+A
A-

محاربة فقر الدم المنجلي خديجة باسل .. عزيمة لا توقفها نوبات الألم

خديجة باسل متطوعة في الاتحاد البحريني للملاكمة ومصورة وإعلامية متخصصة في مجال الرياضة. ومحاربة لفقر الدم المنجلي، وصاحبة تجربة استثنائية وملهمة مع مرض متوحش ولا يرحم؛ ولكنها محاربة عنيدة لا تقبل بإملاءاته ولا تحكمها أقداره وقوانينه ومتمردة بعنفوانها وعزمها الذي لا تكسره نوبات الألم القاتلة. 
ولها من الشجاعة والجرأة لتتحداه وتروضه ليكون صديقها الملازم، وتحول كمية الألم الهائلة لجرعات أمل وتعالج أوجاعه المرهقة بالرياضة، فعندما مارست الرياضة قلت نوباتها لتجعل من نقطة ضعفها مصدر قوتها فلا يقف عائقًا أمام طموحاتها التي لا تعرف المستحيل.  

عبارات التنمر السلبية كانت تغذي روح التحدي عندها لتثبت للجميع قدراتها التي تتمرد على الألم وتصنع حياة جديدة مليئة بالإبداع والإنجاز. فآمنت بقدراتها وأنها يمكن أن تحقق ما تريد، جعلت من تخصصها في الإعلام منصة لإرسال صوتها الداخلي وصوت كل مريض سكلر في البحرين وكل العالم.
السكلر لم يتمكن من هزيمتها لكنها تعترف كسرها مرة واحدة حين أخذ منها أعز أصدقائها ورفيقة دربها محاربة السكلر وديعة سيد عباس السهلاوي، ألم لم تتعافى منه، فمازال طيفها معها وعصية على النسيان.
وفي اليوم العالمي لمرض فقر الدم المنجلي ترفع صوتها عاليًا قائلة”نحن أشخاص طبيعيون نعيش حياتنا مثل الآخرين، لكننا نختلف عنهم فقط في الألم”.

كلمة شكر تقدمينها لمن؟

أتوجه بالشكر في البداية والمقام الأول إلى أمي وأبي؛ لأنهما كانا يدفعاني لأن أكون أقوى في مواجهة هذا المرض، فهما كانا يتحدياني في إنجاز المهام دائماً كنوع من التشجيع، وأنا أثبت لهما قدراتي، كما أشكر جدي (رحمه الله)؛ لأنه كان الشخص الذي آمن بقدراتي وكان دائماً يقول: “أنت تستطيعين‮»، عبارة كان لها الأثر الكبير على تجربتي، ولا أنسى خالتي، وهي أمي الثانية التي ربتني وكبرتني، وأصدقائي الموجودين في حياتي دائمًا، الذين أتقنوا فهم مرضي والتعامل معه، وأخص بالشكر أشكر صديقتي  معصومة الوداعي، رفيقة دربي منذ 16 سنة وذراعي اليمين، وفي مجال عملي أوجه الشكر الكبير للأستاذ رائد الموسى، الشخص الذي فهمني وفهم مرضي وغرس روح التحدي لدخول مجال الملاكمة. وفي النهاية الشخصية التي دعمتني وفهمت ألمي وكانت الأقرب لي هي المرحومة وديعة، التي فقدتها، لكنها ما زالت حاضرة في وجداني.

ماذا أخذ منك السكلر وماذا أضاف؟

‮«السكلر‮» منحني القوة وقدرة تحمل وشخصية فريدة، فكل ما وصلت إليه اليوم في حياتي هو بسبب إصابتي بالسكلر. فرغم عبارات التشكيك في قدراتي التي كانت تلاحقني بأنني لن أتمكن من مواصلة دراستي ومهامي في الحياة بسبب السكلر، وأنني سأظل محبوسة الجدران وعلى سرير المرض؛ لكنها لم تهزمني، وكانت دافعاً لي للإصرار والتحدي، فآمنت بقدراتي وأنني يمكن أن أحقق ما أريد، وكانت دافعًا لي لمواصلة إنجازاتي؛ ولكن في المقابل أخذ مني صوتي وجزءا من جسمي والابتسامة بشكل كبير والفرحة، فكان دائماً في ذروة فرحتي يأتي ليفسد هذه النشوة ويحولها لتعاسة وألم.

