محمد الصافي.. عنوان للتحدي والصبر في مواجهة “الثلاسيميا”
محمد الصافي طالب في المرحلة الثانوية، يبلغ من العمر 18 عامًا، وهو شاب مناضل ومكافح وعنوان للتحدي والصبر، حيث سطر تجربة ملحمية وملهمة مع مرض الثلاسيميا، فتمكن من انتزاع الأمل المبعثر من أجواء الكآبة والظروف المستحيلة التي تطوق المرض من كل الجهات، وتغرقه في بحر من الألم المرهق، فحياته مقيدة بجرعات الدم التي تنقل له بشكل دوري كل أسبوعين وتمده بالحياة، حيث بدأ صراعه مع الحياة في أشهره الأولى، وكانت المستشفيات وغرف نقل الدم مساحاته المتاحة بدل ساحات اللعب، وأصوات الأجهزة أولى الأصوات التي أتقن فهمها؛ ولكنه لم يستسلم لأقدار المرض وتمرد على قرارته؛ ليصنع فلسفته الخاصة كما يشاء هو لا كما يشاء المرض، وكان قد اقترب من الخلاص من المرض بزرع نخاع؛ ولكن فحوصات العائلة لم تكن متطابقة، لكنه لم يفقد الأمل أو يتخلى عن حلمه وأمنيته يومًا في أن تجرى له العملية ويتحرر من المرض للأبد. وبالرغم من قسوة المرض وآلامه المزعجة، إلا أنه منحه قدرات خيالية، وقاده لاكتشاف قوته الداخلية وأدرك فلسفة الحياة. ويصف محمد جمعية أمراض الدم الوراثية بجمعية الأحلام؛ لما قدموه من دعم ومساندة طوال رحلته مع مرض الثلاسيميا. كان “لصحتنا” لقاء مع محمد الصافي؛ للإضاءة أكثر على تجربته الملهمة مع مرض الثلاسيميا.
بدايات رحلته مع الثلاسيميا
بدأت القصة منذ أن كان طفلًا في عمر الخمسة أشهر فقط، في فترة كان فحص الزواج غير إجباري، حيث تبين أنه لم يكن يدرك ما حوله؛ ولكن والدته كانت تسرد له تفاصيل البدايات، حيث تقول إن ولادته كانت طبيعية؛ ولكن بسبب معاناته من الاسترجاع والتقيؤ، نقلوه لقسم العناية، وتم ترخيصه بعد أسبوع مع المتابعة في مجمع السلمانية الطبي، الذين أخبروها أن سبب الترجيع قد يعود لحساسيته من الحليب، لذلك وصفوا لها حليبا نباتيا، واستمرت عليه، ولكن الاسترجاع والتقيؤ استمر، ولاحظت أن وجهه أصفر، فذهبت به إلى المركز الصحي، وبدورهم بعثوها إلى مجمع السلمانية الطبي، وبعد فحوصات الدم تبيّن أن دمه ناقص، فنقل له دم، وبعدها لم يتوقف التقيؤ؛ فقررت زيارة عيادة خاصة إلى الدكتور حسين زين الدين، الذي حولها مجددًا إلى مجمع السلمانية؛ لإجراء عملية منظار لمعرفة السبب، وقبل العملية كانت نتائج دمه تشير إلا أن دمه ناقص، فأخبرتهم أنه للتو تم نقل دم إليه، فطلبوا فحوصات دم شاملة لمعرفة سبب نزول الدم، وتم إجراء الفحوصات لها وللأب ومحمد وتم تأجيل العملية، وبعد ظهور النتائج التقوهم في لقاء يجمع الأطباء بهم، وكانوا يمهدون للحديث عن المرض ومضاعفاته، وأنه سيحتاج لنقل دم مدى الحياة، فأصابتها صدمة عنيفة أدخلت على إثرها المستشفى، وتم إلغاء عملية المنظار وطلبوا منهم المتابعة مع قسم الأمراض الوراثية ومع مواعيد نقل الدم.
وتابع “لم أكن أعرف معنى المرض نفسه إلا مع دخولي إلى المدرسة، حيث كنت أغيب كثيرًا بسبب الترقيد أو نقل الدم أو المواعيد، فكنت أسأل والدتي ومن حولي عن هذا المرض”.
فترة “الكورونا” من أصعب المراحل
ولفت إلى أن أصعب المراحل التي واجهته كانت فترة الكورونا، عندما أصيب بهذا الفيروس، وأحتاج إلى نقل دم، فكانت الإجراءات دقيقة وصعبة جدًّا في ذلك الوقت.
