرنامج تقوم فقط على الرغبة في الامتناع عن التعاطي. ويمكن التواصل معنا عبر الخط الساخن 17533558 والواتساب 33983512.

ما أنواع اللقاءات أو الاجتماعات التي تقيمونها؟ وهل هي مفتوحة للجمهور؟
توجد اجتماعات مغلقة، وهي مخصصة لأي شخص لديه مشكلة مع تعاطي المخدرات.
أما الاجتماعات المفتوحة، فهي للعامة، ويمكن أن يحضرها أي شخص غير مدمن، مثل الأهالي وأصدقاء المدمنين، أو المهنيين، أو أي شخص يرغب في الاطلاع على البرنامج. 

كم عدد الأعضاء حاليا في البحرين؟ وهل لاحظتم ازديادا في الأعداد حديثا؟
لا نقوم بإجراء إحصاءات دقيقة؛ ولكننا لاحظنا ازديادا ملحوظا في عدد الحضور بالسنوات الأخيرة، خصوصا بعد الجهود التوعوية والتعاون مع بعض الجهات الرسمية مثل إدارة الإصلاح والتأهيل، ووحدة المؤيد، والخط الساخن وهذا ما يجعل الزمالة دائما في نمو مستمر.

ما أبرز التحديات التي تواجه الزمالة حاليا؟
نقص الوعي المجتمعي بشأن طبيعة الإدمان كمرض، ووصمة العار الاجتماعية، وصعوبة الوصول إلى بعض الفئات المحتاجة للدعم، ونقص الدعم الإعلامي والرسمي في بعض المناطق.

هل هناك تعاون مع الجهات الرسمية مثل وزارة الصحة أو الداخلية؟
نعم، لدينا تواصل وتعاون متبادل مع بعض الجهات مثل وزارة الصحة، وبعض الأقسام في وزارة الداخلية؛ بهدف إيصال رسالة التعافي للمدمنين داخل المؤسسات العلاجية أو الإصلاحية.

هل تذكر لنا موقفا أو قصة لأحد المتعافين ألهمتكم بشكل خاص؟ وما أكثر موقف أثّر فيك؟
أتذكر صعوبة أحد الأعضاء في الحضور، حيث كان على كرسي متحرك، وكانت هناك صعوبة في وصوله إلى غرف الاجتماعات؛ لكنه حضر مع ذلك. هذا الموقف كان دافعا لي للاستمرار في حضور الاجتماعات، وقد تتساءل عن الدافع الذي جعله يحضر بالرغم من إعاقته الدائمة. 

هل سبق أن عاد أحد الأعضاء للإدمان بعد الانضمام؟ وكيف تتعاملون مع الانتكاسات؟
نعم، الانتكاسة واردة، ولكن في زمالة المدمنين المجهولين نؤمن بأن قرار الامتناع الواضح والصريح هو الطريق نحو التعافي.
نحن لا نحكم على أحد، بل نمد يد العون لمن ينتكس ونقول له “واصل العودة وأنت مرحب بك دائما”، ونقدم له كل الحب والمساندة؛ لأننا جميعا مررنا بصعوبات مشابهة. 

هل هناك لقاءات مخصصة للنساء؟ وما أبرز التحديات التي تواجه المرأة المتعافية؟
الحمد لله، اليوم يوجد نساء في زمالتنا، ولدى بعضهن مدد من التعافي تصل إلى ما يقارب 7 سنوات أو أكثر، وقد خصص لهن يوم في الأسبوع لاجتماع خاص بالنساء، يتحدثن فيه بحرية عن خصوصياتهن، بينما يشاركن في باقي الأيام ضمن الاجتماعات المشتركة. كما أن بعضهن أصبحن متطوعات في زمالة المدمنين المجهولين، وحملن رسالة الزمالة في سجن النساء في السعودية. 
وقد نُصّ في كتيب النص الأساسي لبرنامج الخطوات الـ 12 على أن المدمن هو رجل أو امرأة تسيطر المخدرات على حياته، ما يؤكد أن الرسالة موجهة إلى الجميع دون استثناء.
أما فيما يتعلق بالتحديات، فعلى الرغم من أن المشكلة واحدة وهي الإدمان؛ ولكن نظرا لطبيعة مجتمعنا المحافظ ما زالت نظرة المجتمع متشددة أكثر لهن مقارنة بالرجل.

ما رسالتك لمن فقد الأمل في التعافي؟
نقول له: هناك أمل دائما. نحن كنا مثلك، وها نحن اليوم نعيش في امتناع وتعافٍ. لست وحدك، وكلنا معك، ونحن هنا نمد لك يدنا لتتعافى وتترك الإدمان.

ما تقييمكم لمدى وعي المجتمع البحريني اليوم تجاه الإدمان مقارنة بالعقد الماضي؟
الوعي بدأ يتحسن، خصوصا مع جهود التوعية الحديثة؛ لكن ما تزال هناك حاجة إلى مزيد من التقبل، وفهم الإدمان كمرض، وليس كعيب أخلاقي.
هل تختلف طريقة الدعم حسب نوع المادة المخدرة أو طريقة التعاطي؟
برنامج الزمالة لا يفرِّق بين نوع المخدر أو طريقة التعاطي. نحن نركز على المرض نفسه وهو الإدمان، وليس على التفاصيل. كل من لديه الرغبة في التوقف، مرحب به.

كلمة شكر توجهها لمن؟ 
نشكر وزارة الداخلية على الجهود المبذولة التي يقدمونها لمجتمعنا البحريني وإتاحة الفرصة لنا لحمل رسالتنا في السجون المفتوحة، كما نشكر وزارة الصحة، ووحدة المؤيد وإتاحة، على إتاحة الفرصة لنا لحمل الرسالة فيها، ونشكر كل من ساهم في حمل الرسالة.