هل تعرضتِ إلى تنمر بسبب السكلر في حياتك؟

أنا لا أسميه تنمرا بقدر ما أسميه تحديا، فعندما كان البعض يطلق عبارات سلبية لي مثل لماذا أنت صفراء اللون وعينك صفراء، وضعيفة، كان هذا يغذي روح التحدي عندي لأثبت لهم قدراتي التي تتمرد على الألم وتصنع حياة جديدة وجديرة بالتقدير وحافلة بالإنجازات وجديرة بالتقدير.

ما رسالتك إلى للمجتمع والمرضى؟

أقول للمجتمع احتووا مرضى ‮«السكلر‮»، افهموهم، فهم أشخاص طبيعيون كباقي الناس الأصحاء، فلا تتهموهم باتهامات سلبية وغير واقعية، فالوصمة السلبية يمكن أن تؤثر سلبًا على صحتهم وتؤدي إلى نوبات السكلر المتعبة، فمحاربو السكلر منهم الرسامون والشعراء والأطباء والمدرسون والمهندسون وكل المجالات، فافهموا ألمهم، فمن هذا الألم صنعوا حياة جديدة لهم مليئة بالإبداع والإنجاز.

كيف أثر مرض ‮«السكلر‮» على حياتك اليومية؟

أعيش معه كشخص أعتبره صديقًا ملازمًا لي منذ ولادتي، فصراعي معه بين مقاومة الألم وبين الخروج من قبضته وتحقيق طموحاتي. فحياتي اليومية مع السكلر هي جزء فيها من المعاناة من الألم.

في طفولتي كانت والدتي تمنعني من اللعب مع الأطفال في الحي خوفًا من نوبات السكلر، وكانت تمنعني من حصص الرياضة؛ ولكن كنت أشارك في الأنشطة المدرسية الأخرى مثل إلقاء الشعر وفي المسابقات. وأصبحت أمثل مدرستي في المسابقات الخارجية؛ بل ومثلت المدرسة خارج البحرين في مرحلة الثانوية.

بدأت ذروة المعاناة، حين عارض الغالبية قرار دخولي الجامعة، وبرروا ذلك بعدم استطاعتي مواصلة الدراسة الجامعية بسبب السكلر، وعندما قررت دخول تخصص الإعلام أخبروني أنني لن أتمكن، ثم عندما تخصصت في مجال الرياضة قالوا: ‮«الرياضة لا تناسب مرضى السكلر»؛ لكنني كنت أقول دائمًا لهم ‮«السكلر مصدر قوتي وهو من سيحقق طموحاتي، فلا تجعلوه عائقاً أمامي‮».

هل هناك موقف صعب تذكرينه بسبب المرض؟

بقدر ما منحني السكلر القوة إلا أنه كسرني مرة واحدة حين أخذ أعز أصدقائي ورفيقة دربي محاربة السكلر وديعة السيد عباس السهلاوي، فكان خبر وفاتها من أصعب اللحظات في حياتي، وزلزالا هز كياني كله، ومازلت أتذكر تفاصيل ذلك اليوم 31 مايو العام 2021 حين كنت معها في قسم الطوارئ حتى لحظة رحيلها.

ما العلاج المتوافر حالياً وهل يمكن أن يسيطر على السكلر؟

السكلر مرض في الدم يصيب كريات الدم الحمراء، فيغير شكلها من الشكل العادي القرصي إلى شكل هلالي منجلي، ويختلف علاج المرض من مريض لآخر، لأن النوبة تختلف من حالة لأخرى.