كانت عائلته في بداية اكتشاف مرضه في حاله من الصدمة والضيق والحزن، فقد كان حدثا جديدا عليهم؛ ولكن مع مرور الوقت أصبحوا الداعم الأول له في مسيرة حياته من حيث التشجيع والحوافز والوقوف إلى جانبه في جميع الظروف التي مرَّ بها.
جمعية الأحلام
وبالنسبة للمجتمع، فقد كان الجميع من حوله يقدمون الدعم النفسي والتشجيع المستمر، خصوصًا المعلمين الذين كانوا يقفون معه ويقدمون الدعم والمساعدة التي يحتاجها من حيث تقديم الامتحانات ودخول المدرسة والخروج منها. وأضاف “من الجهات التي دعمتني وكان لها الأثر الطيب في نفسيتي هي جمعية أمراض الدم الوراثية، وعلى رأسها رئيسة الجمعية الدكتورة شيخة العريض والأخت العزيزة ليلي أم عباس، وأعتبرها جمعية الأحلام”.
اليوم العالمي للثلاسيميا
وعن اليوم العالمي للثلاسيميا، أكد أنه يعني له الكثير، حيث تقوم الجمعية بالاحتفال بهذه المناسبة وتثقيف المرضى، وتكريم المرضى الذين يتحدون المرض ويتمكنون من تنزيل نسبة الحديد في الدم، وتوعية المرضى عبر سرد قصص المرضى والتحديات التي يقومون بها من أجل تحسين الصحة العامة.
كسر حاجز الخوف
وبين أن أهم الإنجازات التي لعبت دورًا كبيرًا في حياته هي تشجيع جمعية أمراض الدم الوراثية ووقوفها معه، إذ مكنته من الظهور للجميع وإلقاء الخطابات، وهذا ما كسر حاجز الخوف والخجل.
رسالته للمرضى والمجتمع
وفي رسالته لجميع المرضى، دعاهم إلى تقبل المرض والصبر مع الالتزام بالمواعيد وعدم التخلف عنها، ونقل الدم الدوري، والتغذية الصحية وممارسة الرياضة، وممارسة الحياة الطبيعية، وألا يجعلوا من المرض ذريعة للتخلف عن مقاعد الدراسة.
ونصيحته للمجتمع هي الالتزام بالفحص قبل الزواج، وتوعية الشباب خصوصًا المقبلين على الزواج عبر المحاضرات، وحثهم على الأخذ بنصيحة الأطباء وعدم الانجرار وراء العاطفة، لكي ينجبوا أبناء سليمين خالين من المرض.
الموقف الأصعب
وأشار أن الموقف الأصعب الذي واجهه كان حين قام جميع أفراد أسرته بعمل فحوصات لزراعة النخاع؛ ولكن مع الأسف الشديد لم يكن هناك تطابق؛ ولكنه لم يفقد الأمل حينها وما زال ينتظر وسينتظر، خصوصا مع تطور العلاج والبحوث والتجارب.
مرضي لم يكن عائقًا
ولفت إلى أن مرضه لم يكن عائقًا في مزاوله دراسته ونشاطاته الخارجية، حيث الخروج مع أصدقائه وممارسة هواياته المحببة. أما وحدة نقل الدم، فمنذ أن كان طفلاً حتى هذه اللحظة، وقفوا معه وقفات مشرفه، ويتواصل معهم قبل سفره، وهم يرتبون له إجراءات نقل الدم، وكذلك بالنسبة للدراسة، فيقدم الامتحان أو يتم تأجيله.
يتعطل يومه عند الذهاب لنقل الدم
وعن شعوره أثناء ذهابه لنقال الدم، أشار إلى أن يومه يتوقف، حيث يذهب من الصباح إلى فترة ما بعد الظهيرة، فينتهي يومه قبل أن يبدأ بسبب الألم والمعاناة، خصوصًا إذا كانت هناك فعاليات أو امتحانات فسيحرم منها لالتزامه بنقل الدم، وكذلك لا يستطيع السفر لأكثر من أسبوعين؛ لأنه يحتاج لنقل الدم بشكل دوري.
واختتم حديثه بالقول ”إن المرض أخذ مني الكثير، فلسب مني راحتي الجسدية وصحتي النفسية ووقتي؛ لأنني قضيت حياتي بين الألم والتعب؛ لكنه رغم ذلك أضاف لي الكثير، مثل الصبر ومعرفة القيمة الحقيقية للصحة والعافية وجعلني أرى الحياة من زاوية مختلفة، وأقدر النعم التي كانت عادية”.