العلاج المتوافر حالياً في البحرين في مستشفياتنا هو العلاج بالأدوية، وهي إما بالإبر الأفيونية أو بالمسكنات التي تنقسم بين مسكنات مخدرة وغير مخدرة، وهناك أيضًا علاجات تستدعي التنويم في المستشفى.

والعلاج الذي أستخدمه حالياً هو علاج الهيدروكلوريا، وهو من أفضل الأدوية التي وفرتها البحرين؛ ولكنه لا يعالج السكلر بشكل نهائي، وسيظل المرض مرافق لي للأبد ومن المستحيل إلغاؤه.

أما الهيدروكسوريا فيخفف النوبات ويقلل من الحاجة للدخول إلى المستشفى؛ ولكن تبقى هناك مسؤولية على المريض لتخفيف نوباته لأن هناك عوامل تحفز المرض يجب الانتباه لها ومعالجتها والتخفيف منها؛ ولكن لا شيء يمنع من حدوث نوبات السكلر.

السكلر مرض غدار، قد يفاجئك في أي وقت، فيفسد لحظة فرح.

صحيح أن نوباتي خفت في فترة بعد استعمال الهيدروكسوريا؛ ولكن عادت لاحقًا وكأنني لم أستعمله، فالتحسن مع هذا الدواء يتفاوت من مريض لآخر،  فهناك مرضى لم يحتاجوا للدخول للمستشفى منذ أكثر من عشرين سنة.

أنت مصورة وإعلامية، ماذا يضيف لك هذا كونك مريضة سكلر؟

هدفي من الإعلام هو إيصال رسالتي وصوتي الداخلي وصوت 9000 مريض معي إلى المجتمع البحريني وكل المجتمعات التي تضم محاربي السكلر.

وتخصصت في مجال الرياضة وهو مجال يندر وجود النساء فيه كمصورات وإعلاميات، وأشارك في أكثر من بطولة في البحرين، وسأواصل عملي في الإعلام حتى آخر أنفاسي لأوصل رسالتي كوني مريضة سكلر بأنني أستطيع أن أكون في هذا المجال.

ما إنجازاتك وتحدياتك في مجال الرياضة؟

كنت أعشق الرياضة منذ طفولتي؛ ولكن والدتي كانت تمنعني خوفاً من أن أصاب بنوبات السكلر؛ لكن اليوم أنا ربطت الألم بالرياضة، فهناك أشخاص عالجوا الألم بالقراءة، وبعضهم بالتفكير الإيجابي، أما أنا فعالجت الألم بالرياضة، فعندما مارست الرياضة قلت نوباتي وحققت إنجازاتي، فحققت لقب دوري الجامعات لكرة الطائرة في هذه السنة موسم 2024 - 2025 كأحد أعضاء الجهاز الفني، رغم عبارات التشكيك التي كانت تقلل من قدراتي كمريضة سكلر حتى من والدي ووالدتي. كنت أتنقل من بين أكثر من لعبة رياضية وأكتشف الألعاب الرياضية وأمارس السباحة وبدأت الذهاب إلى النادي الرياضي ‮«الجيم‮»، فأمارس الرياضة يومياً لصحتي والتغلب على الألم.

ماذا يعني لك اليوم العالمي لمرض الفقر الدم المنجلي؟

اليوم العالمي لفقر الدم المنجلي هو فرصة لنا نحن مرضى السكلر لنوصل صوتنا الداخلي المكبوت إلى العالم الخارجي، ونكسر صمتنا وننشر الأمل، ونوضح للمجتمع أننا أقوياء ونشرح لهم كيف يجب أن يعاملونا، والدعم الذي نحتاجه منهم.

في هذا اليوم نسلط الضوء على مرضى السكلر والمحاربين الذين لديهم إنجازات مكبوتة وغير معروفة، لنظهر أننا أشخاص طبيعيون نعيش حياتنا مثل الآخرين؛ لكننا نختلف عنهم فقط في الألم وهو الشيء الوحيد الذي يميزنا عنهم.